
أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء
عندما نتذوق قطعة من الجبن أو ملعقة من الآيس كريم، فإننا لا نتعامل مع الدهن باعتباره مصدرًا للطاقة أو النكهة فحسب؛ فالطور الدهني يؤدي دورًا مركزيًا في بناء القوام، والتحكم في الانصهار، وحمل المركبات العطرية، وتكوين الإحساس الكريمي، وضبط قابلية الفرد والقطع والثبات أثناء التخزين.
ولهذا ظل دهن اللبن طويلًا المرجع الحسي والتكنولوجي الأهم في صناعة الألبان. غير أن تطور الأسواق، وتعدد صور المنتجات، وااختلاف ظروف النقل والاستخدام، وظهور أهداف غذائية واقتصادية جديدة؛ أدى إلى انتقال الصناعة من مجرد اختيار «نوع الدهن» إلى تصميم نظام دهني متكامل يناسب وظيفة محددة.
ومن هنا ظهر مفهوم الدهون المصممة وظيفيًا: خلطات لا تُختار على أساس السعر أو نقطة الانصهار وحدهما، بل وفق منحنى محتوى الدهون الصلبة، وسلوك التبلور والانصهار، والثبات التأكسدي، والتفاعل مع البروتينات والمستحلبات، والظروف الفعلية التي سيمر بها المنتج منذ التصنيع حتى الاستهلاك.
تعود الخصائص المميزة لدهن اللبن إلى تركيبه شديد التعقيد من الأحماض الدهنية وثلاثي الجليسريدات. ولهذا لا يمتلك دهن اللبن نقطة انصهار واحدة، بل يمر عبر نطاق انصهاري واسع تذوب خلاله الكسور الدهنية تدريجيًا.
يسمح هذا السلوك بوجود نسب متفاوتة من الدهن الصلب والسائل عند درجات الحرارة المختلفة، ويمنح الزبد والقشدة والجبن كثيرًا من خصائصها المميزة من حيث الليونة والانسياب والذوبان في الفم. وقد أظهرت الدراسات كذلك أن تركيب دهن اللبن وسلوكه الانصهاري يتأثران بالموسم، ونوع تغذية الحيوان، ومرحلة الإدرار وعوامل الإنتاج الأخرى؛ أي إنه مكوّن طبيعي متغير وليس مادة ثابتة التركيب طوال العام.
ويؤدي دهن اللبن عدة وظائف متداخلة، من أهمها:
ومع ذلك، فإن اعتباره «أفضل دهن لكل التطبيقات» تبسيط لا يعكس واقع صناعة الألبان الحديثة؛ فاختيار الدهن الأمثل تحدده الوظيفة المطلوبة، وليس أصله وحده.
لا يعني استخدام الدهون النباتية أن دهن اللبن قد أصبح غير ملائم، كما لا يعني بالضرورة أن الهدف الوحيد هو خفض التكلفة. فالخلطات النباتية أو المختلطة قد توفر للصانع إمكانات إضافية، منها:
لكن هذه المزايا ليست تلقائية؛ فالنجاح يعتمد على اختيار الزيت أو الكسر الدهني الصحيح، وطريقة المعالجة، وتوافق الدهن مع البروتينات والمستحلبات، وليس على مجرد استبدال كيلوجرام من دهن اللبن بكيلوجرام من دهن نباتي.
يعتمد تصميم الدهن الوظيفي على مجموعة من المؤشرات المترابطة، أهمها:
ويمكن الوصول إلى الخصائص المطلوبة عن طريق الخلط، والتجزئة، وإعادة الأسترة، واستخدام الزيوت عالية الأوليك أو الدهون كاملة الهدرجة ضمن تراكيب مدروسة. أما الزيوت المهدرجة جزئيًا فيجب تجنبها بوصفها مصدرًا رئيسيًا للدهون المتحولة الصناعية؛ إذ توصي منظمة الصحة العالمية بإزالتها من الإمدادات الغذائية.
يتطلب الآيس كريم نظامًا دهنيًا يوازن بين التماسك أثناء التجميد والذوبان المقبول أثناء الاستهلاك. وخلال مرحلة التعتيق عند درجات التبريد يتبلور جزء من الدهن، ثم يحدث أثناء الخفق والتجميد قدر من التجمع الجزئي للحبيبات الدهنية Partial Coalescence، مما يساعد على تثبيت فقاعات الهواء وبناء الهيكل الكريمي والتحكم في مقاومة الانصهار.
ومن ثم لا يكفي أن يكون الدهن صلبًا عند −18°م؛ بل يجب أن يمتلك نسبة مناسبة من الدهن المتبلور أثناء التعتيق، مع قدرة على الانصهار بدرجة كافية عند حرارة الفم حتى لا يترك إحساسًا شمعيًا. وتعد دهون جوز الهند ونوى النخيل وبعض الكسور والخلطات المصممة من الخيارات المستخدمة لهذا الغرض، لكن اختيارها يتوقف على التركيبة الكاملة وظروف التصنيع. وتؤكد الدراسات أن نسبة الدهن المتبلور وخواص السطح البيني للحبيبات تؤثران مباشرة في التجمع الجزئي والقوام ومقاومة الانصهار.
تحتاج المنتجات المعبأة في الكاسات والعبوات إلى ليونة جيدة عند درجة حرارة الثلاجة، مع ثبات يمنع انفصال الزيت أو الماء أثناء التخزين.
وقد يفيد استخدام خلطات ذات محتوى منخفض نسبيًا من الدهون الصلبة عند 5–10°م في تحسين القابلية للفرد، لكن النتيجة النهائية تعتمد أيضًا على:
لذلك فإن تعديل الدهن وحده لا يكفي لعلاج منتج شديد الصلابة أو ضعيف الاستحلاب.
تحتاج هذه المنتجات إلى توازن مختلف؛ فهي مطالبة بالاحتفاظ بالشكل، وتحمل التعبئة والتداول، والانفصال بسهولة عن الغلاف، مع بقائها قابلة للمضغ والانصهار دون مطاطية أو شمعية زائدة.
ولهذا تُصمم الخلطة بحيث توفر قدرًا مناسبًا من الدهن الصلب عند درجات التبريد ودرجة حرارة الغرفة المتوقعة، مع انخفاض كافٍ في المحتوى الصلب قرب حرارة الفم. كما يجب ضبط البروتين والرطوبة وأملاح الاستحلاب والتبريد والتعبئة، لأن سهولة التقشير ليست خاصية دهنية منفردة.
الأدق علميًا أن نتحدث هنا عن الثبات البنيوي داخل المحلول الملحي، لا «الثبات الهيدروليكي».
يتحدد تماسك القالب أساسًا من خلال شبكة الكازين، ودرجة الحموضة، وتوازن الكالسيوم، والرطوبة، ونسبة الملح، وظروف التجبن والتداول. ويؤثر نوع الدهن ودرجة تبلوره في الصلابة والإحساس الفمي واحتمال انفصال الزيت، لكنه لا يعمل بمعزل عن الشبكة البروتينية.
ولهذا يجب تقييم الخلطة الدهنية داخل المنتج الفعلي، من خلال اختبارات التفتت والتشقق وفقد الرطوبة وانفصال الزيت والثبات أثناء التخزين في المحلول الملحي.
تُعد الظروف المناخية عنصرًا مهمًا في تصميم المنتج، لكنها ليست الأساس الوحيد. فالدولة الواحدة قد تضم مناطق وطرق توزيع شديدة الاختلاف، كما أن المنتج قد ينتقل بين حاويات مبردة ومستودعات ومنافذ بيع ذات مستويات متفاوتة من التحكم الحراري.
لذلك ينبغي أن يُبنى تصميم الخلطة الدهنية على الخريطة الحرارية الفعلية لسلسلة الإمداد، بما يشمل:
بالنسبة إلى التصدير لأفريقيا أو الخليج، قد تحتاج بعض مسارات التوزيع إلى دهون ذات ثبات أعلى ضد التليّن وانفصال الزيت، لكن رفع محتوى الدهون الصلبة عند 35–40°م ليس حلًا مطلقًا؛ فقد يؤدي الإفراط فيه إلى قوام شمعي وضعف الذوبان.
والأهم أن الثبات الفيزيائي لا يساوي سلامة الغذاء. فلا يجوز اعتبار الدهن الأعلى انصهارًا بديلًا عن التبريد اللازم للمنتجات القابلة للفساد. ويؤكد دستور الأغذية أن ضبط الزمن ودرجة الحرارة خلال التوزيع والتخزين من التدابير الأساسية للسيطرة على المخاطر الميكروبيولوجية في المنتجات اللبنية سريعة التلف.
الإجابة العلمية هي: لا يمكن الحكم من كلمة «نباتي» أو «حيواني» وحدها.
فالزيوت النباتية السائلة، مثل زيت الزيتون وزيت الكانولا وزيوت دوار الشمس عالية الأوليك، تكون عادة أعلى في الأحماض الدهنية غير المشبعة. وفي المقابل، يحتوي زيت جوز الهند وزيت نوى النخيل على نسب مرتفعة من الأحماض الدهنية المشبعة، رغم أصلهما النباتي.
ومن ثم فإن استبدال دهن اللبن بزيت نباتي لا يؤدي تلقائيًا إلى خفض الدهون المشبعة، كما أن زيادة عدم التشبع قد ترفع القابلية للأكسدة إذا لم تُدعّم الخلطة بجودة خامات مرتفعة وتعبئة مناسبة ومضادات أكسدة مصرح بها.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بخفض استهلاك الدهون المشبعة والمتحولة واستبدالها، حيثما أمكن، بالدهون غير المشبعة ضمن نظام غذائي متوازن. إرشادات منظمة الصحة العالمية للدهون المشبعة والمتحولة
كذلك لا ينبغي استخدام عبارة «خالٍ من الكوليسترول» لمجرد وجود دهن نباتي في التركيبة؛ فقد يظل المنتج محتويًا على مكونات لبنية أو مصادر أخرى للكوليسترول. وأي ادعاء غذائي يجب أن يستند إلى التحليل، وحجم الحصة، والمتطلبات التشريعية في سوق البيع.
هذه ليست مسألة لغوية أو تسويقية، بل قضية تتعلق بحماية المستهلك ومنع التضليل.
وفق المعيار العام لاستخدام مصطلحات الألبان CXS 206-1999، تُستخدم أسماء اللبن ومنتجات الألبان للمنتجات المطابقة لتعريفاتها ومواصفاتها، ولا يُعد المنتج «منتجًا لبنيًا مركبًا» إذا كان المكوّن غير اللبني قد أضيف ليحل محل أحد مكونات اللبن جزئيًا أو كليًا. كما لا يجوز تقديم منتج بديل بطريقة توحي بأنه منتج لبني أصيل إذا كان ذلك يضلل المستهلك. Codex CXS 206-1999
لذلك، عندما يحل الدهن النباتي محل دهن اللبن، قد يلزم استخدام مسميات من قبيل:
وتبقى التسمية الدقيقة خاضعة للمواصفة الوطنية وتشريعات بلد الإنتاج وبلد التصدير. والقاعدة المهنية هي: التطوير التكنولوجي مشروع، أما إخفاء الاستبدال أو استخدام اسم مضلل فليس كذلك.
لا تُقاس جودة الدهن الوظيفي بمنحنى الانصهار فقط. ويجب أن تشمل مواصفات الاستلام والرقابة، بحسب نوع الدهن واستخدامه:
وقد أصدر دستور الأغذية مدونة ممارسات خاصة بخفض تكوّن إسترات 3-MCPD والإسترات الجليسيديلية في الزيوت المكررة والأغذية المصنعة منها، وهو جانب ينبغي إدراجه في تقييم الموردين، ولا سيما عند استخدام الدهون المكررة في المنتجات واسعة الاستهلاك.
قد تساعد الدهون النباتية في خفض تكلفة بعض التركيبات، لكن تقييمها اقتصاديًا يجب ألا يقتصر على سعر الكيلوجرام. فالاختيار الصحيح ينبغي أن يحسب:
وقد تكون الخلطة الأعلى سعرًا أكثر اقتصادية إذا خفضت المرتجعات والانفصال الزيتي ومشكلات التعبئة، بينما قد تتحول الخامة الرخيصة إلى عبء إذا أضعفت جودة المنتج أو صورته في السوق.
المستقبل لا يتجه إلى إقصاء دهن اللبن، ولا إلى إحلال الدهون النباتية مكانه في جميع المنتجات، بل إلى اختيار أكثر دقة للطور الدهني بحسب وظيفة كل منتج.
ومن أبرز الاتجاهات الواعدة:
وهكذا تصبح «الدهون الذكية» وصفًا لمنهج علمي متكامل، لا لمكوّن سحري؛ فالذكاء الحقيقي يكمن في مواءمة التركيب الدهني مع المنتج وعملية التصنيع والتخزين والتشريع واحتياجات المستهلك.
لم يعد السؤال في صناعة الألبان الحديثة: دهن اللبن أم الدهن النباتي؟السؤال الأدق هو: ما النظام الدهني الأنسب لهذا المنتج، ولهذه الوظيفة، ولهذه السلسلة التوزيعية، ولهذا المستهلك؟
يظل دهن اللبن حاملًا لأصالة النكهة وخصائص حسية يصعب تقليدها بالكامل، بينما توفر الدهون النباتية والخلطات المصممة مساحة واسعة للتحكم في القوام والانصهار والثبات والتكلفة. غير أن نجاح هذا التكامل يظل مشروطًا بالتصميم العلمي، والاختبار التطبيقي، والشفافية في التسمية، والالتزام بسلامة الغذاء.
فالدهون ليست مجرد مكوّن يُضاف إلى المنتج؛ إنها جزء من هندسته وهويته وجودته وقيمته في السوق.