
أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء
فعلت الشركة كل شيء صحيحًا... لكنها أغفلت الماء.
في سيناريو افتراضي يلخص مشكلة صناعية قابلة للحدوث، طبقت إحدى شركات زيت الزيتون الممارسات الزراعية الجيدة (GAP)؛ فاختارت الأصناف المناسبة، وضبطت الري والتسميد، وحددت موعد الحصاد بعناية، ثم نقلت الثمار سريعًا في صناديق جيدة التهوية.
وفي المصنع، التزمت بممارسات التصنيع الجيد (GMP)، واستخدمت خط استخلاص حديثًا، وراقبت النظافة وحرارة العجن والتخزين. كان الجميع ينتظر زيت زيتون بكرًا ممتازًا مرتفع القيمة.
لكن الزيت خرج برائحة خضراء أقل من المتوقع، ومحتوى فينولي محدود، ثم فقد جزءًا من ثباته وجودته الحسية خلال التخزين؛ فانخفضت قدرته على المنافسة والحصول على السعر المستهدف.
وعندما روجعت العملية كاملة، ظهر العامل الذي لم يحصل على الاهتمام الكافي: المياه المستخدمة في مصانع زيت الزيتون.
والمقصود هنا بـ «مياه المعصرة» هو المياه المستخدمة داخل مصنع أو معصرة إنتاج زيت الزيتون، بداية من غسل الثمار وحتى العجن والفصل والتنظيف.
فقد تغيرت خصائص مياه البئر خلال الموسم، وتأخر تجديد مياه غسل الثمار، وأضيف الماء إلى العجينة دون اختبار كافٍ للحاجة الفعلية، ثم استُخدمت كمية أكبر من الضروري في الفراز الرأسي.
فهل الماء مجرد خدمة مساعدة داخل المصنع، أم عنصر خفي يشارك في صنع رائحة الزيت وفينولاته وثباته وسعره؟ الإجابة تبدأ من البستان، ولا تنتهي إلا بعد فصل آخر قطرة ماء عن الزيت.
تؤثر مياه الأمطار والري في حجم الثمار ورطوبتها وإنتاجيتها وتركيب الزيت، لكن العلاقة ليست ثابتة أو متشابهة في جميع الظروف.
فقد يزيد الري الكامل المحصول ورطوبة الثمار، بينما تتأثر المركبات الفينولية والمواد المتطايرة بدرجة الري والصنف والموسم ومرحلة النضج. لذلك لا يصح القول إن الزيت الناتج من الزراعة المطرية أفضل دائمًا، أو إن الري يخفض الجودة بالضرورة.
والأدق هو ربط برنامج الري ببيانات المعصرة، ومنها:
فالقرار المائي في المزرعة قد يتحول لاحقًا إلى ميزة أو مشكلة داخل العجان والدكانتر.
تعتمد المصانع القريبة من المزارع غالبًا على الآبار أو الخزانات والصهاريج، وقد تحتوي مياهها على الحديد والمنجنيز والأملاح والرمال والعسر المرتفع.
أما مصانع المدن والمناطق الصناعية فتستخدم عادة مياه الشبكة، لكن جودة المياه قد تتدهور داخل المصنع بسبب:
لذلك يجب تقييم المياه عند نقطة الاستخدام، لا عند المصدر فقط، وتشمل نقاط الرقابة:
مطابقة الماء لمواصفات الشرب شرط أساسي، لكنها قد لا تكفي وحدها لحماية الزيت تكنولوجيًا؛ إذ يجب مراقبة:
ويمثل الحديد والنحاس أهمية خاصة؛ لأنهما من العناصر الانتقالية القادرة على تسريع أكسدة الزيت واستهلاك مضادات الأكسدة الطبيعية. لذلك يجب إبقاؤهما عند أدنى مستوى عملي ممكن، لا الاكتفاء بالبقاء تحت حدود القبول العامة.
يهدف غسل الثمار إلى إزالة التراب والطين والرمال وبعض الملوثات السطحية، لكن مياه الغسيل لا تظل نظيفة طوال الوردية.
فمع استمرار التشغيل تتراكم فيها:
وهنا قد تتحول مياه الغسيل من وسيلة لتنظيف الثمار إلى وسيط يعيد توزيع الملوثات بين الدفعات.
لا ينبغي انتظار تحول الماء إلى لون داكن أو ظهور رائحة غير طبيعية؛ لأن هذه العلامات قد تعني أن المياه تجاوزت بالفعل حالتها المقبولة.
ويحدد توقيت التجديد وفق:
ويتضمن التشغيل الجيد إزالة الأوراق والرمال قبل الغسيل، وترشيح الماء، وتصريف جزء من الدورة وإضافة مياه جديدة، وتنظيف الحوض دوريًا، واستخدام شطف نهائي بمياه نظيفة عند الحاجة.
القاعدة الذهبية: تُجدَّد مياه الغسيل قبل أن تتحول من وسيلة لتنظيف الثمار إلى ناقل للميكروبات والمعادن بينها.
لا ينبغي إضافة الماء إلى عجينة الزيتون أثناء العجن (Malaxation) كإجراء ثابت لجميع الدفعات، بل وفق حاجة فنية مرتبطة برطوبة الثمار وقوام العجينة والصنف ودرجة النضج ونظام الاستخلاص.
وقد تحتاج بعض العجائن الجافة أو الصعبة إلى إضافة محدودة، لكن تأثير الماء ليس متماثلًا في جميع الأصناف والظروف.
فالزيادة غير الضرورية قد تؤدي إلى:
ويُبنى القرار الصحيح على تجربة تشغيل تقارن بين:
في معظم العجانات الحديثة تتحرك مياه التسخين داخل الغلاف الحراري، ولا تلامس عجينة الزيتون مباشرة. لذلك فإن المتغير الحاسم ليس حرارة ماء الغلاف، بل درجة حرارة العجينة الفعلية ومنحنى ارتفاعها مع الزمن.
فالحرارة المعتدلة تساعد على خفض اللزوجة وتجمع قطرات الزيت، لكن رفع درجة الحرارة أو إطالة زمن العجن قد يؤثر في:
وقد تتضرر الرائحة والمركبات الدقيقة قبل ظهور تغير واضح في قيمة البيروكسيد أو K232 وK270؛ أي إن الزيت قد يظل مطابقًا كيميائيًا، لكنه يفقد الشخصية الحسية التي تمنحه سعرًا أعلى.
ولا يجوز في الأسواق الأوروبية استخدام وصف «الاستخلاص على البارد» للزيوت البكر أو البكر الممتاز إلا عندما يتم الاستخلاص بالطرد المركزي أو الترشيح عند درجة حرارة تقل عن 27°م.
لكن البقاء تحت هذه الدرجة لا يضمن الجودة وحده؛ فقد ينتج زيت ضعيف بسبب ثمار تالفة أو تأخر التصنيع أو سوء النظافة أو التعرض الزائد للأكسجين.
يحتاج النظام ثلاثي الطور (Three-Phase Decanter) عادة إلى إضافة الماء لتسهيل الفصل، وينتج زيتًا وطورًا مائيًا وثفلًا صلبًا.
أما النظام ثنائي الطور (Two-Phase Decanter) فيعمل غالبًا دون إضافة ماء إلى الدكانتر أو بكمية أقل، وينتج زيتًا وثفلًا رطبًا.
ويعمل الدكانتر متعدد الأطوار (Decanter Multi-Phase – DMF) دون الإضافة التقليدية لمياه التشغيل، مع فصل الزيت وتيارات جانبية تشمل الثفل ولبًا رطبًا يعرف باسم Pâté.
ولا تضمن التكنولوجيا وحدها جودة الزيت؛ إذ يمكن فقد مزايا أفضل النظم بسبب حرارة مرتفعة، أو عجن طويل، أو ثمار رديئة، أو سوء نظافة الخط.
يستخدم الفراز الرأسي لإزالة قطرات الماء والجسيمات الدقيقة من الزيت الخارج من الدكانتر، لكن زيادة مياه الغسيل قد تؤدي إلى:
القاعدة التشغيلية: أقل كمية ماء تحقق التنقية المطلوبة، في أقصر زمن وبأقل تعرض ممكن للهواء.
لا تقتصر البصمة المائية (Water Footprint) على عداد المياه عند بوابة المصنع، بل تشمل استخدام المياه وآثارها عبر دورة الإنتاج، من الري إلى غسل الثمار والعجن والفصل والتنظيف ومعالجة الصرف.
ويقوم تقييم البصمة المائية وفق المواصفة ISO 14046 على منهج دورة الحياة، مع مراعاة:
وينبغي لمصنع زيت الزيتون قياس:
فقد يستخدم مصنعان الكمية نفسها من الماء، لكن تكون بصمة أحدهما أعلى بسبب الاعتماد على مصدر نادر، أو إنتاج صرف أكثر تلوثًا، أو فقد كمية أكبر من الزيت والجودة.
لا يحتاج كل مصنع إلى محطة تناضح عكسي (RO)؛ فاختيار التقنية يجب أن يتبع تحليل الماء وطبيعة المشكلة.
ولا تعمل الأشعة فوق البنفسجية بكفاءة مثالية مع المياه شديدة العكارة، كما أن التناضح العكسي قد يرفع استهلاك الطاقة وينتج تيارًا مرفوضًا يحتاج إلى إدارة. لذلك يجب أن تتبع تقنية المعالجة طبيعة الخطر، لا أن تتحول إلى حل عام لكل مصنع.
لا تنتهي تكلفة المياه عند شرائها أو استخراجها، بل تشمل:
لذلك لا يكفي أن يسأل المصنع: كم خفضنا استهلاك المياه؟بل يجب أن يسأل: كم قيمة حافظنا عليها في كل لتر من زيت الزيتون؟
قد تطبق الشركة أفضل معايير GAP وGMP، وتشتري أحدث خطوط الاستخلاص، ثم تفقد جزءًا من قيمة الزيت بسبب خزان مهمل، أو مياه غسل لم تُجدَّد، أو معدن لم يُقَس، أو حرارة لم تُضبط.
والمستقبل سيكون للمصنع الذي يربط رقميًا بين جودة المياه ورطوبة الثمار وحرارة العجن والعائد والفينولات والرائحة والثبات والبصمة البيئية.
فالماء لا يظهر ضمن مكونات عبوة زيت الزيتون، لكنه يظهر بوضوح في رائحة الزيت وفينولاته وثباته ودرجته وسعره وسمعته في السوق.