
مؤسس الموقع وخبرة أكثر من 11 سنة في مجال التسويق في صناعة الزيوت والدهون
مع تصاعد تحذيرات مراكز الأرصاد العالمية من عودة ظاهرة "النينيو" المناخية، تتوجه أنظار صناع القرار في قطاع الزيوت والدهون نحو جنوب شرق آسيا. يستعرض هذا التقرير كيف يتشابك الجفاف المرتقب مع برامج الديزل الحيوي الإلزامية الجديدة، ليخلقا معاً "ضغطاً مزدوجاً" يهدد الإمدادات ويعيد تسعير زيت النخيل في الأسواق العالمية.
تشهد أسواق السلع والزيوت النباتية العالمية حالة من الترقب والحذر، بالتزامن مع إعلان مراكز الأرصاد الجوية عن رصد مؤشرات متسارعة لعودة ظاهرة "النينيو" المناخية. ولا يتوقف تأثير هذه الظاهرة عند حدود التغيرات البيئية الفجائية، بل يمتد ليشكل واحداً من أهم المحركات الاقتصادية لأسعار زيت النخيل الخام (CPO) في البورصات العالمية.
في هذا التقرير، نستعرض الآلية الفنية والاقتصادية التي تربط بين حركة المياه في المحيط الهادئ واشتعال العقود الآجلة لزيت النخيل.
ظاهرة "النينيو" (El Niño) — والتي تعني باللغة الإسبانية "الطفل الصغير" — هي نمط مناخي طبيعي ودوري غير منتظم، يتكرر كل سنتين إلى سبع سنوات في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ.
في الأحوال العادية، تهب الرياح التجارية من الشرق إلى الغرب، دافعةً المياه السطحية الدافئة نحو آسيا وأستراليا. أما أثناء "النينيو"، فتضعف هذه الرياح أو ينعكس اتجاهها، مما يسمح للكتلة الضخمة من المياه الدافئة بالتحرك شرقاً نحو سواحل أمريكا الجنوبية. هذا الاختلال الحراري يغير مسار التيارات الهوائية والغلاف الجوي حول العالم، مسبباً مفارقات مناخية حادة تشمل الفيضانات في مناطق، والجفاف الشديد في مناطق أخرى.
تكتسب ظاهرة النينيو أهمية قصوى في قطاع الزيوت والدهون بسبب "تركيز جغرافيا الإنتاج". فالإحصاءات تشير إلى أن إندونيسيا وماليزيا تهيمنان وحدهما على نحو 85% من إجمالي الإمدادات العالمية لزيت النخيل.
وما يضاعف أثر أي اضطراب في هذه البقعة الجغرافية هو الوزن الثقيل للمحصول في سلة الغذاء والطاقة العالمية؛ حيث يمثل زيت النخيل وحده ما يقارب 37% من إجمالي الإنتاج العالمي لجميع الزيوت النباتية، متصدراً بذلك المرتبة الأولى عالمياً كأكثر الزيوت إنتاجاً واستهلاكاً. وعندما تنشط ظاهرة النينيو، فإنها تجلب جفافاً قاسياً وانخفاضاً حاداً في معدلات الأمطار في جنوب شرق آسيا، مما يضع ثلث معروض الزيوت العالمي في المرمى المباشر للخطر.
من الناحية الفنية الزراعية، تتميز أشجار نخيل الزيت بحساسية فائقة تجاه توافر المياه؛ إذ تحتاج إلى توزيع منتظم للأمطار على مدار العام لضمان إنتاجية عالية. وعند حدوث الجفاف، تدخل الأشجار في حالة تُعرف علمياً بـ "الإجهاد المائي" (Moisture Stress).
السمة الأبرز في هذه الظاهرة هي "الأثر المتأخر"؛ إذ لا يتراجع إنتاج زيت النخيل فور بدء موجة الجفاف، بل يظهر الأثر الحقيقي تراجعاً في المحاصيل بعد 6 إلى 12 شهراً. يتسبب الإجهاد المائي في إجهاض العناقيد الزهرية، وتحول جنس الزهور نحو الذكورة (مما يقلل الثمار الإناث المنتجة للزيت)، وصغر حجم العناقيد الثمرية اللاحقة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى نقص حاد ومستدام في المعروض العالمي.
الديزل الحيوي هو وقود متجدد يتم إنتاجه عن طريق معالجة الزيوت النباتية كيميائياً لخلطها مع الديزل التقليدي. وفي جنوب شرق آسيا، يعد زيت النخيل الخام هو المادة الخام الأساسية لصناعة هذا الوقود لدعم الطاقة المحلية.
تشهد السياسات الحكومية في الدول المنتجة قفزات إلزامية لرفع نسب الخلط (التي يرمز لها بحرف B متبوعاً بنسبة الزيت النباتي)، وهو ما يغير حسابات السوق بالكامل:
الضغط المزدوج: عندما يضرب الجفاف المحصول ويتراجع الإنتاج، تجد الدول المنتجة نفسها مجبرة بموجب قوانينها الداخلية على تلبية هذه النسب الإلزامية المرتفعة لقطاع الطاقة المحلي أولاً. هذا يعني أن النقص المحصولي بالكامل يتم ترحيله وحسمه من "الحصص المخصصة للتصدير الخارجي"، مما يحرم الأسواق الدولية من كميات ضخمة ويدفع أسعار التصدير للقفز.
تاريخ أسواق الزيوت والدهون مليء بالأدلة التي تثبت كيف أعادت ظاهرة النينيو صياغة خريطة الأسعار عالمياً:
تتعامل البورصات العالمية مع ظاهرة النينيو وفق مبدأ استشراف المستقبل. فبمجرد الإعلان عن رصد الظاهرة، يعمد التجار إلى إضافة ما يُعرف بـ "علاوة مخاطر الطقس" (Weather Risk Premium) إلى أسعار العقود الآجلة، لترتفع الأسعار استباقياً.
علاوة على ذلك، تغير النينيو من ديناميكية التنافس بين الزيوت؛ فبينما تضرب الظاهرة جنوب شرق آسيا بالجفاف، قد تجلب أمطاراً غزيرة ومفيدة لمحاصيل فول الصويا في أمريكا الجنوبية. هذا التباين يؤدي إلى تقلص الفجوة السعرية المعتادة بين زيت الصويا وزيت النخيل، مما يجبر كبار المشترين الدوليين (مثل الهند والصين) على إعادة هيكلة حصص الاستيراد والمفاضلة المستمرة بين الزيوت.
تشير النماذج المناخية الحالية لعام 2026 إلى احتمالية عالية لتطور دورة النينيو الحالية إلى مستويات شديدة قد تقترب من تصنيف "نينيو خارقة" جديدة. بالنسبة لصناع القرار، لم يعد تتبع التغيرات المناخية ترفاً علمياً، بل أداة رئيسية لإدارة المخاطر. وتظل المراقبة اللصيقة لأرقام الإنتاج والمخزونات، جنباً إلى جنب مع متابعة توسع الحكومات في تفويضات الوقود الحيوي، هي الصمام الأساسي لاستشراف اتجاه بوصلة الأسعار في ظل أجواء مضطربة.