للأعلان

مياه المصنع... السر الخفي في جودة زيت الزيتون

تاريخ النشر:
July 26, 2026
أخر تعديل:
July 26, 2026

أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء

الفهرس

Text Link

كيف تؤثر المياه المستخدمة في مصانع زيت الزيتون في الثبات والرائحة والسعر؟

فعلت الشركة كل شيء صحيحًا... لكنها أغفلت الماء.

في سيناريو افتراضي يلخص مشكلة صناعية قابلة للحدوث، طبقت إحدى شركات زيت الزيتون الممارسات الزراعية الجيدة (GAP)؛ فاختارت الأصناف المناسبة، وضبطت الري والتسميد، وحددت موعد الحصاد بعناية، ثم نقلت الثمار سريعًا في صناديق جيدة التهوية.

وفي المصنع، التزمت بممارسات التصنيع الجيد (GMP)، واستخدمت خط استخلاص حديثًا، وراقبت النظافة وحرارة العجن والتخزين. كان الجميع ينتظر زيت زيتون بكرًا ممتازًا مرتفع القيمة.

لكن الزيت خرج برائحة خضراء أقل من المتوقع، ومحتوى فينولي محدود، ثم فقد جزءًا من ثباته وجودته الحسية خلال التخزين؛ فانخفضت قدرته على المنافسة والحصول على السعر المستهدف.

وعندما روجعت العملية كاملة، ظهر العامل الذي لم يحصل على الاهتمام الكافي: المياه المستخدمة في مصانع زيت الزيتون.

والمقصود هنا بـ «مياه المعصرة» هو المياه المستخدمة داخل مصنع أو معصرة إنتاج زيت الزيتون، بداية من غسل الثمار وحتى العجن والفصل والتنظيف.

فقد تغيرت خصائص مياه البئر خلال الموسم، وتأخر تجديد مياه غسل الثمار، وأضيف الماء إلى العجينة دون اختبار كافٍ للحاجة الفعلية، ثم استُخدمت كمية أكبر من الضروري في الفراز الرأسي.

فهل الماء مجرد خدمة مساعدة داخل المصنع، أم عنصر خفي يشارك في صنع رائحة الزيت وفينولاته وثباته وسعره؟ الإجابة تبدأ من البستان، ولا تنتهي إلا بعد فصل آخر قطرة ماء عن الزيت.

كيف تؤثر مياه الري في جودة زيت الزيتون؟

تؤثر مياه الأمطار والري في حجم الثمار ورطوبتها وإنتاجيتها وتركيب الزيت، لكن العلاقة ليست ثابتة أو متشابهة في جميع الظروف.

فقد يزيد الري الكامل المحصول ورطوبة الثمار، بينما تتأثر المركبات الفينولية والمواد المتطايرة بدرجة الري والصنف والموسم ومرحلة النضج. لذلك لا يصح القول إن الزيت الناتج من الزراعة المطرية أفضل دائمًا، أو إن الري يخفض الجودة بالضرورة.

والأدق هو ربط برنامج الري ببيانات المعصرة، ومنها:

  • رطوبة الثمار.
  • نسبة الزيت على أساس المادة الجافة.
  • قابلية استخلاص الزيت.
  • الزيت المتبقي في الثفل.
  • المحتوى الفينولي.
  • الثبات التأكسدي.
  • الخصائص الحسية للزيت.

فالقرار المائي في المزرعة قد يتحول لاحقًا إلى ميزة أو مشكلة داخل العجان والدكانتر.

ما مواصفات المياه المستخدمة في مصانع زيت الزيتون؟

تعتمد المصانع القريبة من المزارع غالبًا على الآبار أو الخزانات والصهاريج، وقد تحتوي مياهها على الحديد والمنجنيز والأملاح والرمال والعسر المرتفع.

أما مصانع المدن والمناطق الصناعية فتستخدم عادة مياه الشبكة، لكن جودة المياه قد تتدهور داخل المصنع بسبب:

  • الخزانات غير النظيفة أو غير المحكمة.
  • ركود المياه لفترات طويلة.
  • تآكل المواسير والوصلات.
  • تراكم الصدأ والرواسب.
  • عدم صيانة المرشحات.
  • اختلاط خطوط المياه النظيفة بالمياه المعاد استخدامها.

لذلك يجب تقييم المياه عند نقطة الاستخدام، لا عند المصدر فقط، وتشمل نقاط الرقابة:

  • مخرج الخزان.
  • وحدة غسل الثمار.
  • نقطة الإضافة إلى العجينة أو الدكانتر.
  • الفراز الرأسي.
  • مياه الشطف النهائي للمعدات.

مياه الشرب أساس صحي وليست نهاية التقييم

مطابقة الماء لمواصفات الشرب شرط أساسي، لكنها قد لا تكفي وحدها لحماية الزيت تكنولوجيًا؛ إذ يجب مراقبة:

  • العكارة والرواسب.
  • الحديد والمنجنيز.
  • النحاس والعناصر المحفزة للأكسدة.
  • الملوحة والكلوريدات.
  • العسر.
  • الحمل الميكروبي.
  • الطعم والرائحة.
  • احتمالات التآكل أو التكلس.

ويمثل الحديد والنحاس أهمية خاصة؛ لأنهما من العناصر الانتقالية القادرة على تسريع أكسدة الزيت واستهلاك مضادات الأكسدة الطبيعية. لذلك يجب إبقاؤهما عند أدنى مستوى عملي ممكن، لا الاكتفاء بالبقاء تحت حدود القبول العامة.

غسل ثمار الزيتون: متى تصبح المياه مصدرًا للتلوث؟

يهدف غسل الثمار إلى إزالة التراب والطين والرمال وبعض الملوثات السطحية، لكن مياه الغسيل لا تظل نظيفة طوال الوردية.

فمع استمرار التشغيل تتراكم فيها:

  • الأتربة والمواد الصلبة.
  • الأوراق والأنسجة النباتية.
  • عصارة الثمار المجروحة.
  • المواد العضوية.
  • البكتيريا والخمائر والفطريات.
  • بقايا المبيدات والمعادن المحمولة مع التربة.

وهنا قد تتحول مياه الغسيل من وسيلة لتنظيف الثمار إلى وسيط يعيد توزيع الملوثات بين الدفعات.

متى يجب تجديد مياه غسل الزيتون؟

لا ينبغي انتظار تحول الماء إلى لون داكن أو ظهور رائحة غير طبيعية؛ لأن هذه العلامات قد تعني أن المياه تجاوزت بالفعل حالتها المقبولة.

ويحدد توقيت التجديد وفق:

  • عكارة الماء والرواسب.
  • درجة اتساخ الثمار.
  • كمية الثمار التي مرت في الحوض.
  • مدة تشغيل الدورة.
  • الحمل العضوي والميكروبي.
  • طريقة الحصاد والظروف الجوية.

ويتضمن التشغيل الجيد إزالة الأوراق والرمال قبل الغسيل، وترشيح الماء، وتصريف جزء من الدورة وإضافة مياه جديدة، وتنظيف الحوض دوريًا، واستخدام شطف نهائي بمياه نظيفة عند الحاجة.

القاعدة الذهبية: تُجدَّد مياه الغسيل قبل أن تتحول من وسيلة لتنظيف الثمار إلى ناقل للميكروبات والمعادن بينها.

إضافة الماء إلى عجينة الزيتون: متى تكون ضرورية؟

لا ينبغي إضافة الماء إلى عجينة الزيتون أثناء العجن (Malaxation) كإجراء ثابت لجميع الدفعات، بل وفق حاجة فنية مرتبطة برطوبة الثمار وقوام العجينة والصنف ودرجة النضج ونظام الاستخلاص.

وقد تحتاج بعض العجائن الجافة أو الصعبة إلى إضافة محدودة، لكن تأثير الماء ليس متماثلًا في جميع الأصناف والظروف.

فالزيادة غير الضرورية قد تؤدي إلى:

  • انتقال بعض المركبات الفينولية إلى الطور المائي.
  • زيادة حجم مياه الصرف.
  • فقد جزء من الزيت مع الماء.
  • تغير التوازن بين مجموعات الفينولات.
  • التأثير في الخصائص الحسية والثبات.

ويُبنى القرار الصحيح على تجربة تشغيل تقارن بين:

  • العائد الفعلي.
  • الزيت المتبقي في الثفل.
  • الزيت الخارج مع الطور المائي.
  • المحتوى الفينولي.
  • التقييم الحسي.
  • الثبات التأكسدي.
  • حجم مياه الصرف.

درجة حرارة العجن وتأثيرها في جودة زيت الزيتون

في معظم العجانات الحديثة تتحرك مياه التسخين داخل الغلاف الحراري، ولا تلامس عجينة الزيتون مباشرة. لذلك فإن المتغير الحاسم ليس حرارة ماء الغلاف، بل درجة حرارة العجينة الفعلية ومنحنى ارتفاعها مع الزمن.

فالحرارة المعتدلة تساعد على خفض اللزوجة وتجمع قطرات الزيت، لكن رفع درجة الحرارة أو إطالة زمن العجن قد يؤثر في:

  • المركبات الفينولية.
  • الرائحة الخضراء والفواكهية.
  • المرارة واللذوعة.
  • نشاط مسار الليبوأكسجينيز.
  • الثبات التأكسدي خلال التخزين.

وقد تتضرر الرائحة والمركبات الدقيقة قبل ظهور تغير واضح في قيمة البيروكسيد أو K232 وK270؛ أي إن الزيت قد يظل مطابقًا كيميائيًا، لكنه يفقد الشخصية الحسية التي تمنحه سعرًا أعلى.

ولا يجوز في الأسواق الأوروبية استخدام وصف «الاستخلاص على البارد» للزيوت البكر أو البكر الممتاز إلا عندما يتم الاستخلاص بالطرد المركزي أو الترشيح عند درجة حرارة تقل عن 27°م.

لكن البقاء تحت هذه الدرجة لا يضمن الجودة وحده؛ فقد ينتج زيت ضعيف بسبب ثمار تالفة أو تأخر التصنيع أو سوء النظافة أو التعرض الزائد للأكسجين.

طرق استخلاص زيت الزيتون: النظام الثنائي والثلاثي وDMF

يحتاج النظام ثلاثي الطور (Three-Phase Decanter) عادة إلى إضافة الماء لتسهيل الفصل، وينتج زيتًا وطورًا مائيًا وثفلًا صلبًا.

أما النظام ثنائي الطور (Two-Phase Decanter) فيعمل غالبًا دون إضافة ماء إلى الدكانتر أو بكمية أقل، وينتج زيتًا وثفلًا رطبًا.

ويعمل الدكانتر متعدد الأطوار (Decanter Multi-Phase – DMF) دون الإضافة التقليدية لمياه التشغيل، مع فصل الزيت وتيارات جانبية تشمل الثفل ولبًا رطبًا يعرف باسم Pâté.

المرحلة وظيفة الماء الخطر عند سوء الإدارة
الري نمو الثمار وتكوين الزيت رطوبة غير مناسبة وتأثير في الاستخلاص
غسل الثمار إزالة التراب والملوثات تلوث متبادل وحمل ميكروبي
العجن تعديل القوام عند الضرورة تغير الفينولات وزيادة الصرف
النظام الثلاثي تسهيل الفصل صرف أكبر وفقد زيت ومركبات ذائبة
النظام الثنائي وDMF تشغيل بقليل من الماء أو دونه فقد الميزة عند الإضافة غير الضرورية
الفراز الرأسي إزالة الماء والشوائب فقد فينولات وانتقال معادن
التنظيف حماية سلامة العملية استهلاك زائد أو بقايا منظفات


ولا تضمن التكنولوجيا وحدها جودة الزيت؛ إذ يمكن فقد مزايا أفضل النظم بسبب حرارة مرتفعة، أو عجن طويل، أو ثمار رديئة، أو سوء نظافة الخط.

غسل زيت الزيتون في الفراز الرأسي

يستخدم الفراز الرأسي لإزالة قطرات الماء والجسيمات الدقيقة من الزيت الخارج من الدكانتر، لكن زيادة مياه الغسيل قد تؤدي إلى:

  • انتقال مركبات محبة للماء من الزيت إلى الطور المائي.
  • فقد جزء من الفينولات.
  • انتقال الحديد أو النحاس إلى الزيت.
  • تكوين مستحلبات.
  • فقد جزء من الزيت مع مياه الصرف.

القاعدة التشغيلية: أقل كمية ماء تحقق التنقية المطلوبة، في أقصر زمن وبأقل تعرض ممكن للهواء.

البصمة المائية في مصانع إنتاج زيت الزيتون

لا تقتصر البصمة المائية (Water Footprint) على عداد المياه عند بوابة المصنع، بل تشمل استخدام المياه وآثارها عبر دورة الإنتاج، من الري إلى غسل الثمار والعجن والفصل والتنظيف ومعالجة الصرف.

ويقوم تقييم البصمة المائية وفق المواصفة ISO 14046 على منهج دورة الحياة، مع مراعاة:

  • كمية المياه المستخدمة.
  • مصدر المياه وموقع استخدامها.
  • تغير جودة المياه.
  • حجم الصرف وحمله التلوثي.
  • الآثار البيئية المرتبطة بالاستهلاك.

وينبغي لمصنع زيت الزيتون قياس:

  • لتر ماء لكل طن ثمار.
  • لتر ماء لكل لتر أو طن زيت.
  • كمية مياه غسل الثمار.
  • الماء المضاف إلى العجان والدكانتر.
  • مياه الفراز والتنظيف.
  • حجم الصرف وحمله العضوي.
  • الزيت المفقود في الماء والثفل.
  • تكلفة الضخ والتسخين والمعالجة.
  • نسبة المياه المعاد استخدامها بأمان.

فقد يستخدم مصنعان الكمية نفسها من الماء، لكن تكون بصمة أحدهما أعلى بسبب الاعتماد على مصدر نادر، أو إنتاج صرف أكثر تلوثًا، أو فقد كمية أكبر من الزيت والجودة.

معالجة المياه المستخدمة في إنتاج زيت الزيتون

لا يحتاج كل مصنع إلى محطة تناضح عكسي (RO)؛ فاختيار التقنية يجب أن يتبع تحليل الماء وطبيعة المشكلة.

المشكلة المعالجة المحتملة
الرمال والعكارة الترسيب والترشيح الرملي أو متعدد الوسائط
الحديد والمنجنيز التهوية أو الأكسدة ثم الترشيح
العسر التليين أو التبادل الأيوني عند الحاجة
الملوحة والكلوريدات التناضح العكسي RO بعد دراسة الجدوى
الروائح والمواد العضوية الكربون النشط ضمن نظام مناسب
التلوث الميكروبي الترشيح والتطهير المتحقق من فعاليته
تغير المصدر موسميًا خزان موازنة ومصدر احتياطي

ولا تعمل الأشعة فوق البنفسجية بكفاءة مثالية مع المياه شديدة العكارة، كما أن التناضح العكسي قد يرفع استهلاك الطاقة وينتج تيارًا مرفوضًا يحتاج إلى إدارة. لذلك يجب أن تتبع تقنية المعالجة طبيعة الخطر، لا أن تتحول إلى حل عام لكل مصنع.

خطة مراقبة جودة المياه داخل مصنع زيت الزيتون

إجراءات يومية أثناء التشغيل

  • متابعة عكارة مياه الغسيل وتجديدها.
  • قياس درجة حرارة عجينة الزيتون.
  • تسجيل تدفق المياه إلى الدكانتر والفراز.
  • فحص التسربات والرواسب والروائح.
  • تسجيل استهلاك المياه لكل طن ثمار.

إجراءات دورية خلال الموسم

  • فحص الخزانات والمرشحات والمواسير.
  • تحليل الحديد والنحاس والمنجنيز والعسر والملوحة والميكروبات وفق تقييم المخاطر.
  • مقارنة استهلاك المياه بالعائد وفاقد الزيت والفينولات.
  • مراجعة جودة مياه البئر عند تغير اللون أو الطعم أو الرائحة.

إجراءات قبل موسم العصر

  • إجراء تحليل شامل لكل مصدر للمياه.
  • تنظيف الخزانات وشبكات التوزيع.
  • معايرة العدادات وحساسات الحرارة.
  • اختبار مصدر المياه الاحتياطي.
  • تحديد حدود الإنذار والإجراءات التصحيحية.

التكلفة الاقتصادية لسوء إدارة المياه في مصانع زيت الزيتون

لا تنتهي تكلفة المياه عند شرائها أو استخراجها، بل تشمل:

  • الضخ والنقل والتخزين.
  • التسخين والمعالجة.
  • التنظيف والتطهير.
  • معالجة الصرف.
  • الزيت المفقود في الماء والثفل.
  • المركبات الفينولية والجودة الحسية المفقودة.
  • تراجع الثبات والعمر التسويقي.
  • فقد فرصة بيع الزيت في شريحة سعرية أعلى.

لذلك لا يكفي أن يسأل المصنع: كم خفضنا استهلاك المياه؟بل يجب أن يسأل: كم قيمة حافظنا عليها في كل لتر من زيت الزيتون؟

جودة زيت الزيتون تبدأ من جودة المياه المستخدمة في المصنع

قد تطبق الشركة أفضل معايير GAP وGMP، وتشتري أحدث خطوط الاستخلاص، ثم تفقد جزءًا من قيمة الزيت بسبب خزان مهمل، أو مياه غسل لم تُجدَّد، أو معدن لم يُقَس، أو حرارة لم تُضبط.

والمستقبل سيكون للمصنع الذي يربط رقميًا بين جودة المياه ورطوبة الثمار وحرارة العجن والعائد والفينولات والرائحة والثبات والبصمة البيئية.

فالماء لا يظهر ضمن مكونات عبوة زيت الزيتون، لكنه يظهر بوضوح في رائحة الزيت وفينولاته وثباته ودرجته وسعره وسمعته في السوق.

مقالات آخرى للكاتب