للأعلان

لماذا تظهر رغوة زيت الزيتون؟ الأسباب العلمية وهل تدل على الجودة؟

تاريخ النشر:
July 30, 2026
أخر تعديل:
July 30, 2026

أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء

الفهرس

Text Link

فقاعات صغيرة تفتح باباً كبيراً من الأسئلة؛ تنساب قطرات زيت الزيتون بلونها الذهبي داخل العبوة، ثم ترتفع فقاعات صغيرة إلى السطح، وتتجمع أحياناً حول عنق الزجاجة في صورة طبقة بيضاء رقيقة.

لا يستغرق المشهد سوى لحظات، لكنه قد يفتح باباً واسعاً من التساؤلات: هل هذه الرغوة علامة على فساد الزيت؟ هل تعني وجود ماء أو شوائب؟ هل تدل على أن الزيت طازج وغير مكرر؟ أم أنها مجرد أثر طبيعي لعملية التعبئة؟

قد يراها المستهلك دليلاً غامضاً على الجودة أو الغش، بينما يراها فني التشغيل رسالة قادمة من المضخة أو الفوهة أو الخزان. وقد يبحث مسؤول الجودة عن الرطوبة والشوائب، في حين يراجع مهندس الإنتاج سرعة التدفق ودرجة حرارة الزيت.

والحقيقة أن رغوة زيت الزيتون لا تقدم حكماً واحداً قاطعاً؛ فهي ليست شهادة جودة، كما أنها ليست دليلاً تلقائياً على الفساد. إنها ظاهرة فيزيائية قد تبدأ في المعصرة، أو تتكون أثناء الضخ والنقل، أو تظهر في اللحظات الأخيرة من التعبئة.

الفقاعات تخبرنا بأن غازاً دخل إلى الزيت أو تحرر منه، لكنها لا تخبرنا وحدها إن كان الزيت جيداً أو رديئاً.

ما المقصود برغوة زيت الزيتون؟

الرغوة عبارة عن تجمع مؤقت لفقاعات غازية دقيقة تفصل بينها أغشية رقيقة من السائل. وفي حالة زيت الزيتون، قد تحتوي الفقاعات على الهواء الذي دخل أثناء التصنيع والتداول، أو على غاز آخر استُخدم خلال بعض عمليات التعبئة، مثل النيتروجين.

ولا يُعد الزيت النقي وسطاً مثالياً لتكوين رغوة شديدة الثبات؛ لذلك تميل الفقاعات عادة إلى الصعود والاندماج ثم الانهيار بعد استقرار العبوة.

لكن سرعة اختفائها لا تعتمد على كمية الغاز وحدها، بل تتأثر بعدة عوامل، أهمها:

  • لزوجة الزيت.
  • درجة حرارته.
  • حجم الفقاعات.
  • شدة الاضطراب أثناء الضخ.
  • وجود قطرات ماء دقيقة.
  • وجود جسيمات معلقة من أنسجة الثمار.
  • وجود آثار من مركبات قطبية ذات نشاط سطحي.

وقد تتمركز بعض هذه المكونات عند السطح الفاصل بين الزيت والغاز، فتبطئ اندماج الفقاعات وانهيارها. لذلك قد تبدو الرغوة أكثر وضوحاً في الزيت الحديث غير المفلتر مقارنة بزيت صافٍ ومستقر ومنخفض الرطوبة والشوائب.

من أين يدخل الهواء إلى زيت الزيتون؟

لا تبدأ قصة الفقاعات بالضرورة عند فوهة العبوة، بل قد تبدأ قبل ذلك بعدة مراحل.

تمر ثمار الزيتون بعمليات إزالة الأوراق والغسيل والطحن والعجن، ثم الفصل بالطرد المركزي باستخدام الديكانتر والفرازة الرأسية. وبعدها ينتقل الزيت إلى خزانات التجميع والتخزين، ثم إلى وحدات الترشيح وخطوط التعبئة.

وخلال هذه الرحلة قد يدخل الهواء إلى الزيت بسبب:

  • الاضطراب داخل الأنابيب والخزانات.
  • تشغيل المضخات بمعدلات غير مناسبة.
  • تسرب الهواء من جانب السحب بالمضخة.
  • سقوط الزيت من ارتفاع.
  • التعبئة من أعلى العبوة بسرعة مرتفعة.
  • إعادة تدوير الزيت داخل الخط.
  • كثرة الانحناءات والاختناقات في شبكة النقل.
  • حدوث التجويف داخل المضخة نتيجة سوء ظروف السحب.

وعندما يدخل الهواء في صورة فقاعات دقيقة، قد تحتجزها لزوجة الزيت لبعض الوقت قبل أن تتمكن من الصعود إلى السطح. وهنا تظهر الرغوة، لا باعتبارها مكوناً غريباً أُضيف إلى الزيت، بل باعتبارها أثراً مرئياً لحركة الغاز داخل وسط دهني لزج.

متى تتحول الرغوة إلى رسالة من خط الإنتاج؟

قد تكون الفقاعات المحدودة التي تختفي سريعاً ظاهرة عابرة لا تحمل دلالة مهمة. لكن تكرار الرغوة بكثافة على خط التعبئة يستحق المراجعة، لأنه قد يؤدي إلى:

  • تفاوت مستوى الملء بين العبوات.
  • تعبئة كمية زائدة لتعويض الحجم الذي تشغله الرغوة.
  • تناثر الزيت خارج الزجاجة.
  • تلوث عنق العبوة والغطاء.
  • ضعف إحكام الغلق.
  • خفض سرعة الخط.
  • زيادة الفاقد وتكرار عمليات التنظيف.

وبذلك تصبح الرغوة أحياناً مؤشراً تشغيلياً على أن طريقة انتقال الزيت أو تعبئته تحتاج إلى ضبط، دون أن تكون بالضرورة مؤشراً على فساد الزيت نفسه.

لماذا تظهر الرغوة أكثر في الزيت الحديث وغير المفلتر؟

يحتوي زيت الزيتون الخارج حديثاً من وحدات الفصل على كميات متفاوتة من:

  • قطرات ماء الثمار أو ماء التشغيل.
  • جسيمات دقيقة من القشرة واللب.
  • مواد غروية.
  • مركبات قطبية مرتبطة بالطور المائي والجسيمات العالقة.

ويعطي وجود هذه المكونات الزيت غير المفلتر مظهره العكر أو الضبابي المعروف أحياناً باسم الزيت المحجّب أو الضبابي.

وقد بينت الدراسات أن عكارة الزيت غير المفلتر ترتبط أساساً بقطرات دقيقة من ماء الثمار والمواد الصلبة غير الذائبة. وتوفر هذه القطرات والجسيمات بيئة يمكن أن ترتبط بها الخمائر وبعض الأنشطة الإنزيمية، بما قد يؤثر في الصفات الحسية للزيت إذا طال التخزين قبل الفصل أو الترشيح.

وتساعد هذه المكونات كذلك على إبطاء خروج الفقاعات، فتكون الرغوة أكثر وضوحاً أو أطول بقاءً. لكن ذلك لا يعني أن:

  • كل زيت غير مفلتر رديء.
  • أو كل زيت مفلتر أفضل بالضرورة.
  • أو أن وجود الرغوة يثبت أن الزيت طازج وعالي الجودة.

فالزيت الممتاز قد يُرشح جيداً ولا يظهر رغوة ملحوظة، بينما قد يحتوي زيت منخفض الجودة على فقاعات كثيرة بسبب سوء التشغيل أو ارتفاع الرطوبة.

الترشيح: حماية للزيت أم فقد لمكوناته الطبيعية؟

أصبح الترشيح من أكثر المراحل إثارة للنقاش في صناعة زيت الزيتون.

فمن ناحية، يساعد الترشيح على إزالة الماء والجسيمات الدقيقة، وتقليل الرواسب، وتحسين استقرار الزيت أثناء التخزين. ومن ناحية أخرى، قد تختلف آثاره في المركبات الفينولية والمتطايرة وفق نوع المرشح وطريقة التشغيل وتركيب الزيت الأصلي.

ولهذا لا يمكن اختزال المسألة في قاعدة تقول إن الزيت غير المفلتر أفضل دائماً، أو أن المفلتر أفضل في جميع الحالات.

تشير مراجعات الدراسات إلى أن الترشيح يمثل عملية مهمة لتثبيت الزيت من خلال إزالة الرطوبة والمواد الصلبة والإنزيمات المرتبطة بالتدهور، لكن تأثيره النهائي في المركبات الفينولية والصفات الحسية يختلف باختلاف الصنف ونظام الترشيح وتركيب الزيت عند بدء العملية.

كما أظهرت دراسة مقارنة أن الترشيح خفّض بصورة كبيرة محتوى الماء والمواد الصلبة والعكارة والحمل الميكروبي، بينما أدى تأخير الترشيح في ظروف الدراسة إلى ظهور عيب حسي رواسبي خلال فترة قصيرة في بعض العينات.

إذن، فالسؤال الصحيح ليس: هل نرشح الزيت أم لا؟ بل: متى يُرشح الزيت؟ وبأي نظام؟ وما مستوى الماء والجسيمات قبل التخزين؟ وما أثر العملية في الخصائص الحسية والكيميائية للتشغيلة المحددة؟

الرطوبة والشوائب: ما علاقتها بالرغوة والثبات؟

يجب الفصل بين مؤشرين مختلفين:

  1. الرطوبة والمواد المتطايرة: وهي تشمل الماء الموجود في الزيت، سواء في صورة قطرات دقيقة أو آثار موزعة في الوسط الدهني.
  2. الشوائب غير الذائبة: وهي الجسيمات الصلبة التي لا تذوب في الزيت، مثل بقايا أنسجة الثمار والمواد الدقيقة الناتجة من الاستخلاص.

وتدرج مواصفة الكودكس الحالية CXS 33-1981 الخاصة بزيوت الزيتون وزيوت تفل الزيتون ضمن عوامل الجودة التكميلية حداً أقصى للرطوبة والمواد المتطايرة يبلغ 0.2% في زيوت الزيتون البكر، وقد سجل الكودكس آخر تعديل للمواصفة في عام 2024.

لكن من الضروري فهم أن الحد الأقصى للمواصفة ليس بالضرورة هدف التشغيل المثالي. فالمصنع الذي يستهدف تخزيناً طويلاً وجودة مستقرة لا ينبغي أن ينتظر وصول الرطوبة أو الشوائب إلى الحد النهائي للمطابقة، بل يضع مستويات إنذار داخلية أقل، وفق إمكانات الفصل والترشيح ونوع العبوة وفترة الصلاحية المستهدفة.

ويؤدي خفض الماء والجسيمات إلى تقليل احتمالات:

  • التحلل المائي.
  • النشاط الإنزيمي غير المرغوب.
  • العيوب الحسية المرتبطة بالرواسب.
  • استمرار العكارة.
  • بطء تحرر الفقاعات.
  • تتباين سلوك الزيت أثناء التعبئة.

ومع ذلك، فإن خفض الرطوبة وحده لا يمنع الرغوة إذا كانت المضخة تسحب الهواء، أو كان الزيت يسقط من ارتفاع، أو كانت سرعة التعبئة تسبب اضطراباً شديداً.

جودة الزيت تتحقق بمنظومة كاملة؛ فلا يمكن لمرشح جيد أن يعالج خط تعبئة سيئ، ولا لفوهة مثالية أن تعوض زيتاً مرتفع الرطوبة والرواسب.

هل تدل رغوة زيت الزيتون على ارتفاع الحموضة؟

لا.

لا يجوز استخدام شكل الرغوة أو زمن بقائها لتقدير الحموضة الحرة في زيت الزيتون. فالرقم المعروف 0.8% هو الحد الأقصى للحموضة الحرة ضمن متطلبات تصنيف زيت الزيتون البكر الممتاز، وليس حداً فيزيائياً لتكوين الرغوة.

وقد تتأثر الخواص البينية للزيت بتركيبه ومحتواه من المواد القطبية، لكن تكوين الرغوة عملية متعددة العوامل، تتداخل فيها:

  • الرطوبة.
  • الجسيمات.
  • درجة الحرارة.
  • اللزوجة.
  • طريقة الضخ.
  • حجم الفقاعات.
  • شدة إدخال الغاز.

ولذلك فإن الحموضة لا تُقاس بالعين، بل بطريقة تحليلية معتمدة.

هل الرغوة علامة على أن الزيت بكر ممتاز؟

الإجابة القاطعة: لا.

قد تظهر الرغوة في زيت بكر ممتاز، وقد تظهر أيضاً في زيت لا يطابق هذه الفئة. كما قد يغيب ظهورها تماماً عن زيت ممتاز عُبئ بطريقة هادئة بعد ترشيح مناسب.

ولا يثبت ظهور الرغوة أن الزيت:

  • بكر ممتاز.
  • حديث الإنتاج بالضرورة.
  • غير مكرر.
  • غير مغشوش.
  • غني بالمركبات الفينولية.
  • مرتفع القيمة الصحية.
  • عُبئ باستخدام النيتروجين.

وبالمثل، لا يثبت غياب الرغوة أن الزيت مكرر أو منخفض الجودة. ويعتمد تصنيف زيت الزيتون البكر الممتاز على اجتماع المتطلبات الكيميائية مع التقييم الحسي المعتمد، وليس على علامة بصرية منفردة. ويحتفظ المجلس الدولي للزيتون بمنهج رسمي للتقييم الحسي لزيوت الزيتون البكر، إلى جانب طرق التحليل الكيميائي المعتمدة.

ما العلامات التي تساعد على التمييز بين الرغوة العابرة والحالة التي تستدعي الفحص؟

الملاحظة التفسير الأقرب الإجراء المناسب
فقاعات محدودة تختفي بعد استقرار العبوة هواء محتجز أثناء الضخ أو التعبئة متابعة الخط دون الحكم على جودة الزيت من الرغوة
فقاعات كبيرة تختفي سريعاً سقوط حر أو اضطراب عند الملء مراجعة ارتفاع الفوهة وسرعة التدفق
رغوة كثيفة مع عكارة ماء وجسيمات دقيقة أو ضعف في الفصل قياس الرطوبة والشوائب ومراجعة الترشيح
رغوة مستمرة مع رواسب تخزين زيت غير مفلتر أو ضعف تصريف الخزانات فحص قاع الخزان ونظام الفصل
رغوة مصحوبة برائحة غير طبيعية احتمال وجود عيب حسي أو تغيرات في الرواسب عزل التشغيلة وإجراء التحليل الحسي والكيميائي
اختلاف الرغوة بين تشغيلات متشابهة تغير الحرارة أو الخام أو ظروف الضخ مقارنة سجلات التشغيل والتحاليل

ملاحظة: هذا الجدول أداة للفرز الأولي، وليس وسيلة لتشخيص الزيت نهائياً.

متى تكون الرغوة طبيعية؟

تكون الفقاعات غالباً ظاهرة تشغيلية عابرة عندما:

  • تظهر أثناء التعبئة أو بعدها مباشرة.
  • تتناقص تدريجياً مع استقرار العبوة.
  • لا يصاحبها انفصال واضح للماء.
  • لا توجد رواسب كثيفة.
  • لا تظهر رائحة تخمرية أو زنخة.
  • تكون نتائج التحاليل الكيميائية والحسية مطابقة.

وفي هذه الحالة لا تمثل الرغوة بمفردها دليلاً على وجود خطر يتعلق بسلامة الزيت.

متى يجب التوقف والتحقق؟

تستحق الظاهرة تحقيقاً فنياً عندما:

  • تصبح الرغوة كثيفة بصورة متكررة.
  • تعوق الوصول إلى مستوى الملء الصحيح.
  • تستمر بصورة غير معتادة.
  • يصاحبها تلوث عنق العبوة.
  • ترتبط بعكارة أو رواسب مرتفعة.
  • يصاحبها تغير في الرائحة أو الطعم.
  • تختلف فجأة بين تشغيلات يفترض تماثلها.

وقد يكشف التحقيق أن السبب ليس في الزيت، بل في:

  • وصلة تسحب الهواء.
  • مضخة تعمل خارج نطاقها الملائم.
  • فوهة مرتفعة.
  • تغير في حرارة الزيت.
  • ضعف في كفاءة الفرازة.
  • تأخر الترشيح.
  • اضطراب داخل خزان وسيط.

رسالة الحلقة الأولى: لا تحكم على الزيت من سطحه

رغوة زيت الزيتون ليست اختباراً للنقاء، ولا مقياساً للطزاجة، ولا وسيلة لتحديد الحموضة أو التصنيف.

قد تكون مجرد أثر لحركة الهواء خلال الزيت، وقد تستمر فترة أطول بسبب الرطوبة والجسيمات الدقيقة، وقد تتحول داخل المصنع إلى علامة تساعد على اكتشاف خلل في الضخ أو الفصل أو التعبئة.

لكن الحكم الحقيقي على الزيت يبدأ من:

  • جودة الثمار.
  • سرعة الاستخلاص.
  • كفاءة الفصل.
  • التحكم في الماء والرواسب.
  • ظروف التخزين.
  • التحاليل الكيميائية.
  • التقييم الحسي.

فالفقاعة قد تكشف أن الزيت تحرك بعنف، لكنها لا تستطيع أن تكشف وحدها كيف أُنتج، أو ما إذا كان يطابق فئة البكر الممتاز.

في الحلقة الثانية

إذا كانت الرغوة لا تثبت جودة الزيت، فلماذا تستخدم مصانع زيت الزيتون غاز النيتروجين؟ وهل يؤدي النيتروجين إلى زيادة الفقاعات، أم أن وظيفته الحقيقية تبدأ مع خطر آخر لا تراه العين؟

الحلقة الثانية: النيتروجين في تعبئة زيت الزيتون.. كيف يحمي الزيت دون أن يجرّد نكهته؟

وسنتناول فيها:

  • الفرق بين تغطية الخزانات وتطهير العبوات والحقن داخل الزيت.
  • الأكسجين المذاب وأكسجين الحيز العلوي.
  • ضبط ضغط النيتروجين ومعدل تدفقه.
  • خطر الإفراط في الحقن على المركبات العطرية.
  • التعبئة من أسفل إلى أعلى.
  • العلاقة بين النيتروجين ونوع العبوة.

مقالات آخرى للكاتب