
أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء
فقاعات صغيرة تفتح باباً كبيراً من الأسئلة؛ تنساب قطرات زيت الزيتون بلونها الذهبي داخل العبوة، ثم ترتفع فقاعات صغيرة إلى السطح، وتتجمع أحياناً حول عنق الزجاجة في صورة طبقة بيضاء رقيقة.
لا يستغرق المشهد سوى لحظات، لكنه قد يفتح باباً واسعاً من التساؤلات: هل هذه الرغوة علامة على فساد الزيت؟ هل تعني وجود ماء أو شوائب؟ هل تدل على أن الزيت طازج وغير مكرر؟ أم أنها مجرد أثر طبيعي لعملية التعبئة؟
قد يراها المستهلك دليلاً غامضاً على الجودة أو الغش، بينما يراها فني التشغيل رسالة قادمة من المضخة أو الفوهة أو الخزان. وقد يبحث مسؤول الجودة عن الرطوبة والشوائب، في حين يراجع مهندس الإنتاج سرعة التدفق ودرجة حرارة الزيت.
والحقيقة أن رغوة زيت الزيتون لا تقدم حكماً واحداً قاطعاً؛ فهي ليست شهادة جودة، كما أنها ليست دليلاً تلقائياً على الفساد. إنها ظاهرة فيزيائية قد تبدأ في المعصرة، أو تتكون أثناء الضخ والنقل، أو تظهر في اللحظات الأخيرة من التعبئة.
الفقاعات تخبرنا بأن غازاً دخل إلى الزيت أو تحرر منه، لكنها لا تخبرنا وحدها إن كان الزيت جيداً أو رديئاً.
الرغوة عبارة عن تجمع مؤقت لفقاعات غازية دقيقة تفصل بينها أغشية رقيقة من السائل. وفي حالة زيت الزيتون، قد تحتوي الفقاعات على الهواء الذي دخل أثناء التصنيع والتداول، أو على غاز آخر استُخدم خلال بعض عمليات التعبئة، مثل النيتروجين.
ولا يُعد الزيت النقي وسطاً مثالياً لتكوين رغوة شديدة الثبات؛ لذلك تميل الفقاعات عادة إلى الصعود والاندماج ثم الانهيار بعد استقرار العبوة.
لكن سرعة اختفائها لا تعتمد على كمية الغاز وحدها، بل تتأثر بعدة عوامل، أهمها:
وقد تتمركز بعض هذه المكونات عند السطح الفاصل بين الزيت والغاز، فتبطئ اندماج الفقاعات وانهيارها. لذلك قد تبدو الرغوة أكثر وضوحاً في الزيت الحديث غير المفلتر مقارنة بزيت صافٍ ومستقر ومنخفض الرطوبة والشوائب.
لا تبدأ قصة الفقاعات بالضرورة عند فوهة العبوة، بل قد تبدأ قبل ذلك بعدة مراحل.
تمر ثمار الزيتون بعمليات إزالة الأوراق والغسيل والطحن والعجن، ثم الفصل بالطرد المركزي باستخدام الديكانتر والفرازة الرأسية. وبعدها ينتقل الزيت إلى خزانات التجميع والتخزين، ثم إلى وحدات الترشيح وخطوط التعبئة.
وخلال هذه الرحلة قد يدخل الهواء إلى الزيت بسبب:
وعندما يدخل الهواء في صورة فقاعات دقيقة، قد تحتجزها لزوجة الزيت لبعض الوقت قبل أن تتمكن من الصعود إلى السطح. وهنا تظهر الرغوة، لا باعتبارها مكوناً غريباً أُضيف إلى الزيت، بل باعتبارها أثراً مرئياً لحركة الغاز داخل وسط دهني لزج.
قد تكون الفقاعات المحدودة التي تختفي سريعاً ظاهرة عابرة لا تحمل دلالة مهمة. لكن تكرار الرغوة بكثافة على خط التعبئة يستحق المراجعة، لأنه قد يؤدي إلى:
وبذلك تصبح الرغوة أحياناً مؤشراً تشغيلياً على أن طريقة انتقال الزيت أو تعبئته تحتاج إلى ضبط، دون أن تكون بالضرورة مؤشراً على فساد الزيت نفسه.
يحتوي زيت الزيتون الخارج حديثاً من وحدات الفصل على كميات متفاوتة من:
ويعطي وجود هذه المكونات الزيت غير المفلتر مظهره العكر أو الضبابي المعروف أحياناً باسم الزيت المحجّب أو الضبابي.
وقد بينت الدراسات أن عكارة الزيت غير المفلتر ترتبط أساساً بقطرات دقيقة من ماء الثمار والمواد الصلبة غير الذائبة. وتوفر هذه القطرات والجسيمات بيئة يمكن أن ترتبط بها الخمائر وبعض الأنشطة الإنزيمية، بما قد يؤثر في الصفات الحسية للزيت إذا طال التخزين قبل الفصل أو الترشيح.
وتساعد هذه المكونات كذلك على إبطاء خروج الفقاعات، فتكون الرغوة أكثر وضوحاً أو أطول بقاءً. لكن ذلك لا يعني أن:
فالزيت الممتاز قد يُرشح جيداً ولا يظهر رغوة ملحوظة، بينما قد يحتوي زيت منخفض الجودة على فقاعات كثيرة بسبب سوء التشغيل أو ارتفاع الرطوبة.
أصبح الترشيح من أكثر المراحل إثارة للنقاش في صناعة زيت الزيتون.
فمن ناحية، يساعد الترشيح على إزالة الماء والجسيمات الدقيقة، وتقليل الرواسب، وتحسين استقرار الزيت أثناء التخزين. ومن ناحية أخرى، قد تختلف آثاره في المركبات الفينولية والمتطايرة وفق نوع المرشح وطريقة التشغيل وتركيب الزيت الأصلي.
ولهذا لا يمكن اختزال المسألة في قاعدة تقول إن الزيت غير المفلتر أفضل دائماً، أو أن المفلتر أفضل في جميع الحالات.
تشير مراجعات الدراسات إلى أن الترشيح يمثل عملية مهمة لتثبيت الزيت من خلال إزالة الرطوبة والمواد الصلبة والإنزيمات المرتبطة بالتدهور، لكن تأثيره النهائي في المركبات الفينولية والصفات الحسية يختلف باختلاف الصنف ونظام الترشيح وتركيب الزيت عند بدء العملية.
كما أظهرت دراسة مقارنة أن الترشيح خفّض بصورة كبيرة محتوى الماء والمواد الصلبة والعكارة والحمل الميكروبي، بينما أدى تأخير الترشيح في ظروف الدراسة إلى ظهور عيب حسي رواسبي خلال فترة قصيرة في بعض العينات.
إذن، فالسؤال الصحيح ليس: هل نرشح الزيت أم لا؟ بل: متى يُرشح الزيت؟ وبأي نظام؟ وما مستوى الماء والجسيمات قبل التخزين؟ وما أثر العملية في الخصائص الحسية والكيميائية للتشغيلة المحددة؟
يجب الفصل بين مؤشرين مختلفين:
وتدرج مواصفة الكودكس الحالية CXS 33-1981 الخاصة بزيوت الزيتون وزيوت تفل الزيتون ضمن عوامل الجودة التكميلية حداً أقصى للرطوبة والمواد المتطايرة يبلغ 0.2% في زيوت الزيتون البكر، وقد سجل الكودكس آخر تعديل للمواصفة في عام 2024.
لكن من الضروري فهم أن الحد الأقصى للمواصفة ليس بالضرورة هدف التشغيل المثالي. فالمصنع الذي يستهدف تخزيناً طويلاً وجودة مستقرة لا ينبغي أن ينتظر وصول الرطوبة أو الشوائب إلى الحد النهائي للمطابقة، بل يضع مستويات إنذار داخلية أقل، وفق إمكانات الفصل والترشيح ونوع العبوة وفترة الصلاحية المستهدفة.
ويؤدي خفض الماء والجسيمات إلى تقليل احتمالات:
ومع ذلك، فإن خفض الرطوبة وحده لا يمنع الرغوة إذا كانت المضخة تسحب الهواء، أو كان الزيت يسقط من ارتفاع، أو كانت سرعة التعبئة تسبب اضطراباً شديداً.
جودة الزيت تتحقق بمنظومة كاملة؛ فلا يمكن لمرشح جيد أن يعالج خط تعبئة سيئ، ولا لفوهة مثالية أن تعوض زيتاً مرتفع الرطوبة والرواسب.
لا.
لا يجوز استخدام شكل الرغوة أو زمن بقائها لتقدير الحموضة الحرة في زيت الزيتون. فالرقم المعروف 0.8% هو الحد الأقصى للحموضة الحرة ضمن متطلبات تصنيف زيت الزيتون البكر الممتاز، وليس حداً فيزيائياً لتكوين الرغوة.
وقد تتأثر الخواص البينية للزيت بتركيبه ومحتواه من المواد القطبية، لكن تكوين الرغوة عملية متعددة العوامل، تتداخل فيها:
ولذلك فإن الحموضة لا تُقاس بالعين، بل بطريقة تحليلية معتمدة.
الإجابة القاطعة: لا.
قد تظهر الرغوة في زيت بكر ممتاز، وقد تظهر أيضاً في زيت لا يطابق هذه الفئة. كما قد يغيب ظهورها تماماً عن زيت ممتاز عُبئ بطريقة هادئة بعد ترشيح مناسب.
ولا يثبت ظهور الرغوة أن الزيت:
وبالمثل، لا يثبت غياب الرغوة أن الزيت مكرر أو منخفض الجودة. ويعتمد تصنيف زيت الزيتون البكر الممتاز على اجتماع المتطلبات الكيميائية مع التقييم الحسي المعتمد، وليس على علامة بصرية منفردة. ويحتفظ المجلس الدولي للزيتون بمنهج رسمي للتقييم الحسي لزيوت الزيتون البكر، إلى جانب طرق التحليل الكيميائي المعتمدة.
ملاحظة: هذا الجدول أداة للفرز الأولي، وليس وسيلة لتشخيص الزيت نهائياً.
تكون الفقاعات غالباً ظاهرة تشغيلية عابرة عندما:
وفي هذه الحالة لا تمثل الرغوة بمفردها دليلاً على وجود خطر يتعلق بسلامة الزيت.
تستحق الظاهرة تحقيقاً فنياً عندما:
وقد يكشف التحقيق أن السبب ليس في الزيت، بل في:
رغوة زيت الزيتون ليست اختباراً للنقاء، ولا مقياساً للطزاجة، ولا وسيلة لتحديد الحموضة أو التصنيف.
قد تكون مجرد أثر لحركة الهواء خلال الزيت، وقد تستمر فترة أطول بسبب الرطوبة والجسيمات الدقيقة، وقد تتحول داخل المصنع إلى علامة تساعد على اكتشاف خلل في الضخ أو الفصل أو التعبئة.
لكن الحكم الحقيقي على الزيت يبدأ من:
فالفقاعة قد تكشف أن الزيت تحرك بعنف، لكنها لا تستطيع أن تكشف وحدها كيف أُنتج، أو ما إذا كان يطابق فئة البكر الممتاز.
إذا كانت الرغوة لا تثبت جودة الزيت، فلماذا تستخدم مصانع زيت الزيتون غاز النيتروجين؟ وهل يؤدي النيتروجين إلى زيادة الفقاعات، أم أن وظيفته الحقيقية تبدأ مع خطر آخر لا تراه العين؟
الحلقة الثانية: النيتروجين في تعبئة زيت الزيتون.. كيف يحمي الزيت دون أن يجرّد نكهته؟
وسنتناول فيها: