
تواجه مساعي الهند لتوسيع نطاق وقود الطيران المستدام (SAF) تحدياً جوهرياً يتعلق بتوفير المواد الأولية، إذ تشير التحليلات الصناعية إلى أن نحو 94% من زيت الطعام المستعمل (UCO) في البلاد لا يزال خارج شبكات الجمع الرسمية.
تُنتج الهند ما يقدَّر بـ 1.8 إلى 2.6 مليون طن من زيت الطعام المستعمل سنوياً، إلا أن الكمية التي يجري جمعها رسمياً لا تتجاوز 110,000 إلى 156,000 طن، أي ما يعادل 6% تقريباً، مما يترك الجزء الأكبر من هذا المورد المحتمل دون استغلال. ويستهلك الهند نحو 29 إلى 30 مليون طن من زيت الطعام سنوياً، وهو ما يُشكّل قاعدة ضخمة من زيت الطعام المستعمل يمكن توظيفها في إنتاج وقود الطيران المستدام.
تأتي هذه الفجوة في المواد الأولية في لحظة محورية لقطاع الطيران العالمي. فمع تعزيز منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) لإطار العمل الخاص بخفض انبعاثات الطيران، تستعد آلية «كورسييا» (CORSIA) الخاصة بالتعويض عن الانبعاثات وخفضها في الطيران الدولي لدخول مرحلتها الإلزامية اعتباراً من 1 يناير 2027. ويبرز وقود الطيران المستدام كمسار محوري لتحقيق تخفيضات قابلة للقياس في الانبعاثات، مدعوماً بمتطلبات وطنية وأطر عالمية وإجراءات صناعية.
وقد استعرضت وزارة الطيران المدني الهندية مؤخراً جاهزية البلاد لتبنّي وقود الطيران المستدام والامتثال لآلية «كورسييا»، مؤكدةً التزام الحكومة ببناء منظومة قوية لهذا الوقود. وركّز الاستعراض على الإنتاج وتطوير سلاسل التوريد وإصدار الشهادات وإمكانية التتبع والمحاسبة الكربونية، مما يعكس الاستعداد لتسريع نشر وقود الطيران المستدام قبل الموعد الإلزامي لعام 2027.
حددت منظمة الطيران المدني الدولي هدفاً عالمياً طموحاً يتمثل في أن يُسهم وقود الطيران المستدام ومصادر الطاقة الأنظف الأخرى في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الطيران الدولي بنسبة 5% بحلول عام 2030. وانسجاماً مع ذلك، اعتمدت الهند أهدافاً استرشادية لخلط وقود الطيران المستدام في الرحلات الدولية بنسبة 1% في 2027، و2% في 2028، و5% بحلول 2030. ويُقدَّر أن نسبة الخلط البالغة 5% ستتطلب نحو 0.4 إلى 0.5 مليون طن من وقود الطيران المستدام سنوياً. واستناداً إلى قيم دورة الحياة الصادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي، يمكن لوقود الطيران المستدام المنتج من زيت الطعام المستعمل عبر تقنية «هيفا» (HEFA) أن يحقق خفضاً في الانبعاثات على مدار دورة الحياة يُقدَّر بـ 84% مقارنةً بوقود الطائرات التقليدي. وعند بلوغ نسبة خلط 5% بحلول 2030، يمكن للهند أن تحقق خفضاً في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مدار دورة الحياة يُقدَّر بـ 4.2% مقارنةً بوقود الطائرات التقليدي، بافتراض إنتاج الوقود عبر مسار «هيفا» المعتمد على زيت الطعام المستعمل.
غير أن زيت الطعام المستعمل وحده لن يكفي لتلبية احتياجات الهند من وقود الطيران المستدام. ويُعدّ تنويع المواد الأولية—بما في ذلك المخلفات الزراعية وتفل قصب السكر والقمامة البلدية والدهون والزيوت المستعملة والبذور الزيتية المستدامة وتقنيات «الوقود من الكهرباء» (PtL)—أمراً ضرورياً لدعم دخول المزارعين وتوسيع قاعدة الإمداد. ويمكن لوقود الطيران المستدام المُنتج من المخلفات الزراعية أن يُدرّ عائدات تُقدَّر بأكثر من 50 مليون دولار لنحو 300,000 مزارع، بدعم من مبادرات مثل «برنامج برادان مانتري جي-فان يوجانا» (Pradhan Mantri JI-VAN Yojana).
إلى جانب قطاع الطيران، يمكن لزيادة تنظيم جمع زيت الطعام المستعمل أن يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية أوسع. وتشير تقييمات السياسات إلى إمكان تحقيق وفورات سنوية في الواردات تتراوح بين 20,000 و30,000 كرور روبية، وخلق قيمة صناعية تتراوح بين 10,000 و20,000 كرور روبية، إضافة إلى وفورات محتملة في الإنفاق على الصحة العامة تتراوح بين 50,000 و80,000 كرور روبية، رهناً بمزيد من التحليل الفني والاقتصادي.
واقترحت رابطة وقود الطيران المستدام (SAF Association) إطاراً لمسؤولية المنتج الموسّعة (EPR) بشأن زيت الطعام المستعمل على الجهات الحكومية المعنية. ويغطي الإطار أهدافاً إلزامية للجمع، وشهادات مسؤولية المنتج المرتبطة بالاسترداد المُتحقَّق منه، وتسجيل المجمّعين والمجمّعين المركزيين، والتتبّع الرقمي، والاعتراف بالعمالة في مراحل الجمع الأخيرة. ويهدف الإطار إلى إنشاء سلسلة توريد شفافة وقابلة للتتبّع تمتد من المطبخ والحقل إلى المصفاة ومراحل إنتاج وقود الطيران المستدام المعتمد.
وقال روهيت كومار، الأمين العام لرابطة وقود الطيران المستدام وجمعية CMAI: «الهند لا تُعاني نقصاً في المواد الأولية؛ بل تتمحور الفرصة حول بناء منظومات قادرة على جمع هذه الموارد والتحقق منها وإيصالها إلى سلسلة قيمة وقود الطيران المستدام بشكل مسؤول. وتستحق تعبئة المواد الأولية القدر ذاته من الاهتمام الممنوح للتكنولوجيا والتمويل والشراء».
وأضاف: «لن يعتمد برنامج وقود الطيران المستدام في الهند على التكنولوجيا فحسب، بل على بناء سلاسل توريد ذات مصداقية وقابلة للتتبّع للمواد الأولية. فالربط بين المطبخ والحقل والمصفاة قادر على إطلاق موارد محلية مهمة لعملية التحول نحو وقود الطيران المستدام في الهند».
وتقوم شركة «بيوفيول» (Byufuel) حالياً بجمع زيت الطعام المستعمل من المنشآت الغذائية في أكثر من 70 مدينة هندية، وتوريده إلى المصافي عبر سلاسل توريد معتمدة مدعومة بأنظمة رقمية لتسلسل الحيازة.
وستتصدّر هذه القضايا جدول أعمال النسخة الثانية من «مؤتمر وقود الطيران المستدام في الهند 2026» (2nd India SAF Conclave & Awards 2026)، المُقرر عقده يومي 28 و29 سبتمبر 2026 في مركز «بهارات ماندابام» (Bharat Mandapam) في نيودلهي، تحت شعار «تحويل قطاع وقود الطيران المستدام معاً» (Powering the SAF Transition Together). وسيجمع المؤتمر مشاركين من أكثر من 25 دولة، ونحو 1,000 مندوب، وأكثر من 100 متحدث، من بينهم صُنّاع السياسات وشركات الطيران ومنتجو وقود الطيران المستدام والمصافي ومقدمو التكنولوجيا وشركات المواد الأولية والمستثمرون والمؤسسات الدولية. وستغطي النقاشات المواد الأولية والتكنولوجيا والاستدامة والشراء والتمويل وآلية «كورسييا» وإصدار الشهادات والشراكات الدولية.
وتُعدّ رابطة وقود الطيران المستدام (SAFA) الكيان الصناعي غير الربحي الرائد في الهند، المخصص حصرياً للنهوض بمنظومة وقود الطيران المستدام عبر الدفاع عن السياسات والتعاون الصناعي والشراكات الدولية وتطوير التكنولوجيا وتطوير الأسواق وبناء القدرات.
المصدر: malaysiasun.com