
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون وعضو الجمعية العلمية -جامعه الاسكندرية
نجح فريق بحثي من "جامعة البوليتكنيك في مدريد" (UPM)، بالتعاون مع شركة "AgrowingData" و"المدرسة التقنية العليا للهندسة" (ICAI) التابعة للجامعة البابوية "كومياس"، في تطوير نموذج متقدم يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين التنبؤ بإنتاج الزيتون وزيت الزيتون. ويؤكد هذا التطور العلمي الجديد أن مستقبل إدارة بساتين الزيتون سيكون أكثر ارتباطًا بالتقنيات الرقمية.
يعتمد النموذج الذكي على دمج عدة مصادر للبيانات تشمل:
ويهدف هذا الدمج إلى تحليل استجابة أشجار الزيتون للظروف البيئية المختلفة وتقدير الإنتاج المستقبلي بدقة عالية. وقد أُجريت الدراسة على أكثر من 1100 قطعة أرض زراعية في مقاطعة قرطبة الإسبانية، إحدى أهم مناطق إنتاج زيت الزيتون في العالم، حيث تم تحليل كميات ضخمة من البيانات الزراعية والمناخية لبناء نماذج تنبؤية أكثر دقة وقدرة على التكيف مع الظروف الحقلية الفعلية.
من أبرز الابتكارات التي قدمتها الدراسة استخدام مؤشر "الوقت الحراري" أو ما يعرف بـ "أيام درجة النمو" (Growing Degree Days - GDD)، وهو مقياس يعتمد على الحرارة المتراكمة التي تتعرض لها الأشجار خلال الموسم الزراعي، بدلاً من الاعتماد التقليدي على التواريخ الثابتة في التقويم الزراعي.
ويسمح هذا النظام بفهم أفضل لدورة نمو أشجار الزيتون ومقارنة المواسم المختلفة، حتى في ظل التباينات الكبيرة الناتجة عن التغيرات المناخية والجفاف وارتفاع درجات الحرارة. كما أظهرت النتائج وجود علاقة قوية بين أنماط الغطاء النباتي التي يتم رصدها عبر الأقمار الصناعية، وكميات الأمطار خلال مراحل معينة من الموسم، وبين حجم الإنتاج المتوقع من الزيتون وزيت الزيتون.
تكتسب هذه التكنولوجيا أهمية خاصة على المستوى العالمي، حيث يواجه قطاع الزيتون تحديات غير مسبوقة بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري وتكرار موجات الجفاف والحرارة الشديدة، خصوصًا في دول حوض البحر الأبيض المتوسط التي تمثل أكثر من 95% من إنتاج الزيتون العالمي.
وشهدت أسواق زيت الزيتون العالمية خلال السنوات الأخيرة تذبذبات حادة في الإنتاج والأسعار نتيجة التقلبات المناخية، مما أثر بشكل مباشر على المنتجين والمصدرين والمستهلكين. لذلك، فإن امتلاك أدوات دقيقة للتنبؤ بالمحصول قبل أشهر من موسم الحصاد يمنح الجهات المعنية قدرة أكبر على التخطيط وتحقيق الاستقرار في الأسواق.

تُعد المنطقة العربية من أهم المناطق المنتجة للزيتون عالميًا، إذ تمتلك دول مثل: السعودية، الأردن، فلسطين، سوريا، لبنان، تونس، المغرب ومصر ملايين الأشجار المزروعة على مساحات واسعة. كما يمثل الزيتون مصدر دخل رئيسيًا لمئات الآلاف من المزارعين والأسر الريفية.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا واضحًا في تأثير التغيرات المناخية على إنتاج الزيتون العربي، حيث أصبحت بعض المناطق تعاني من:
وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن تشكل نماذج الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد نقلة نوعية في إدارة قطاع الزيتون العربي.
يمكن توظيف هذه التقنية في الدول العربية بعدة طرق استراتيجية، أهمها:
من المتوقع أن تحقق هذه التكنولوجيا فوائد اقتصادية كبيرة لقطاع الزيتون العربي، منها:
يمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو بناء أنظمة زراعية ذكية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة. ومع التطور المستمر في تقنيات الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، أصبح بالإمكان الانتقال من الإدارة التقليدية للمزارع إلى الإدارة الاستباقية المبنية على التوقعات العلمية الدقيقة.
وبالنسبة للمنطقة العربية، فإن تبني مثل هذه التقنيات لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة إنتاج الزيتون، والحفاظ على استقرار الأسواق، وتحقيق عوائد اقتصادية أكبر للمزارعين والصناعات المرتبطة بهذا القطاع الحيوي.
الخلاصة:
إن دمج الذكاء الاصطناعي مع صور الأقمار الصناعية والبيانات المناخية يفتح آفاقًا جديدة أمام قطاع الزيتون العربي؛ حيث يمكن استخدامه للتنبؤ بالمحصول السنوي بدرجة عالية من الدقة. يساهم هذا التوجه في اتخاذ قرارات استباقية تحد من آثار التغير المناخي، وتحافظ على توازن السوق، وتدعم استقرار الأسعار وتعزيز الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية المستدامة.