
لماذا يبقى زيت الزيتون سائلًا في درجة حرارة الغرفة، بينما يكون السمن صلبًا؟ ولماذا يتحمل أحد الزيوت التسخين بدرجة أفضل، في حين يتأكسد زيت آخر بسرعة رغم أن كليهما يحمل اسم «زيت»؟
تبدأ الإجابة من داخل قطرة الزيت نفسها؛ فالزيوت والدهون ليست مادة كيميائية واحدة، ولا يمكن اختزالها في كونها نباتية أو حيوانية، سائلة أو صلبة. إنها منظومات دهنية معقدة تتحدد شخصيتها من خلال نوع الأحماض الدهنية الموجودة فيها، وطريقة توزيعها داخل الجزيئات، والمركبات الصغرى المصاحبة لها، وما تعرضت له من استخلاص وتكرير وتخزين وتسخين.
وفي هذه السلسلة نتتبع الطريق الكامل لتقييم الزيت أو الدهن علميًا: من التركيب الكيميائي إلى الهضم والتمثيل الغذائي، ثم الثبات والتصنيع، وصولًا إلى التوصيات الصحية والضوابط التنظيمية. وتبدأ الرحلة بالسؤال الأساسي: مم تتكون الزيوت والدهون الغذائية؟
يُستخدم لفظ «الزيت» عادةً لوصف المادة الدهنية السائلة في درجة حرارة الغرفة، بينما يُستخدم لفظ «الدهن» للمواد الصلبة أو شبه الصلبة. لكن هذا التمييز فيزيائي وعملي، وليس حدًا كيميائيًا فاصلًا.
فالزيوت والدهون تتكون في الأساس من النوع نفسه من الجزيئات الدهنية، لكن اختلاف تركيبها يؤدي إلى اختلاف درجات الانصهار والقوام. وكلما ارتفعت نسبة بعض الأحماض الدهنية المشبعة، أو احتوت جزيئات الدهن على تراكيب تسمح بتراصها وتبلورها بسهولة، زاد ميل المادة إلى الصلابة. وعلى العكس، تسهم الروابط المزدوجة من نوع cis في إحداث انحناءات في السلاسل الكربونية، فتقل قدرة الجزيئات على التراص المنتظم ويزداد الميل إلى السيولة.
ومع ذلك، لا تكفي نسبة الأحماض المشبعة وحدها لتفسير القوام؛ لأن نوع الجلسريدات الثلاثية وطريقة تبلورها وتاريخ التبريد والتسخين عوامل مؤثرة أيضًا.
تتكون الغالبية العظمى من معظم الزيوت والدهون من ثلاثي أسيل الجلسرول (Triacylglycerols; TAGs)، ويُعرف أيضًا باسم الجلسريدات الثلاثية.
يتكون جزيء TAG من:
ولا يُشترط أن تكون الأحماض الدهنية الثلاثة متشابهة؛ فقد يحتوي الجزيء الواحد على حمض مشبع وآخر أحادي غير مشبع وثالث متعدد غير مشبع. كما يمكن أن تشغل هذه الأحماض مواقع مختلفة على هيكل الجلسرول، تُعرف بالمواقع (sn-1) و(sn-2) و(sn-3).
وهذا التوزيع ليس تفصيلًا نظريًا؛ إذ يمكن أن يؤثر في الهضم والامتصاص، وفي الانصهار والتبلور، وفي الخواص التكنولوجية للدهن. ولهذا قد يتشابه زيتان في النسب الكلية للأحماض الدهنية، لكنهما لا يتصرفان بالضرورة بالطريقة نفسها إذا اختلف تركيب جزيئات TAG أو التوزيع الموضعي للأحماض داخلهما.[1]
الأحماض الدهنية سلاسل كربونية تنتهي بمجموعة كربوكسيل، وتختلف فيما بينها وفق ثلاثة عناصر رئيسية:
ومن هنا يأتي التقسيم إلى أحماض دهنية مشبعة، وأحادية غير مشبعة، ومتعددة غير مشبعة، ومتحولة.
ويؤثر هذا الاختلاف في درجة الانصهار والقابلية للأكسدة والسلوك أثناء الهضم والاستخدام الصناعي. لكن الزيت الطبيعي لا يتكون عادةً من فئة واحدة فقط؛ فزيت الزيتون، مثلًا، يوصف بأنه غني بحمض الأوليك، لكنه يحتوي أيضًا على أحماض مشبعة ومتعددة غير مشبعة ومكونات صغرى. وينطبق المبدأ نفسه على بقية الزيوت والدهون.
لذلك فعبارات مثل «زيت مشبع» أو «زيت غير مشبع» تعني أن فئة معينة هي الغالبة، ولا تعني غياب الفئات الأخرى تمامًا.
الإجابة: لا؛ فإلى جانب TAGs، قد تحتوي الزيوت والدهون على كميات صغيرة من مركبات تؤدي أدوارًا كبيرة، منها:
وتختلف هذه المكونات باختلاف النبات أو الحيوان، والصنف، والبيئة الزراعية، ودرجة النضج، وطريقة الاستخلاص، وعمليات التكرير والتخزين.
وقد تسهم بعض المركبات، مثل التوكوفيرولات وعدد من المركبات الفينولية، في مقاومة الأكسدة. وفي المقابل، قد تعمل بعض المعادن النزرة أو الأصباغ، تحت ظروف معينة، على تسريع التفاعلات التأكسدية.
كما تؤدي عمليات التكرير إلى إزالة مكونات غير مرغوبة مثل بعض الأحماض الدهنية الحرة والشوائب والألوان والروائح، لكنها قد تخفض في الوقت نفسه جزءًا من المركبات الطبيعية النافعة. ولذلك لا يكون وصف الزيت بأنه «خام» أو «مكرر» حكمًا صحيًا مكتملًا في حد ذاته؛ بل يجب معرفة جودة الخام وهدف التكرير وشدة المعالجة والمنتج النهائي.[2]
توفر الدهون نحو 9 كيلو كالوري لكل جرام، ولذلك تُعد أكثر المغذيات الكبرى كثافة في الطاقة. لكنها لا تؤدي دورًا طاقيًا فقط، بل تسهم أيضًا في:
ولا يعني ذلك أن زيادة تناول الدهون تؤدي بالضرورة إلى فائدة أكبر؛ فالأثر الصحي يعتمد على الكمية، ونوع الأحماض الدهنية، ومصدر الغذاء، والنمط الغذائي الكامل، والمغذي الذي يحل الدهن محله.
قبل وصف أي زيت بأنه جيد أو سيئ، ينبغي طرح خمسة أسئلة:
فقد يكون زيت مناسبًا للسلطات، لكنه أقل ملاءمة للتسخين المطول. وقد يوفر دهن آخر قوامًا تكنولوجيًا مطلوبًا، لكنه يحتاج إلى ضبط الكمية المستهلكة. وقد يبدو زيتان متشابهين في بطاقة المكونات، بينما يختلفان في الثبات نتيجة اختلاف الصنف أو التكرير أو مضادات الأكسدة الطبيعية.
الزيت ليس مجرد سائل دهني، والدهن الصلب ليس مادة مختلفة عنه كيميائيًا؛ فكلاهما يتكون أساسًا من الجلسريدات الثلاثية، بينما تصنع الأحماض الدهنية والمكونات الصغرى وطريقة ترتيب الجزيئات الفروق التي نلاحظها في السيولة والصلابة والثبات والقيمة التغذوية.
ومن هنا تبدأ القراءة العلمية الصحيحة: لا نحكم على الزيت من اسمه أو مصدره فقط، وإنما نفهم أولًا تركيبَه الكامل والظروف التي صنعت خصائصه.
إذا كانت الزيوت والدهون تتشابه في تركيبها الأساسي، فلماذا تختلف إلى هذا الحد في القوام والثبات والقابلية للأكسدة؟ في الحلقة الثانية نناقش أربعة محاور تصنع البصمة الكيميائية والوظيفية لكل زيت أو دهن.