
وسط الزحام الكبير في أروقة معرض أنوجا العالمي بألمانيا، توقف الحاج سيد، أحد منتجي زيت الزيتون، أمام جناح يعرض منتجات لم يكن يتوقع أن يكون للزيتون علاقة بها. مساحيق غذائية، مواد تجميل، وقود حيوي، وحتى مواد تدخل في صناعة البلاستيك.
اقترب منه صديقه وسأله: "كل هذه المنتجات من الزيتون؟"
الحاج سيد: "ليس من الزيتون فقط... من مخلفات الزيتون!"
صديقه: "تقصد النوى والقشور وبقايا العصر؟"
الحاج سيد: "نعم، ما كنا نعتبره عبئًا وتكلفة للتخلص منه أصبح اليوم مصدر دخل جديد للمصانع والمزارع حول العالم."
لم يكن حديث الحاج سيد مبالغة؛ فبحسب المجلس الدولي للزيتون، بلغ إنتاج زيت الزيتون العالمي نحو 3.57 مليون طن خلال موسم 2024-2025، وهو ما يعكس الحجم الهائل لهذا القطاع وما ينتجه من كميات ضخمة من المواد الثانوية القابلة للاستثمار.
لسنوات طويلة، كانت النوى والقشور وبقايا العصر تُعامل على أنها مخلفات زراعية يجب التخلص منها. لكن التحول العالمي نحو الاستدامة والاقتصاد الدائري غيّر هذه النظرة بالكامل.
وتشير تجارب الصناعة الأوروبية إلى أن عملية عصر الزيتون تنتج في المتوسط 20% زيت زيتون مقابل 80% من المنتجات الثانوية الرطبة التي يمكن إعادة تدويرها واستثمارها اقتصاديًا. وقد نجحت بعض الشركات الأوروبية في الوصول إلى نموذج "صفر نفايات" عبر الاستفادة من هذه المواد في إنتاج الوقود والأعلاف والمواد الصناعية المختلفة.
في السنوات الأخيرة، لفتت نوى الزيتون أنظار شركات الأغذية الصحية بعد أن كشفت الدراسات احتواءها على نسب مرتفعة من الألياف الغذائية ومركبات البوليفينول المضادة للأكسدة.
وبدأت شركات متخصصة في إنتاج دقيق نوى الزيتون الذي يستخدم في المخبوزات الصحية وعجائن الخبز وبعض الحلويات والمنتجات الغذائية الوظيفية، مستفيدة من قيمته الغذائية العالية واحتوائه على مركبات طبيعية مرغوبة لدى المستهلكين الباحثين عن بدائل صحية. كما تؤكد الدراسات أن المنتجات الثانوية للزيتون تحتوي على مركبات حيوية ذات قيمة مضافة كبيرة للصناعات الغذائية.
أما "كُسب الزيتون"، وهو الخليط المتبقي من اللب والقشور والنوى بعد استخلاص الزيت، فقد أصبح أحد أهم مصادر الوقود الحيوي في العديد من الدول المنتجة للزيتون.
وتوضح البيانات الأوروبية أن أجزاء من هذه المخلفات تُحول إلى نوى زيتون تستخدم كوقود حيوي (Biomass Fuel)، بينما يمكن ضغط الكُسب وتجفيفه لإنتاج وقود ذي كفاءة مرتفعة لمواقد التدفئة والأفران الصناعية، ما يساهم في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وخفض الأثر البيئي للمخلفات الزراعية.
كما امتدت الاستفادة من المنتجات الثانوية للزيتون إلى القطاع الزراعي. فبقايا العصر وأوراق الزيتون تستخدم في بعض المناطق كمكونات للأعلاف الحيوانية، بينما تدخل أجزاء أخرى في تحسين التربة وإنتاج الأسمدة العضوية.
وتشير النماذج الأوروبية إلى أن المنتجات الثانوية الناتجة عن المعاصر يمكن أن تتحول إلى أعلاف للحيوانات ومواد محسنة للتربة بدلاً من التخلص منها كنفايات، ما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري ويخفض التكاليف على المزارعين.
ولم تعد الصناعات الدوائية بعيدة عن هذا التوجه. فالأبحاث الحديثة تؤكد أن المنتجات الثانوية للزيتون غنية بمركبات نشطة حيويًا مثل الهيدروكسي تيروسول والأوليوروبين، وهي مركبات تحظى باهتمام متزايد في مجالات الصناعات الدوائية والمكملات الغذائية.
كما يجري الاستفادة من مساحيق النوى وألياف السليلوز المستخلصة منها في بعض التطبيقات الصيدلانية بفضل خصائصها الفيزيائية المناسبة وقدرتها على الاندماج ضمن التركيبات الدوائية المختلفة.
وفي قطاع العناية الشخصية، أصبحت حبيبات النوى المطحونة تدخل في تصنيع المقشرات الطبيعية ومعاجين الأسنان وبعض منتجات التجميل التي تبحث عن بدائل للمكونات الصناعية التقليدية.
ويأتي هذا التوجه ضمن نمو عالمي متسارع للمنتجات الطبيعية والصديقة للبيئة، حيث توفر مكونات الزيتون الثانوية حلولًا مستدامة تجمع بين الأداء الجيد وتقليل الأثر البيئي.
وربما تكون أكثر التطبيقات إثارة للاهتمام تلك المرتبطة بقطاع المواد الحيوية. فعدد متزايد من الشركات ومراكز البحث يعمل على توظيف مساحيق النوى وبقايا الزيتون في تطوير مواد حيوية وبلاستيك قابل للتحلل، في محاولة لتقليل الاعتماد على المواد البترولية وتعزيز الاستدامة الصناعية.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع تأكيد الدراسات العلمية أن كُسب الزيتون يمثل مصدرًا غنيًا بالمركبات الحيوية، وأن ما يصل إلى 98% من المركبات الفينولية المضادة للأكسدة الموجودة في الثمار تبقى في الكُسب بعد استخلاص الزيت، ما يجعله مادة خام واعدة للعديد من الصناعات الحديثة.
وفي نهاية جولته داخل معرض أنوجا، عاد صديق الحاج سيد ليسأله:
"إذن أين تكمن القيمة الحقيقية للزيتون اليوم؟"
ابتسم الحاج سيد وقال: "القيمة لم تعد في الزيت وحده... بل في كل ما كنا نلقيه جانبًا بعد العصر."
كلمات الحاج سيد تختصر ما تشهده الصناعة العالمية اليوم؛ فشجرة الزيتون لم تعد مصدرًا للزيت فقط، بل أصبحت محورًا لمنظومة صناعية متكاملة تمتد من الأغذية الوظيفية والطاقة الحيوية إلى الأدوية ومستحضرات التجميل والمواد الحيوية المتقدمة. وبينما يواصل العالم البحث عن حلول أكثر استدامة، يبدو أن ما كان يُصنف يومًا على أنه مخلفات أصبح أحد أكثر الموارد الواعدة في الاقتصاد الأخضر الحديث.