
تنتشر نصائح كثيرة تطالب بخفض نسبة أوميجا-6 إلى أوميجا-3 حتى تصل إلى رقم يوصف بأنه «مثالي»، مثل 4:1 أو 2:1. ويُقدَّم أوميجا-6 أحيانًا باعتباره مولدًا للالتهاب، في مقابل وصف أوميجا-3 بأنه مضاد له.
لكن هل تعترف الهيئات العلمية فعلًا بنسبة سحرية واحدة؟ وهل أوميجا-6 ضار بطبيعته؟
في الحلقة السابقة تتبعنا هضم وامتصاص الدهون، ورأينا أن طول السلسلة يحدد بدرجة كبيرة الطريق الذي يسلكه الحمض الدهني من الأمعاء إلى الكبد والأنسجة. وبعد الوصول تبدأ مرحلة أخرى: استخدام الأحماض في بناء الأغشية أو إنتاج الطاقة أو تحويلها إلى مشتقات تؤدي وظائف حيوية. وهنا تظهر عائلتا أوميجا-6 وأوميجا-3.
يستطيع جسم الإنسان تكوين عدد كبير من الأحماض الدهنية، لكنه لا يمتلك إنزيمي ($\Delta12$) و($\Delta15$) desaturases اللازمين لإدخال روابط مزدوجة في مواضع معينة من السلسلة الكربونية.
ولهذا يحتاج إلى الحصول من الغذاء على حمضين أساسيين:
وينتمي LA إلى عائلة أوميجا-6، بينما ينتمي ALA إلى عائلة أوميجا-3. ويشير الرقم (n-6) أو (n-3) إلى موضع أول رابطة مزدوجة عند العد من الطرف الميثيلي للحمض الدهني.
ولا يعني وصف العائلة بأنها «أساسية» أن جميع أحماضها يجب الحصول عليها مباشرة من الغذاء؛ فالأساسيان هما LA وALA تحديدًا، بينما يمكن للجسم تكوين عدد من المشتقات الأطول منهما بكفاءات متفاوتة.
يوجد حمض اللينوليك LA في عدد كبير من الأغذية، ومن أبرز مصادره:
وبعد تناول LA يمكن أن يخضع لسلسلة من تفاعلات نزع التشبع وإطالة السلسلة، لينتج أحماضًا أطول، من أهمها حمض الأراكيدونيك (Arachidonic Acid; AA)، وصيغته (20:4n-6).
ويدخل AA في تركيب فوسفوليبيدات الأغشية، ويمكن أن يتحرر منها لإنتاج مجموعة من الوسائط الدهنية التي تشارك في تنظيم الالتهاب والمناعة والتجلط ووظائف الأوعية.
لكن التحويل من LA إلى AA عملية منظمة، ولا تعني زيادة LA بالضرورة حدوث ارتفاع متناسب في AA داخل الأنسجة أو زيادة تلقائية في جميع الوسائط الالتهابية.
يوجد حمض ألفا-لينولينيك ALA في:
ويمكن للجسم تحويل ALA إلى مشتقات أطول، منها:
إلا أن كفاءة التحويل ليست مرتفعة، خصوصًا عند الوصول إلى DHA. ويتأثر التحويل بالجنس والعمر والحالة الفسيولوجية والتركيب الغذائي ونشاط إنزيمات نزع التشبع والإطالة.
ولذلك لا تعد المصادر النباتية لـALA بديلًا مطابقًا للمصادر المباشرة لـEPA وDHA، التي تشمل:
ويؤدي DHA دورًا مهمًا في تركيب أنسجة الجهاز العصبي والشبكية، بينما يدخل EPA وDHA في تكوين عدد من الوسائط الدهنية التي تشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية.
وصف أوميجا-6 بأنها «مولدة للالتهاب» على نحو مطلق تبسيط غير دقيق.
صحيح أن AA يمكن أن يكون سلفًا لعدد من البروستاجلاندينات والثرومبوكسانات والليكوترينات المرتبطة ببدء الاستجابة الالتهابية أو تعزيز بعض مراحلها، لكنه ينتج أيضًا وسائط أخرى تؤدي وظائف تنظيمية وتسهم في إنهاء الالتهاب، ومنها بعض الليبوكسينات.
كما أن الاستجابة الالتهابية ليست عملية ضارة في أصلها؛ فهي جزء ضروري من الدفاع والإصلاح. ويظهر الضرر عندما تصبح غير منضبطة أو مزمنة، وليس لمجرد وجود حمض من عائلة أوميجا-6.
وتشير مشاورة FAO/WHO إلى أن زيادة تناول LA لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة AA في دهون البلازما أو الصفائح، ولا تثبت تلقائيًا زيادة تكوين الوسائط الالتهابية. كما أن لكل من أحماض (n-6) و(n-3) أدوارًا في تنظيم المناعة والالتهاب.
تستطيع مشتقات EPA وDHA تعديل تركيب الأغشية ومسارات إنتاج الوسائط الدهنية. كما تدخل في تكوين مركبات متخصصة تساعد على حلّ الالتهاب، مثل:
لكن هذا لا يعني أن كل تأثيرات أوميجا-3 «مضادة للالتهاب» بصورة مطلقة، أو أن زيادة تناولها بلا حدود تحقق فائدة متزايدة دائمًا. فالتأثير يعتمد على الجرعة والحالة الصحية والمصدر الغذائي والنمط الغذائي الكامل.
والتعبير الأدق هو أن أحماض أوميجا-3 طويلة السلسلة تشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية والمساعدة على حلّها، بدلًا من وصفها بأنها تعمل كمضادات التهاب دوائية.
لا توجد نسبة عالمية واحدة معتمدة يمكن وصفها بأنها النسبة المثالية لكل الأفراد.
وقد خلصت مشاورة FAO/WHO إلى أنه لا يوجد أساس كافٍ لوضع توصية محددة لنسبة (n-6:n-3)، أو لنسبة LA:ALA، إذا كان المدخول من كل عائلة يقع ضمن الحدود المناسبة.
وتظهر محدودية النسبة عندما نقارن نظامين غذائيين:
ورغم تطابق النسبة، فإن الكميات المطلقة مختلفة. كما يمكن خفض النسبة إما بزيادة أوميجا-3، وهو ما قد يكون مطلوبًا في بعض الحالات، أو بخفض أوميجا-6 إلى مستوى غير كافٍ، وهو لا يمثل بالضرورة تحسنًا.
لذلك يكون تقييم المدخول المطلق والمصادر الغذائية أكثر دلالة من الرقم الحسابي وحده.
لا يحتاج الأمر إلى مطاردة نسبة سحرية، بل إلى مجموعة خطوات عملية:
وقد تكون زيوت الطحالب خيارًا مباشرًا للحصول على DHA، وأحيانًا EPA، لمن لا يتناولون الأسماك، مع مراعاة الجرعة وجودة المنتج والحالة الصحية.
أوميجا-6 وأوميجا-3 عائلتان ضروريتان، وليستا قوتين متعارضتين إحداهما ضارة والأخرى نافعة على نحو مطلق.
فالحمضان الأساسيان هما LA وALA، بينما ينتج الجسم منهما مشتقات أطول بدرجات متفاوتة. كما أن وسائط العائلتين تؤدي أدوارًا متعددة في الأغشية والمناعة والالتهاب ووظائف الأوعية والجهاز العصبي.
ولا توجد نسبة سحرية واحدة معتمدة بينهما. والأدق علميًا هو التأكد من كفاية المدخول من كل عائلة، وتوفير مصادر مناسبة من EPA وDHA، والنظر إلى نمط الغذاء الكامل والكمية المستهلكة.
تتميز أحماض أوميجا-3 وأوميجا-6 بقيمة حيوية مهمة، لكن روابطها المزدوجة تجعلها أكثر قابلية للأكسدة. في الحلقة السادسة نوضح لماذا تفسد بعض الزيوت أسرع من غيرها، وما الفرق بين نقطة التدخين والثبات التأكسدي، وكيف تكشف مؤشرات الجودة بداية تدهور الزيت.