
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون وعضو الجمعية العلمية -جامعه الاسكندرية
في مدينة خاين الإسبانية، المعروفة عالمياً بأنها عاصمة زيت الزيتون، كان صديقان عربيان يدرسان الهندسة الزراعية والتاريخ يتجولان بين المزارع الممتدة في يوم دراسي ميداني.
قال سعيد وهو ينظر إلى الأشجار المباركة: "كيف أصبحت هذه الشجرة رمزاً لإسبانيا واقتصادها اليوم؟ لكنني دائمًا أتساءل: أين بدأت قصة زيت الزيتون؟ هل هنا حقاً أم في مكان آخر؟"
أجابه عمر: "ربما بدأ استغلال الزيتون في حوض البحر الأبيض المتوسط عموماً، وتحديداً في بلاد الشام التي تُعد موطنه الأصلي، لكن الحضارات القديمة في المنطقة كان لها دور كبير في استهلاكه وتطوير صناعته، وقد سمعت أن مصر عبر تاريخها الطويل تملك علاقة وثيقة بهذا الذهب السائل".
ابتسم سعيد وقال: "صحيح تماماً. فقبل أن تتصدر أوروبا إنتاج الزيتون، كانت هناك حضارات عريقة تفاعلت مع هذا المنتج. وفي مصر، لعب نهر النيل دوراً حاسماً في الاستقرار والزراعة، وظهرت في صعيد مصر مدن ازدهرت بالتجارة والإنتاج عبر العصور المختلفة، لتصبح جزءاً من هذا التاريخ الممتد".
تُعد بانوبوليس واحدة من المدن المصرية القديمة البارزة، وكانت عاصمة للإقليم التاسع من أقاليم صعيد مصر. تقع المدينة في محافظة سوهاج الحالية، في قلب إقليم صعيد مصر الممتد جغرافيّاً من جنوب القاهرة حتى حدود الشلال الأول لنهر النيل. هذا الموقع المتميز منح أخميم تاريخياً أهمية استراتيجية كبيرة؛ حيث كانت نقطة ربط رئيسية بين وادي النيل وطرق القوافل التجارية المتجهة نحو موانئ البحر الأحمر شرقاً.
قامت المدينة على سهل فيضي خصب تشكل بفضل طمي نهر النيل المتجدد سنوياً مع الفيضان، مما وفر بيئة مثالية للزراعة المستقرة. وقد أدى هذا الازدهار البيئي إلى:
ولم يقتصر تميز أخميم على الزراعة، بل كانت مركزاً تجارياً حيوياً تلتقي فيه طرق القوافل، مما جعلها محطة رئيسية للتبادل التجاري والثقافي بين مصر والحضارات المجاورة عبر شبه جزيرة سيناء والبحر الأحمر.
في العصور الفرعونية المبكرة، لم يكن مناخ الصعيد والدلتا مهيأً لزراعة الزيتون بكميات تجارية ضخمة، ولذلك اعتمد المصريون القدماء في حياتهم اليومية والطهي على زيوت محلية أخرى مثل زيت بذور الكتان (الزيت الحار)، وزيت السمسم، وزيت الخروع، وزيت المورينجا (البان).
أما زيت الزيتون، فكان يُستورد كسلعة فاخرة وعالية القيمة من بلاد الشام. وكان يقتصر استخدامه في البداية على الملوك والنخبة، وفي الطقوس الدينية لتعطير وتكفين المومياوات وإنارة المعابد، بالإضافة إلى الاستخدامات الطبية والتجميلية. ومع الانتقال إلى العصور المتأخرة ثم العصرين البطلمي والروماني، بدأت مصر في التوسع بزراعة أشجار الزيتون محلياً، ولا سيما في المناطق ذات المناخ الملائم مثل إقليم الفيوم، الواحات، والساحل الشمالي.
مع دخول العصر القبطي والبيزنطي، شهدت صناعة زيت الزيتون في مصر قفزة نوعية وتطوراً كبيراً، وتحديداً داخل الأديرة الرهبانية التي انتشرت في ربوع مصر، ومنها منطقة أخميم التي ضمت أديرة تاريخية هامة (مثل الدير الأبيض والدير الأحمر).
اعتمد الرهبان على الزراعة كجزء أساسي من حياتهم التعبدية واليومية، ونجحوا في استصلاح الأراضي وزراعة الحبوب، الكروم، وأشجار الزيتون. ونظراً لأهمية الزيت الكبيرة في الطقوس الكنسية (مثل الإنارة وصناعة الزيوت المقدسة كالميرون)، أُنشئت معاصر متطورة للزيتون داخل أسوار الأديرة، وصار الرهبان ينتجون زيتاً عالي الجودة مستعينين بخبرات متوارثة دُوّنت بعض أسرارها في مخطوطاتهم العلمية.
شهدت هذه الصناعة تنظيماً أكبر برعاية القيادات الكنسية عبر العصور؛ حيث يُذكر تاريخياً أن البابوات الأقباط (مثل البابا بنيامين الأول في القرن السابع الميلادي، والبابا يوساب في عصور لاحقة) شجعوا على تطوير البنية التحتية للأديرة وتخصيص مساحات مجهزة بمعاصر حديثة لإنتاج زيت الزيتون، بهدف تحقيق:
فائض إنتاج الزيت من الأديرة والمزارع المحيطة لم يقف عند حدود الاستهلاك المحلي، بل تحول إلى منتج تجاري بارز. فبفضل موقع أخميم المتميز كعقدة مواصلات، أُعيد توزيع وتصدير الزيت عبر شبكات التجارة الداخلية والخارجية، مما ساهم في دعم الاقتصاد المحلي وربط صعيد مصر بالمراكز التجارية الكبرى في مصر وخارجها.
تعددت استخدامات زيت الزيتون في المجتمع المصري عبر العصور، لتشمل:
تُظهر قصة مدينة بانوبوليس (أخميم) والمظهر التاريخي لإنتاج الزيتون في مصر كيف ارتبطت الزراعة بتطور الحضارة وتتابع العصور. فإذا كانت إسبانيا اليوم (وتحديداً مدينة خاين) تمثل العاصمة العالمية الحديثة لإنتاج زيت الزيتون، فإن جذور التعامل مع هذه الشجرة المباركة وصناعة "الذهب السائل" تمتد عميقاً في تاريخ شرق المتوسط ومصر، حيث امتزجت حاجة الإنسان بعبقرية المكان والمجرى الخالد لنهر النيل لإنتاج حضارة وثقافة ممتدة عبر الزمن.