
أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء
الحلقة الثانية من سلسلة «رغوة زيت الزيتون من المعصرة إلى العبوة»
تغادر عبوة زيت الزيتون خط الإنتاج محكمة الغلق، لامعة ونظيفة، ولا يظهر على سطحها ما يدعو إلى القلق. لكن في المسافة الصغيرة بين الزيت والغطاء قد يبقى قدر من الهواء، وفي داخل الزيت نفسه قد يكون جزء من الأكسجين قد ذاب خلال الاستخلاص أو الضخ أو التعبئة.
لا يصدر هذا الأكسجين صوتاً، ولا يغيّر لون الزيت فوراً، ولا يمنح المستهلك إنذاراً مبكراً. لكنه يبدأ ببطء في استهلاك ما يجعل زيت الزيتون مميزاً: مركباته الفينولية، وتوكوفيرولاته، ونكهته الطازجة، وقدرته على مقاومة التزنخ.
وهنا يدخل النيتروجين إلى المشهد، لا باعتباره مادة تحسن زيتاً رديئاً، ولا غازاً سحرياً يضاعف مدة الصلاحية، وإنما أداة هندسية لإبعاد الأكسجين وحماية الجودة التي نجح المصنع بالفعل في إنتاجها.
لكن كيف يستخدم النيتروجين؟ وهل كل طرق استخدامه متشابهة؟ ولماذا تظهر أحياناً فقاعات أو رغوة بعد الحقن؟ ومتى يتحول الإفراط في الحماية إلى معاملة قد تؤثر في الرائحة الفاكهية للزيت؟
هذه هي قصة الحلقة الثانية.
تناولنا في الحلقة الأولى الأسباب العلمية لظهور رغوة زيت الزيتون، وعرفنا أن الفقاعات قد تنشأ نتيجة احتجاز الهواء أثناء الفصل أو الضخ أو التعبئة، وأن الماء والجسيمات الدقيقة قد يبطئان زوالها.
كما أكدنا أن الرغوة ليست دليلاً على أن الزيت بكر ممتاز، ولا اختباراً للحموضة أو النقاء أو الغش.
لكن ظهور النيتروجين في بعض خطوط التعبئة يضيف سؤالاً جديداً: إذا كان النيتروجين غازاً للحماية، فلماذا قد يكوّن فقاعات؟ وهل المطلوب إدخاله في الزيت أم إبقاؤه فوق سطحه؟
الإجابة تبدأ من فهم الخطر الذي صُممت التقنية لمواجهته: الأكسدة.
تعتمد جودة زيت الزيتون البكر الممتاز على أكثر من تركيب الأحماض الدهنية. فالزيت يحتوي أيضاً على مركبات فينولية وتوكوفيرولات وأصباغ ومركبات متطايرة تسهم في ثباته وقيمته الحسية.
وعندما يتعرض الزيت للأكسجين تبدأ تفاعلات الأكسدة الذاتية، فتتكون نواتج أكسدة أولية يمكن أن تنعكس على رقم البيروكسيد وK232، ثم تتحلل لاحقاً إلى مركبات ثانوية ترتبط بتراجع النكهة وظهور روائح التزنخ.
ولا يكون التدهور محسوساً دائماً منذ اللحظة الأولى؛ فقد تبدأ التغيرات الكيميائية بينما لا يزال الزيت مقبولاً ظاهرياً.
ويؤكد دستور الأغذية (الكودكس) في مدونة تخزين ونقل الزيوت والدهون أن ملامسة الأكسجين الموجود في الجو تسبب تغيرات كيميائية تخفض جودة المنتج، كما يوصي بتقليل مساحة تماس الزيت مع الهواء قدر الإمكان عند تصميم خزانات التخزين.
وتتسارع الأكسدة مع اجتماع عدة عوامل، أهمها:
ومن هنا لا يعمل النيتروجين منفرداً، بل يجب أن يكون جزءاً من نظام متكامل يشمل التخزين والتعبئة والعبوة والغطاء ودرجة الحرارة والضوء.
النيتروجين غاز قليل التفاعل كيميائياً في ظروف تخزين وتعبئة الأغذية، ولذلك يمكن استخدامه لتقليل نسبة الأكسجين المحيطة بالزيت دون الدخول في تفاعلات مؤثرة مع مكوناته الأساسية.
ويستهدف استخدامه واحداً أو أكثر من الأهداف التالية:
وقد أظهرت دراسة تخزين لمدة 18 شهراً أن وجود النيتروجين في الحيز العلوي للعبوة ساعد على الاحتفاظ بدرجة أفضل بالمركبات الفينولية و$\alpha$-توكوفيرول والنشاط المضاد للأكسدة مقارنة بالعبوات التي احتوت على الهواء، تحت ظروف الدراسة نفسها.
لكن عبارة «استخدام النيتروجين» قد تشير إلى ثلاث تقنيات تختلف تماماً في طريقة عملها وتأثيرها في الرغوة.
عندما يكون خزان الزيت غير ممتلئ تماماً، يبقى فوق سطحه حيز يحتوي عادة على الهواء. ومع سحب الزيت من الخزان يزداد حجم هذا الحيز، وقد يدخل هواء جديد لتعويض الحجم المسحوب.
في نظام التغطية بالنيتروجين، يزوَّد الحيز العلوي بغاز النيتروجين للحفاظ على جو منخفض الأكسجين فوق سطح الزيت.
ويهدف هذا النظام إلى:
وعندما يُدخل النيتروجين بهدوء إلى الحيز العلوي، لا يفترض أن يسبب رغوة، لأنه لا يمر مباشرة داخل كتلة الزيت.
وتزداد كفاءة النظام عندما يكون الخزان:
وتذكر مدونة الكودكس لتخزين الزيوت أن الخزانات الطويلة والضيقة تقلل مساحة سطح الزيت المعرض للهواء مقارنة بالخزانات العريضة، وهو مبدأ هندسي يتكامل مع التغطية بالغاز الخامل.
حتى إذا كان الزيت محفوظاً في الخزان تحت النيتروجين، فإنه قد يتعرض مجدداً للهواء عند انتقاله إلى العبوة.
ويبقى بعد التعبئة حيز صغير بين سطح الزيت والغطاء يُعرف باسم الحيز العلوي Headspace. ويحتوي هذا الحيز، في غياب المعالجة، على الهواء بنسبة أكسجين تقارب نسبته في الجو.
ويمكن استخدام النيتروجين بطريقتين:
وتعتمد كفاءة العملية على:
ولا يكفي أن تصدر فوهة النيتروجين صوتاً أو أن تظهر فقاعات كي يثبت نجاح العملية؛ فالمعيار الحقيقي هو تركيز الأكسجين المتبقي بعد الغلق وثباته خلال التخزين.
تصحيح مفهوم شائع: النيتروجين لا يعمل لأنه أثقل من الهواء. يُقال أحياناً إن النيتروجين «أثقل من الهواء»، ولذلك يهبط داخل العبوة ويطرد الأكسجين إلى أعلى. وهذا التفسير غير دقيق. فالكتلة الجزيئية للنيتروجين تساوي نحو 28، بينما يبلغ متوسط الكتلة الجزيئية للهواء نحو 29، وتبلغ كتلة الأكسجين الجزيئية 32. ولا تعتمد عملية الإزاحة على غوص الغاز أو طفو الهواء، وإنما تعتمد على تدفق النيتروجين ميكانيكياً، وتقليل تركيز الأكسجين، وإغلاق العبوة سريعاً.
قد يكون جزء من الأكسجين قد ذاب بالفعل داخل الزيت خلال الاستخلاص أو الفصل بالطرد المركزي أو الضخ. وفي هذه الحالة لا يكفي خفض أكسجين الحيز العلوي وحده، لأن الأكسجين المذاب داخل الزيت قد يواصل دعم تفاعلات الأكسدة بعد التعبئة.
ولخفض هذا الأكسجين، يمكن تمرير النيتروجين في صورة فقاعات صغيرة داخل الزيت أو داخل خط النقل. ويُطلق على هذه العملية الحقن أو التجريد بالنيتروجين (Nitrogen Stripping).
أظهرت الدراسات أن تمرير النيتروجين داخل زيت الزيتون البكر الممتاز خفّض الأكسجين المذاب بنحو النصف، بينما سجل الزيت غير المعامل قيمة بيروكسيد أعلى بعد استهلاك الأكسجين المذاب. كما أظهرت أبحاث أخرى أن إزالة الأكسجين المذاب بعد الفصل الرأسي حسنت رقم البيروكسيد وK232 وساعدت على الاحتفاظ بالتوكوفيرولات والمركبات الفينولية خلال التخزين.
عند تمرير النيتروجين داخل الزيت تتكون فقاعات تنتقل خلال الوسط الدهني قبل أن تصل إلى السطح. وإذا كان معدل الغاز مرتفعاً، أو كانت الفقاعات شديدة الدقة، أو كانت لزوجة الزيت مرتفعة، فقد يستغرق خروجها وقتاً أطول، فتظهر رغوة مؤقتة في الخزان أو العبوة.
وتزداد المشكلة مع:
ولهذا لا يجب تفسير زيادة الرغوة بأنها علامة على أن النيتروجين يؤدي وظيفته بكفاءة؛ فقد تكون دليلاً على أن المعاملة أصبحت أكثر شدة مما يحتاجه الزيت.
لا تُقاس كفاءة العملية بكمية الغاز المستهلكة، بل بالنتيجة المحققة. والهدف هو الوصول إلى خفض فعّال في الأكسجين دون تكوين رغوة مفرطة، أو فقد المركبات المتطايرة المرغوبة (مثل مركب E-hex-2-enal المسؤول عن الرائحة الخضراء الفاكهية)، أو تغيير التوازن الحسي للزيت.
من أكثر الأخطاء شيوعاً في تقييم التعبئة الاكتفاء بقياس أكسجين الحيز العلوي، ثم افتراض أن الزيت أصبح محمياً بالكامل.
قد تنجح ماكينة التعبئة في خفض أكسجين الحيز العلوي، بينما يصل الزيت إليها محملاً بأكسجين مذاب اكتسبه خلال الفصل أو الضخ. ومن هنا يجب النظر إلى ميزانية الأكسجين الكلية داخل العبوة.
لا يمكن نقل رقم واحد وتطبيقه على جميع خطوط إنتاج زيت الزيتون. فإحدى التجارب أظهرت أن خفض أكسجين الحيز العلوي إلى نطاق 2–5% ساعد على تحسين ثبات الزيت، لكن هذه النسبة تختلف حسب الصنف، والجودة الابتدائية، ونوع العبوة، ودرجة الحرارة. لذلك يجب أن يحدد المصنع هدفه التشغيلي عبر دراسة صلاحية مرتبطة بمنتجه.
قد يستخدم المصنع أفضل نظام نيتروجين، ثم يعيد إدخال الهواء نتيجة إسقاط الزيت من أعلى العبوة. ولهذا يُفضل استخدام نظام التعبئة من أسفل إلى أعلى (Bottom-up Filling)، حيث تبدأ الفوهة بالقرب من القاع وترتفع تدريجياً.
لا تكفي المعالجة بالنيتروجين إذا كانت العبوة تسمح بنفاذ الأكسجين أو الضوء. فتتطلب الحماية الفعالة اجتماع أربعة عناصر:
النيتروجين لا يصنع الجودة، بل يقلل سرعة فقدها. وهو لا يستطيع إصلاح زيت مرتفع الحموضة أو زيت مؤكسد بالكامل قبل التعبئة.
يقف النيتروجين داخل الخزان والعبوة حارساً لا يُرى. مهمته أن يترك صفات الزيت كما هي لأطول وقت ممكن. والسؤال الصناعي الصحيح ليس: كمية النيتروجين التي نستطيع إدخالها؟ بل: ما أقل كمية تحقق الخفض المطلوب في الأكسجين، وتحافظ في الوقت نفسه على صوت الزيت الحقيقي ورائحته الفاكهية؟
في الحلقة الثالثة
بعد خفض الأكسجين وضبط التخزين والتعبئة، يبقى السؤال التنظيمي الأهم:
كيف يثبت المصنع أن الزيت سيظل مطابقاً طوال فترة الصلاحية؟ وهل يكفي استخدام النيتروجين لكتابة عامين على العبوة؟
الحلقة الثالثة: صلاحية زيت الزيتون والمواصفة المصرية 49/2026
وسنتناول فيها:
• الفرق بين مواصفة هوية الزيت ومواصفات الصلاحية.
• لماذا لا يضيف النيتروجين عاماً تلقائياً إلى العمر التخزيني؟
• تصميم دراسة صلاحية زيت الزيتون.
• المؤشرات الكيميائية والحسية الواجب متابعتها.
• مصفوفة التشخيص والتحقيق في الرغوة.
• الاختبار الداخلي لمراقبة قابلية تكوين الرغوة.
• المسؤولية القانونية والفنية عن المدة المكتوبة على العبوة.