
قد يبدو زيتان متشابهين في اللون والشفافية، وربما يحملان القيمة نفسها تقريبًا من الطاقة، لكن أحدهما يتحمل التخزين والتسخين بدرجة أفضل، بينما يتأكسد الآخر بسرعة. وقد يكون دهنان متقاربين في نسبة الأحماض المشبعة، ومع ذلك يختلفان في الصلابة وسرعة التبلور والشعور الفمي داخل المنتج الغذائي.
فما الذي يصنع هذه الاختلافات؟
في الحلقة السابقة، تعرفنا إلى تركيب الزيوت والدهون الغذائية، ورأينا أنها تتكون أساسًا من الجلسريدات الثلاثية، إلى جانب مكونات صغرى قد تؤثر في الجودة والقيمة التغذوية. لكن معرفة أسماء المكونات لا تكفي وحدها لتفسير سلوك الزيت؛ لأن الخواص النهائية تنتج من تفاعل أربعة محاور: تركيب الأحماض الدهنية، وبنية الجلسريدات الثلاثية، والمكونات الصغرى والحالة الابتدائية للزيت، ثم التصنيع والتخزين والاستخدام.
يبدأ التقييم العلمي بدراسة ما يعرف باسم بصمة الأحماض الدهنية (Fatty Acid Profile)، أي الأنواع الموجودة في الزيت والنسبة التي يمثلها كل نوع.
ويتحكم في سلوك الحمض الدهني ثلاثة عناصر أساسية:
تميل زيادة طول السلسلة ودرجة التشبع إلى رفع نقطة الانصهار، بينما تؤدي الروابط المزدوجة من نوع cis إلى إحداث انحناء في السلسلة الكربونية، فيقل انتظام التراص وتنخفض نقطة الانصهار عادةً.
ولهذا تكون الزيوت الغنية بالأحماض الأحادية أو المتعددة غير المشبعة سائلة غالبًا في درجة حرارة الغرفة، في حين تميل الدهون المرتفعة في بعض الأحماض المشبعة إلى الصلابة أو شبه الصلابة. لكن هذه قاعدة عامة وليست حكمًا مطلقًا؛ لأن الزيت أو الدهن خليط من جزيئات كثيرة، وليس حمضًا دهنيًا واحدًا.
ويؤثر عدد الروابط المزدوجة أيضًا في الثبات التأكسدي. فكلما زاد عدم التشبع، ازدادت المواقع القابلة لبدء تفاعلات الأكسدة بوجه عام. ولهذا تكون الأحماض المتعددة غير المشبعة أكثر قابلية للأكسدة من الأحماض الأحادية غير المشبعة، بينما تتميز الأحماض المشبعة بثبات أعلى نسبيًا.
ومع ذلك، لا يصح توقع العمر التخزيني من درجة عدم التشبع وحدها؛ فقد يعوض وجود مضادات أكسدة طبيعية جزءًا من هذه القابلية، بينما قد تؤدي المعادن النزرة أو ظروف التخزين السيئة إلى تسريع تدهور زيت يبدو مستقرًا نظريًا.[1]
توضح بصمة الأحماض الدهنية كمية كل حمض موجود، لكنها لا تخبرنا بالضرورة كيف تتوزع هذه الأحماض داخل جزيئات ثلاثي أسيل الجلسرول (Triacylglycerols; TAGs).
ويتكون كل جزيء من جزيئات TAG من جلسرول مرتبط بثلاثة أحماض دهنية تشغل المواقع: $sn\text{-}1,\ sn\text{-}2,\ sn\text{-}3$.
وقد يتشابه دهنان في النسب الإجمالية للأحماض الدهنية، لكن يختلفان في:
وتؤثر هذه الاختلافات في نقطة الانصهار، وسرعة تكوين البلورات، وحجمها، ومحتوى الدهن الصلب عند درجات الحرارة المختلفة.
كما أن التوزيع الموضعي مهم من الناحية الأيضية؛ إذ تبدأ إنزيمات الهضم عادةً بتحليل الروابط عند الموقعين الخارجيين ($sn\text{-}1$) و($sn\text{-}3$)، بينما يبقى جزء كبير من الأحماض الموجودة عند ($sn\text{-}2$) في صورة 2-أحادي أسيل الجلسرول، الذي يمكن امتصاصه وإعادة أسترته داخل الخلايا المعوية.[1، 3]
ومن هنا تظهر أهمية تصميم الدهون؛ فالصناعة قد تعيد توزيع الأحماض الدهنية داخل TAGs بواسطة الأسترة التبادلية لتعديل الانصهار والقوام والتبلور، حتى دون تغيير النسب الإجمالية للأحماض الدهنية بدرجة كبيرة.
لا تمثل الجلسريدات الثلاثية وحدها كل ما يحدث داخل الزيت. فالمكونات الموجودة بكميات صغيرة قد يكون لها تأثير كبير في الثبات والجودة.
ومن أهم المكونات الواقية نسبيًا:
وقد تستطيع هذه المركبات إبطاء سلسلة الأكسدة من خلال التفاعل مع الجذور الحرة أو الحد من انتشارها. لكن فاعليتها تعتمد على التركيز والبيئة الكيميائية ودرجة الحرارة ونوع الزيت.
وفي المقابل، توجد مكونات قد تسرّع التدهور، مثل:
وقد تتغير وظيفة المركب نفسه تبعًا للظروف؛ فالكلوروفيلات، مثلًا، قد تكون ذات سلوك مختلف في الظلام عن سلوكها عند التعرض للضوء. لذلك لا يكفي قياس تركيز مركب واحد للحكم على الثبات الكلي.
وتدخل هنا أهمية الجودة الابتدائية للزيت. فالزيت الذي يبدأ التخزين وهو يحتوي على مستوى مرتفع من نواتج الأكسدة أو المعادن قد يتدهور أسرع، حتى لو كان تركيبه من الأحماض الدهنية ملائمًا نسبيًا.[2، 3]
يبدأ تأثير التصنيع منذ اختيار المادة الخام ودرجة نضجها وسلامتها، ثم طريقة الاستخلاص، سواء بالعصر أو الاستخلاص بالمذيبات أو غيرهما، ويستمر خلال مراحل التكرير والتعبئة والتخزين.
يساعد التكرير في إزالة عدد من المكونات غير المرغوبة، مثل بعض الأحماض الدهنية الحرة، والفوسفوليبيدات، والأصباغ، والروائح والشوائب. لكنه قد يخفض أيضًا بعض مضادات الأكسدة الطبيعية، وفق شدة العملية ودرجة الحرارة والزمن المستخدمين.[2]
وبعد التصنيع، تتأثر جودة الزيت بعوامل منها:
ولا ينبغي مساواة نقطة التدخين بالثبات التأكسدي. فنقطة التدخين تتأثر بدرجة التكرير وتركيز الأحماض الدهنية الحرة والمركبات المتطايرة، بينما يعبر الثبات التأكسدي عن مقاومة الزيت لسلسلة من التفاعلات التي تنتج الهيدروبيروكسيدات ثم الألدهيدات والكيتونات ومركبات أخرى.
ولهذا قد يمتلك زيت نقطة تدخين مرتفعة، لكنه لا يكون بالضرورة الأفضل لكل ظروف القلي المطول أو المتكرر.
يمكن بناء تقييم أولي من خلال أربعة أسئلة مترابطة:
لا توجد خاصية واحدة تصنع جودة الزيت أو الدهن. فدرجة التشبع مهمة، لكنها لا تعمل بمعزل عن بنية الجلسريدات الثلاثية والمكونات الصغرى والتصنيع والتخزين.
ولهذا لا يمكن إصدار حكم علمي اعتمادًا على عبارة مثل «غني بالأوليك»، أو «غير مكرر»، أو «نقطة تدخينه مرتفعة» دون النظر إلى الصورة الكاملة. فالزيت نظام كيميائي متفاعل، وتنتج شخصيته النهائية من اجتماع مكوناته وتاريخ معاملته والغرض من استخدامه.
بعد أن تعرفنا إلى العوامل التي تحدد خواص الزيت، ننتقل إلى فك أشهر رموز علوم الدهون: SFA وMUFA وPUFA وTFA. فما الفرق بين الأحماض المشبعة والأحادية والمتعددة غير المشبعة والمتحولة؟ وهل يكفي هذا التصنيف للحكم على تأثيرها الصحي؟