
أصبحت كلمات «مشبعة» و«غير مشبعة» و«متحولة» جزءًا ثابتًا من الحديث عن التغذية، لكنها تُستخدم أحيانًا كما لو كانت أحكامًا نهائية: هذه دهون سيئة، وتلك جيدة، والثالثة يجب تجنبها. غير أن الصورة العلمية أكثر دقة؛ فهذه الكلمات تصف تركيب الأحماض الدهنية، بينما يتحدد التأثير الصحي الفعلي من خلال نوع الحمض، وكميته، ومصدره، والمغذي الذي يحل محله، والنمط الغذائي الكامل.
في الحلقة السابقة أوضحنا أن خواص الزيوت والدهون تتأثر بأربعة محاور: بصمة الأحماض الدهنية، وبنية الجلسريدات الثلاثية، والمكونات الصغرى، ثم التصنيع والتخزين. ونبدأ الآن بتفصيل المحور الأول، من خلال فك أربعة اختصارات تتكرر في علوم الدهون: SFA وMUFA وPUFA وTFA.
يتكون الحمض الدهني من سلسلة كربونية تنتهي بمجموعة كربوكسيل. ويشير التشبع إلى طبيعة الروابط بين ذرات الكربون:
ويُعبّر عن الحمض الدهني بصيغة مختصرة مثل C18:1، حيث يشير الرقم الأول إلى عدد ذرات الكربون، والثاني إلى عدد الروابط المزدوجة. ولذلك يعني C18:0 حمضًا من 18 ذرة كربون بلا روابط مزدوجة، بينما يعني C18:2 وجود رابطتين مزدوجتين.
ولا يحدد عدد الروابط وحده كل شيء؛ فموضع الرابطة وشكلها الفراغي وطول السلسلة عوامل تؤثر أيضًا في الانصهار والأكسدة والهضم.
الأحماض الدهنية المشبعة (Saturated Fatty Acids; SFA) لا تحتوي على روابط مزدوجة في سلاسلها الكربونية.ومن أهم أمثلتها الغذائية:
وتوجد بنسب مختلفة في زيت جوز الهند وزيت نواة النخيل وزيت النخيل ودهون الألبان واللحوم والسمن والزبد.
يسمح غياب الروابط المزدوجة للسلاسل بالتراص بدرجة أكبر نسبيًا، ولذلك تسهم SFA غالبًا في رفع نقطة الانصهار وزيادة الصلابة. لكن لا يصح القول إن جميع الأحماض المشبعة صلبة عند درجة حرارة الغرفة؛ فالحالة الفيزيائية تتأثر بطول السلسلة وبنية الجلسريدات الثلاثية والمزيج الدهني الكامل.
كما لا تتطابق SFA في تأثيرها في دهون الدم. فالأدلة تشير إلى أن أحماض اللوريك والميريستيك والبالمتيك ترفع LDL-C مقارنةً بإحلال الأحماض غير المشبعة محلها، بينما يكون تأثير حمض الستياريك في LDL-C أكثر حيادًا نسبيًا.[1،2]والأهم أن تأثير خفض SFA يعتمد على البديل: فإحلال الأحماض المتعددة غير المشبعة محلها لا يعطي بالضرورة النتيجة نفسها التي تحدث عند إحلال الكربوهيدرات المكررة محلها.
الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة (Monounsaturated Fatty Acids; MUFA) تحتوي على رابطة مزدوجة واحدة.ويعد حمض الأوليك C18:1n-9 أشهرها، وهو الحمض الغالب في زيت الزيتون، كما يوجد بنسب مهمة في زيت الكانولا والأفوكادو والمكاداميا والزيوت عالية الأوليك.
تكون الرابطة المزدوجة في الأغذية الطبيعية غالبًا في تكوين cis، الذي يحدث انحناءً في السلسلة ويقلل قدرة الجزيئات على التراص. ولهذا تكون الزيوت الغنية بـMUFA سائلة غالبًا في درجة حرارة الغرفة.
ومن الناحية التكنولوجية، تتميز MUFA بثبات تأكسدي أعلى نسبيًا من PUFA، لأنها تحتوي على رابطة مزدوجة واحدة فقط. لكن هذا لا يجعل كل زيت غني بـMUFA متساويًا في الثبات؛ فالمكونات الصغرى وجودة الزيت وظروف التسخين والتخزين تظل عوامل مؤثرة.
ومن الناحية التغذوية، تعد MUFA، خاصةً من المصادر النباتية، بديلًا مناسبًا لـSFA وTFA. ويجب التعبير عن هذه الفائدة في صورة استبدال غذائي، لا في صورة إضافة المزيد من الدهن إلى نظام غذائي مرتفع الطاقة.
الأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة (Polyunsaturated Fatty Acids; PUFA) تحتوي على رابطتين مزدوجتين أو أكثر.وتشمل عائلتين رئيسيتين:
وتوجد أحماض أوميجا-6 في زيوت دوار الشمس والذرة وفول الصويا وبذرة القطن، بينما يوجد ALA في بذور الكتان والشيا والجوز وبعض زيوت الكانولا وفول الصويا. وتوفر الأسماك الدهنية والزيوت البحرية وبعض زيوت الطحالب مصادر مباشرة لـEPA وDHA.
ولا تعد جميع PUFA أساسية؛ فالحمضان الأساسيان للإنسان هما LA وALA، لأن الجسم لا يستطيع تكوينهما من البداية. أما EPA وDHA وAA فيمكن الحصول عليها من الغذاء أو تكوينها بدرجات متفاوتة من طلائعها.
وتمنح الروابط المزدوجة المتعددة هذه الأحماض سيولة مرتفعة نسبيًا، لكنها تجعلها أكثر قابلية للأكسدة. ولذلك تحتاج الزيوت الغنية بـPUFA إلى عناية أكبر في التعبئة والتخزين والتسخين.
لا يتعلق الاختلاف بعدد الروابط المزدوجة فقط، بل بالترتيب الفراغي حول الرابطة.في تكوين cis، تقع ذرتا الهيدروجين على الجانب نفسه تقريبًا، فتظهر انحناءة في السلسلة. أما في تكوين trans فتقعان على جانبين متقابلين، فتكون السلسلة أكثر استقامة وتشبه في تراصها الأحماض المشبعة بدرجة أكبر.
ويفسر ذلك لماذا قد تكون الدهون المحتوية على نسب مرتفعة من الأحماض المتحولة أكثر صلابة من الزيوت الغنية بأحماض cis، رغم أن كليهما غير مشبع كيميائيًا.
الأحماض الدهنية المتحولة (Trans-Fatty Acids; TFA) هي أحماض غير مشبعة تحتوي على رابطة مزدوجة واحدة أو أكثر في تكوين trans.وتأتي من مصدرين:
ترفع TFA مستوى LDL-C وتخفض HDL-C، ويرتبط ارتفاع مدخولها بزيادة خطر مرض القلب التاجي. ولذلك توصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز إجمالي مدخولها 1% من الطاقة، مع التخلص من مصادرها الصناعية.[3]
ويجب التمييز بين الهدرجة الجزئية والهدرجة الكاملة. فالهدرجة الجزئية قد تنتج كميات مهمة من TFA، بينما تحول الهدرجة الكاملة معظم الروابط المزدوجة إلى روابط أحادية، فتنتج دهونًا شديدة التشبع تحتوي عادةً على مقادير ضئيلة جدًا من TFA.
الإجابة: لا.فالسيولة والصلابة تعكسان سلوكًا فيزيائيًا، ولا تمثلان حكمًا صحيًا كاملًا. كما أن المصدر النباتي لا يضمن انخفاض SFA، والمصدر الحيواني لا يعني غياب MUFA أو PUFA.
والتقييم الأدق يسأل:
تقسم الأحماض الدهنية إلى مشبعة وأحادية ومتعددة غير مشبعة ومتحولة وفق عدد الروابط المزدوجة وتكوينها. لكن هذه التصنيفات ليست أحكامًا مستقلة على الغذاء.
فـSFA ليست متطابقة التأثير، وMUFA لا تمنح الزيت حصانة مطلقة ضد الأكسدة، وPUFA ليست كلها أحماضًا أساسية، وTFA تختلف في مصادرها وإن كانت التوصيات تستهدف خفض إجماليها والتخلص من المصادر الصناعية.
والقاعدة العلمية الأهم هي أن نوع الاستبدال والكمية والسياق الغذائي لا تقل أهمية عن اسم الفئة الدهنية.
بعد أن تعرفنا إلى أنواع الأحماض الدهنية، يبقى السؤال: هل يهضمها الجسم وينقلها بالطريقة نفسها؟في الحلقة الرابعة نتتبع هضم وامتصاص الدهون، ونوضح الفرق بين الطريق البابي والطريق اللمفاوي، ولماذا لا يعادل زيت جوز الهند زيت MCT من الناحية الأيضية.