
كيف يتحول زيت نباتي سائل إلى مارجرين قابل للفرد، أو دهن مخبوزات يحتفظ بالهواء، أو حشوة تنصهر داخل الفم دون أن تذوب أثناء التخزين؟ وهل يتطلب ذلك استخدام الزيوت المهدرجة جزئيًا وتكوين الدهون المتحولة؟
الإجابة هي أن الصناعة لا تعتمد على عملية واحدة، بل تستخدم مجموعة من التقنيات لتعديل تركيب الدهن وسلوكه البلوري ومحتواه الصلب عند درجات الحرارة المختلفة.
في الحلقة السابقة ناقشنا أكسدة الزيوت والعوامل التي تتحكم في الثبات والجودة أثناء التخزين والقلي. لكن نجاح الدهن داخل الغذاء لا يعتمد على الثبات فقط؛ إذ يجب أن يمتلك أيضًا قوامًا وانصهارًا وتبلورًا يتناسب مع المنتج. وهنا يأتي دور تصنيع الدهون الوظيفية.
ويقصد بمصطلح «الدهون الوظيفية» هنا الوظيفة التكنولوجية داخل الغذاء، وليس بالضرورة وجود فائدة صحية خاصة.
لا يوفر الزيت الطبيعي الواحد دائمًا جميع الخواص المطلوبة. فقد يكون الزيت جيدًا من الناحية التغذوية، لكنه شديد السيولة لصناعة المارجرين. وقد يكون دهن آخر صلبًا، لكنه يترك إحساسًا شمعيًا في الفم أو يتبلور في صورة غير مرغوبة.
وتحتاج المنتجات المختلفة إلى مواصفات متباينة:
لذلك يبدأ تصميم الدهن بتحديد الوظيفة المطلوبة، ثم اختيار المواد الخام والعمليات القادرة على تحقيقها.
يهدف التكرير إلى إزالة المكونات غير المرغوبة وتحسين اللون والطعم والرائحة والثبات والسلامة. وقد تشمل عملية التكرير مراحل مثل:
يساعد التكرير المنضبط في إنتاج زيت ثابت ومحايد النكهة ومناسب للاستخدام الغذائي. لكنه قد يؤدي أيضًا إلى خفض بعض التوكوفيرولات والستيرولات والمركبات الطبيعية، وفق شدة العملية.[1،2]
ومن ثم لا يصح وصف كل تكرير بأنه ضار أو كل زيت غير مكرر بأنه أفضل؛ فالتقييم يعتمد على جودة المادة الخام وهدف المعالجة والتحكم في الوقت والحرارة والمنتج النهائي.
التجزئة (Fractionation) عملية فصل فيزيائي تعتمد على اختلاف درجات انصهار مكونات الدهن.
يُسخن الدهن أولًا لإذابة البلورات، ثم يُبرّد وفق برنامج محدد يسمح لبعض الجلسريدات الثلاثية بالتبلور. وبعد ذلك تُفصل البلورات الصلبة عن الجزء السائل.
ومن أشهر الأمثلة تجزئة زيت النخيل إلى:
ولا تغير التجزئة الأحماض الدهنية كيميائيًا، لكنها تعيد توزيع أنواع الجلسريدات الثلاثية بين الأجزاء الناتجة، فتختلف نسب الأحماض والخواص الفيزيائية لكل جزء.[2]
لا يتحول الدهن من سائل إلى صلب بطريقة واحدة؛ إذ تستطيع جزيئات الجلسريدات الثلاثية ترتيب نفسها في صور بلورية متعددة، تعرف بالتعدد الشكلي (Polymorphism).
ومن أهم الصور:
ويؤثر معدل التبريد والتحريك ودرجة الحرارة ومدة التخزين وتركيب الجلسريدات في الصورة البلورية النهائية.
ولهذا لا ينتهي تصنيع المارجرين أو الدهن الوظيفي بمجرد خلط الزيوت؛ بل يحتاج إلى ضبط التبريد والتشكيل والعمل الميكانيكي حتى تتكون شبكة بلورية مناسبة تحتجز الزيت السائل داخلها.
يعبر محتوى الدهن الصلب (Solid Fat Content; SFC) عن نسبة الجزء الموجود في الحالة الصلبة عند درجة حرارة محددة.
ولا تكفي نقطة انصهار واحدة لوصف أداء الدهن؛ فقد يكون الدهن صلبًا بدرجة مناسبة داخل الثلاجة، لكنه شديد الصلابة عند الاستخدام، أو لا ينصهر بالكامل داخل الفم.
ولذلك يُقاس SFC عند عدة درجات حرارة لرسم منحنى يوضح:
ويمثل منحنى SFC أداة أساسية في تصميم المارجرين والسمن النباتي ودهون المخبوزات والحشوات.
الأسترة التبادلية (Interesterification) عملية تعيد توزيع الأحماض الدهنية بين جزيئات الجلسريدات الثلاثية أو بين مواضعها على هيكل الجلسرول.
وقد تكون:
لا تغير العملية عادةً النسب الإجمالية للأحماض الدهنية، لكنها تغير أنواع جزيئات TAGs، وبالتالي تعدل:
ولا تنتج الأسترة التبادلية الدهون المتحولة في ذاتها؛ ولذلك أصبحت إحدى الأدوات المهمة لتصميم بدائل للدهون المعتمدة سابقًا على الهدرجة الجزئية.[1،3]
لكن عدم تكوين TFA لا يعني أن كل دهن مؤستر تبادليًا متساوٍ صحيًا؛ إذ يجب تقييم كمية الأحماض المشبعة، والتوزيع الموضعي، ومصفوفة الغذاء، والكمية المستهلكة.
تضيف الهدرجة الجزئية الهيدروجين إلى جزء من الروابط المزدوجة، فتزيد الصلابة والثبات. لكنها قد تحول بعض روابط cis إلى trans، فتنتج الزيوت المهدرجة جزئيًا (Partially Hydrogenated Oils; PHOs)، وهي مصدر رئيس للدهون المتحولة الصناعية.ولهذا أصبحت PHOs هدفًا للإزالة أو الحظر في عدد متزايد من التشريعات.
تستمر الهدرجة الكاملة حتى تتحول معظم الروابط المزدوجة إلى روابط أحادية. وينتج دهن شديد التشبع ومرتفع الانصهار، لكنه يحتوي عادةً على مقادير ضئيلة جدًا من TFA.
ولا يستخدم هذا الدهن الصلب غالبًا منفردًا؛ بل قد يخلط بزيوت سائلة أو يخضع للأسترة التبادلية لإنتاج دهن ذي منحنى انصهار وقوام مناسبين.
إذن:الهدرجة الجزئية ≠ الهدرجة الكاملة ≠ الأسترة التبادلية.
يبدأ التصميم بتحديد منحنى SFC المطلوب، ثم اختيار خليط من:
بعد ذلك يخضع الخليط للتبريد المتحكم فيه والتبلور والعمل الميكانيكي، لتكوين شبكة من البلورات الدقيقة تحتجز الزيت السائل والماء وتمنح المنتج القوام والاستقرار المطلوبين.
ويعتمد نجاح المنتج على تحقيق توازن بين الصلابة والثبات والانصهار والقيمة التغذوية، لا على رفع المحتوى الصلب وحده.
لا يمكن الحكم على الدهن من كونه «مصنعًا» فقط. فبعض العمليات تزيل ملوثات أو تحسن الثبات، وبعضها يعدل القوام دون تكوين TFA، بينما قد تنتج عمليات أخرى مكونات غير مرغوبة إذا أسيء التحكم فيها.
ويجب تقييم المنتج النهائي وفق:
كما أن عبارة «خالٍ من الدهون المتحولة» لا تعني تلقائيًا أن المنتج منخفض الدهون المشبعة أو مناسب للاستهلاك غير المحدود.
تصنيع الدهون الوظيفية علم يقوم على التحكم في التركيب الجزيئي والتبلور ومحتوى الدهن الصلب، وليس مجرد تحويل الزيت السائل إلى مادة صلبة.
ويؤدي التكرير والتجزئة والأسترة التبادلية والهدرجة أدوارًا مختلفة. وتكمن النقطة الأهم في الفصل بين الهدرجة الجزئية المنتجة لـ TFA، والهدرجة الكاملة، والأسترة التبادلية التي تعيد توزيع الأحماض دون تكوين الدهون المتحولة في ذاتها.
والتقييم الصحيح لا يرفض التصنيع مطلقًا ولا يقبله مطلقًا؛ بل يدرس العملية والهدف والتركيب والجودة والمنتج النهائي.
بعد اكتمال الصورة الكيميائية والأيضية والتكنولوجية، نصل إلى الحلقة الختامية: ما الحدود الموصى بها للدهون؟ وما الفرق بين توصيات WHO ومشاورة FAO/WHO ومواصفات الكودكس؟ ولماذا لا تمثل كل الأرقام المتداولة حدودًا قانونية؟ هذا ما نناقشه في توصيات الدهون الغذائية والدهون المتحولة ودور الكودكس.