قد يبدو الزيت صافيًا، ويحتفظ بلونه الطبيعي، ولا تصدر منه رائحة زنخة واضحة، بينما تكون داخله قد بدأت بالفعل سلسلة من تفاعلات الأكسدة. وفي المقابل قد يتغير لون زيت القلي بسبب مكونات الغذاء قبل أن يصل بالضرورة إلى أقصى درجات التدهور.
فكيف نميز بين المظهر الخارجي والحالة الكيميائية الحقيقية للزيت؟
في الحلقة السابقة تعرفنا إلى أوميجا-3 وأوميجا-6، ورأينا أن الروابط المزدوجة تمنح الأحماض الدهنية وظائف حيوية مهمة. لكن هذه الروابط نفسها تجعل الأحماض المتعددة غير المشبعة أكثر قابلية للأكسدة. وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات في علوم الزيوت: قد يكون الحمض الدهني مهمًا من الناحية التغذوية، لكنه يحتاج إلى حماية أكبر أثناء التصنيع والتخزين والاستخدام الحراري.
ما أكسدة الزيوت؟
أكسدة الزيوت سلسلة من التفاعلات التي تحدث عندما تتفاعل الدهون، خصوصًا الأحماض الدهنية غير المشبعة، مع الأكسجين. ولا تقع الأكسدة في خطوة واحدة، بل تمر عادةً بثلاث مراحل رئيسية:
- مرحلة البدء: تفقد السلسلة الدهنية ذرة هيدروجين من موقع قابل للأكسدة، فيتكون جذر حر دهني. ويمكن أن تبدأ العملية أو تتسارع بفعل:
- الحرارة.
- الضوء.
- الحديد والنحاس.
- نواتج الأكسدة الموجودة مسبقًا.
- بعض الإنزيمات في المواد الخام غير المعالجة.
- مرحلة الانتشار: يتفاعل الجذر الدهني مع الأكسجين، فيتكون جذر بيروكسيدي، ثم ينتزع ذرة هيدروجين من جزيء دهني آخر. وينتج عن ذلك هيدروبيروكسيد دهني وجذر جديد، فتستمر السلسلة.
- مرحلة الإنهاء: تتفاعل الجذور الحرة مع بعضها لتكوين مركبات أكثر استقرارًا نسبيًا. لكن الهيدروبيروكسيدات التي تكونت خلال المراحل السابقة غير مستقرة، وقد تتحلل إلى ألدهيدات وكيتونات وأحماض ومركبات متطايرة مسؤولة عن الزنخ وفقد النكهة والجودة [1، 2].
لماذا تتأكسد بعض الزيوت أسرع؟
تزداد قابلية الحمض الدهني للأكسدة بوجه عام مع زيادة عدد الروابط المزدوجة. ولذلك يكون الحمض الأحادي غير المشبع أكثر ثباتًا نسبيًا من الأحماض الثنائية أو الثلاثية عدم التشبع.
ولهذا تميل الزيوت عالية الأوليك إلى تحمل الأكسدة بدرجة أفضل من صورها التقليدية المرتفعة في حمض اللينوليك، إذا كانت بقية عوامل الجودة متقاربة.
لكن درجة عدم التشبع ليست العامل الوحيد؛ فقد يختلف الثبات بين زيتين متشابهين في الأحماض الدهنية بسبب اختلاف:
- محتوى مضادات الأكسدة الطبيعية.
- جودة المادة الخام.
- مستوى الأحماض الدهنية الحرة.
- آثار المعادن.
- نواتج الأكسدة الابتدائية.
- درجة التكرير.
- العبوة وظروف التخزين.
فالثبات التأكسدي نتيجة للتفاعل بين التركيب والحالة الابتدائية والبيئة المحيطة، وليس صفة يحددها حمض دهني واحد.
ما العوامل التي تسرّع فساد الزيت؟
- الأكسجين: يؤدي وجود الهواء في العبوة أو تعرض سطح واسع من الزيت له إلى زيادة فرص الأكسدة. ولذلك يتأكسد الزيت في العبوة شبه الفارغة أسرع عادةً من العبوة الممتلئة والمغلقة جيدًا.
- الضوء: يمكن للضوء، خصوصًا عند وجود أصباغ حساسة مثل الكلوروفيل، أن يبدأ مسارًا سريعًا يعرف بالأكسدة الضوئية. ولهذا تفيد العبوات الداكنة أو غير المنفذة للضوء في حماية بعض الزيوت.
- الحرارة: ترفع الحرارة سرعة التفاعلات الكيميائية، وتزيد تحلل الهيدروبيروكسيدات وتكوين المركبات الثانوية. ويصبح التأثير أكبر أثناء القلي بسبب استمرار التسخين وتعرض الزيت للأكسجين والرطوبة ومكونات الغذاء.
- الماء وبقايا الطعام: تدخل الرطوبة إلى الزيت من الغذاء أثناء القلي، فتسهم في التحلل المائي للجلسريدات الثلاثية. كما قد تعمل بقايا الطعام المتفحمة والمعادن والمكونات المتسربة من الغذاء على تسريع التدهور.
- تكرار التسخين: لا يعود الزيت بعد التبريد إلى حالته الأصلية. فكل دورة تسخين تضيف إلى ما تكوّن سابقًا من نواتج الأكسدة والتحلل والبلمرة، خصوصًا إذا بقي الزيت معرضًا للهواء والضوء بين مرات الاستخدام.
هل تحمي مضادات الأكسدة الطبيعية الزيت؟
تحتوي بعض الزيوت على توكوفيرولات وتوكوترينولات ومركبات فينولية تستطيع إبطاء انتشار الأكسدة من خلال منح الهيدروجين للجذور الحرة أو تعطيل بعض مسارات التفاعل.
لكن فاعلية مضاد الأكسدة تعتمد على:
- نوع المركب وتركيزه.
- درجة الحرارة.
- نوع الزيت.
- وجود مضادات أكسدة أخرى.
- مستوى الأكسدة قبل بدء التخزين.
- وجود معادن أو مركبات مؤكسدة.
ولا تعني زيادة تركيز مضاد أكسدة واحد دائمًا زيادة خطية في الثبات؛ فقد تتغير الفاعلية عند التركيزات المرتفعة أو تحت ظروف التسخين الشديد.
هل نقطة التدخين تكفي لاختيار زيت القلي؟
نقطة التدخين هي درجة الحرارة التي يبدأ عندها ظهور دخان مستمر بوضوح من الزيت. وتتأثر بدرجة التكرير ومستوى الأحماض الدهنية الحرة والمركبات المتطايرة.
لكنها لا تقيس مباشرةً سرعة أكسدة الأحماض الدهنية، ولا كمية الألدهيدات أو المركبات القطبية أو البوليمرات المتكونة. ولذلك قد يمتلك زيت نقطة تدخين مرتفعة، لكنه لا يكون بالضرورة الأكثر ثباتًا خلال القلي المطول أو المتكرر.
ويتطلب اختيار زيت القلي تقييم:
- تركيبه من الأحماض الدهنية.
- ثباته التأكسدي.
- جودة الزيت الابتدائية.
- درجة التكرير.
- درجة حرارة القلي ومدته.
- معدل تجديد الزيت.
- نوع الغذاء المقلي.
كيف نقيس أكسدة الزيت؟
لا يوجد اختبار واحد يصف جميع مراحل الأكسدة؛ لذلك يُفضل استخدام أكثر من مؤشر:
- رقم البيروكسيد (PV): يقيس بصورة أساسية الهيدروبيروكسيدات، وهي من نواتج الأكسدة الأولية. وقد يرتفع في بداية الأكسدة ثم ينخفض عند تحلل الهيدروبيروكسيدات بفعل الحرارة. ولهذا فإن رقم بيروكسيد منخفضًا بعد التسخين الشديد لا يعني بالضرورة أن الزيت جيد؛ فقد تكون النواتج الأولية قد تحللت إلى مركبات ثانوية.
- قيمة الأنيسيدين (p-AnV): تعطي مؤشرًا على بعض نواتج الأكسدة الثانوية، خصوصًا الألدهيدات غير المتطايرة، ولذلك تكمل المعلومات التي يوفرها رقم البيروكسيد.
- قيمة TOTOX: تجمع بين الأكسدة الأولية والثانوية وفق المعادلة:
$$\text{TOTOX} = 2(\text{PV}) + p\text{-AnV}$$
وهي أكثر شمولًا من استخدام أحد المؤشرين منفردًا، لكنها لا تمثل كل نواتج التدهور الممكنة.
- زمن الحث التأكسدي (OSI): يقيس مقاومة الزيت للأكسدة تحت ظروف اختبار متسارعة من الحرارة والهواء. ويفيد في المقارنة بين الزيوت، لكنه لا يمثل بصورة مباشرة مدة الصلاحية الفعلية في جميع ظروف التخزين.
- المركبات القطبية الكلية (TPC): تشمل طيفًا من نواتج التحلل والأكسدة والبلمرة المتكونة أثناء القلي، ولذلك تعد مؤشرًا مهمًا لمتابعة تدهور زيوت القلي. وتختلف الحدود التنظيمية المقبولة لها باختلاف الدولة والتشريع.
كيف نحافظ على جودة الزيت؟
- حفظ الزيت بعيدًا عن الضوء والحرارة.
- إغلاق العبوة بإحكام بعد الاستخدام.
- اختيار حجم عبوة يتناسب مع معدل الاستهلاك.
- تجنب التخزين لفترات طويلة بعد الفتح.
- عدم تسخين الزيت إلى درجة ظهور الدخان.
- إزالة بقايا الغذاء من زيت القلي.
- تجنب خلط زيت شديد الاستخدام بزيت جديد لإخفاء تدهوره.
- عدم الاعتماد على اللون أو الرائحة وحدهما في الاستخدامات التجارية.
الخلاصة
أكسدة الزيوت عملية متدرجة تبدأ غالبًا قبل ظهور علامات حسية واضحة. وتتحدد سرعتها من خلال عدد الروابط المزدوجة، ومضادات الأكسدة، والمعادن، والضوء، والحرارة، والأكسجين، والرطوبة، وجودة الزيت الابتدائية.
ولا تكفي نقطة التدخين أو رقم البيروكسيد أو المظهر الخارجي منفردًا للحكم على الزيت. فالتقييم الصحيح يجمع بين مؤشرات الأكسدة الأولية والثانوية، وظروف الاستخدام، والمركبات القطبية ونواتج التدهور الأخرى.
في الحلقة التالية
إذا كان تركيب الزيت يحدد جزءًا من ثباته، فكيف تستطيع الصناعة تعديل القوام والانصهار والتبلور دون الاعتماد على الدهون المتحولة؟ في الحلقة السابعة نناقش تصنيع الدهون الوظيفية، والفرق بين التكرير والتجزئة والأسترة التبادلية والهدرجة الجزئية والكاملة.
المراجع
- Frankel, E. N. (2005). Lipid Oxidation (2nd ed.). The Oily Press.
- Choe, E., & Min, D. B. (2007). Chemistry of deep-fat frying oils. Journal of Food Science, 72(5), R77–R86.
- Akoh, C. C. (Ed.). (2017). Food Lipids: Chemistry, Nutrition, and Biotechnology (4th ed.). CRC Press.
- FAO. (2010). Fats and fatty acids in human nutrition: Report of an expert consultation. FAO Food and Nutrition Paper 91.