
هل يمكن لزيت الزيتون أن يكون أكثر من مجرد مكوّن غذائي على المائدة؟ وهل يمتلك بالفعل قدرة على دعم الصحة والوقاية من بعض الأمراض؟ هذا السؤال طرحه أحد مرضى الكبد الدهني خلال زيارة طبية، لتبدأ حكاية تكشف كيف أسهم حمض الأوليك المستخلص من زيت الزيتون في واحدة من أشهر القصص العلمية والإنسانية في تاريخ الطب الحديث.
دخل محمود، وهو مريض يعاني من الكبد الدهني، إلى عيادة الدكتور أحمد، وقال بقلق:
دكتور، الجميع يتحدث عن زيت الزيتون، لكن هل يستحق كل هذه الشهرة فعلًا؟
الدكتور أحمد: بالتأكيد. نحن ننصح مرضى الكبد الدهني باستبدال الدهون المشبعة بزيت الزيتون البكر الممتاز لاحتوائه على حمض الأوليك والعديد من المركبات المضادة للأكسدة التي تدعم صحة الكبد والقلب.
محمود: لكن هل توجد أمثلة حقيقية توضح أهمية هذا الزيت؟
الدكتور أحمد: سأحكي لك قصة علمية مؤثرة أثبتت كيف يمكن لأحد مكونات زيت الزيتون أن يصبح جزءًا من إنجاز طبي غير مسبوق.
في عام 1984 شُخِّص الطفل الأمريكي لورينزو أودون بمرض وراثي نادر يُعرف باسم الحثل الكظري الدماغي (ALD)، وهو مرض يؤدي إلى تراكم أحماض دهنية طويلة السلسلة جدًا داخل الجسم، مما يسبب تدمير الغلاف الواقي للأعصاب ويقود إلى تدهور عصبي سريع وخطير.
أبلغ الأطباء والديه آنذاك بأن الطب لا يملك علاجًا فعالًا، وأن مستقبل الطفل يبدو قاتمًا. لكن والديه، أوغوستو وميكايلا أودون، رفضا الاستسلام، وبدآ رحلة بحث علمي استثنائية لفهم المرض وآلياته البيوكيميائية.
بعد أشهر طويلة من الدراسة والتواصل مع العلماء حول العالم، توصلا إلى فكرة تعتمد على إعاقة إنتاج الأحماض الدهنية الضارة داخل الجسم من خلال توفير أحماض دهنية أخرى تتنافس معها على المسارات الأيضية.
كانت البداية مع حمض الأوليك، وهو الحمض الدهني الأحادي غير المشبع الذي يشكّل المكوّن الرئيسي في زيت الزيتون. وقد نجح في خفض مستويات الدهون الضارة بصورة ملحوظة، لكنه لم يكن كافيًا بمفرده.
وبعد أبحاث إضافية، تم تطوير تركيبة علاجية عُرفت لاحقًا باسم «زيت لورينزو»، لتصبح واحدة من أشهر القصص التي تجسّد قوة الإصرار والبحث العلمي.
يتكون زيت لورينزو من مزيج دقيق من نوعين من الأحماض الدهنية في صورة دهون ثلاثية:
وتُحضَّر هذه التركيبة بنسبة رياضية دقيقة تبلغ أربعة أجزاء من ثلاثي أوليات الجلسرين مقابل جزء واحد من ثلاثي إيروسيكات الجلسرين.
لا يعمل زيت لورينزو على إصلاح التلف العصبي الذي حدث بالفعل، بل يعتمد على ما يُعرف علميًا بـ«التثبيط التنافسي».
بمعنى آخر، تقوم الأحماض الدهنية الموجودة في التركيبة بإشغال بعض الإنزيمات المسؤولة عن تصنيع الأحماض الدهنية طويلة السلسلة جدًا، مما يؤدي إلى تقليل إنتاجها وإبطاء تراكمها داخل الجسم.
وقد أظهرت الدراسات أن هذه الاستراتيجية تكون أكثر فاعلية عندما تُستخدم وقائيًا قبل ظهور الأعراض العصبية وقبل حدوث أي تلف واضح في الدماغ.
أوضح الدكتور أحمد لمريضه أن الطبيب والباحث الشهير هوغو موزر وفريقه البحثي توصلوا إلى نتائج مهمة أظهرت أن التركيبة التي يحتوي الجزء الأكبر منها على حمض الأوليك المستخلص من زيت الزيتون يمكن أن تؤخر أو تمنع ظهور الأعراض العصبية لدى الأطفال الحاملين لجين المرض عندما تُعطى في مرحلة مبكرة جدًا، قبل ظهور الأعراض وقبل رصد تغيرات في التصوير بالرنين المغناطيسي.
وهذا يؤكد حقيقة مهمة في عالم التغذية والعلاج، وهي أن بعض المكونات الغذائية قد تلعب دورًا يتجاوز التغذية التقليدية لتصبح جزءًا من استراتيجيات وقائية مدعومة بالعلم.
محمود: إذن هل زيت الزيتون يعالج الكبد الدهني مثلما ساعد في هذه القصة؟
الدكتور أحمد: لا، فلكل مرض آلياته الخاصة، ولا يجوز الخلط بين الحالات المرضية المختلفة. لكن القصة تبرز القيمة العلمية لحمض الأوليك، وهو المكوّن الرئيسي في زيت الزيتون. وبالنسبة للكبد الدهني، فإن إدخال زيت الزيتون البكر الممتاز ضمن نظام غذائي متوازن، إلى جانب إنقاص الوزن والنشاط البدني، يُعدّ من الخيارات الغذائية الموصى بها لدعم صحة الكبد وتحسين جودة الدهون في النظام الغذائي.
قصة لورينزو ليست مجرد حكاية طبية مؤثرة، بل دليل على أن البحث العلمي قد يكشف أدوارًا مدهشة لمكونات غذائية طبيعية نحتفظ بها يوميًا في مطابخنا. ويظل زيت الزيتون البكر الممتاز أحد أبرز هذه المكونات، ليس فقط لقيمته الغذائية الكبيرة، بل لاحتوائه على حمض الأوليك الذي كان جزءًا أساسيًا من واحدة من أشهر الابتكارات العلاجية الوقائية في تاريخ الأمراض الوراثية النادرة.
وفي النهاية، قد لا يكون زيت الزيتون علاجًا سحريًا لكل الأمراض، لكنه يبقى أحد أفضل الاستثمارات الغذائية لصحة الإنسان عندما يكون جزءًا من نمط حياة صحي ومتوازن.