
مؤسس الموقع وخبرة أكثر من 11 سنة في مجال التسويق في صناعة الزيوت والدهون
في الأول من يوليو 2026، دخل قرار حكومي إندونيسي حيّز التنفيذ يقضي بأن يحتوي كل لتر ديزل يُباع في البلاد على 50% من زيت النخيل. لم يكن قراراً عن الزيوت، بل عن الطاقة. ومع ذلك، فإن أثره المباشر سيظهر في فاتورة استيراد زيت الطعام في القاهرة وتونس والرياض.
هذه ليست مصادفة. إنها نتيجة منطقية لتحوّل هيكلي عميق: لم تعد أسواق الزيوت النباتية أسواقاً غذائية خالصة، بل أصبحت أسواق طاقة مُقنَّعة. وفي قلب هذا التحوّل يقف مؤشر واحد قليل من يعرفه خارج غرف التداول: الـ POGO Spread.
الاسم اختصار لـ Palm Oil – Gas Oil Spread، أي الفارق السعري بين زيت النخيل ووقود الديزل. ويُحسب ببساطة كالتالي:
$$POGO = \text{سعر زيت النخيل الخام (بورصة ماليزيا)} - \text{سعر الغازويل (بورصة سنغافورة / أوروبا)}$$
النتيجة رقم واحد بالدولار للطن، لكنه رقم يحمل قراراً اقتصادياً كاملاً:
بعبارة أخرى: الـ POGO هو المفتاح الذي يحدّد وجهة قطرة الزيت — إلى المقلاة أم إلى خزان الوقود.
خلال الأشهر الأخيرة تحرك المؤشر بعنف غير مسبوق، ويستحق أن يُدرَّس:
لاحظ ما حدث: ارتفاع النفط بسبب التوتر الجيوسياسي دفع الغازويل للأعلى، فانهار الـ POGO. وفي مارس 2026 قفزت أسعار زيت النخيل 3.7% في جلسة واحدة — ليس بسبب أي خبر عن الإنتاج أو الطقس أو الطلب الغذائي، بل لأن الوقود صار أغلى منه.
وهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب أن يستوعبها كل عامل في قطاع الزيوت: سعر زيت الطعام لم يعد يُحدَّد في الحقل وحده، بل في حقول النفط أيضاً.
يظن كثيرون أن ما سبق يخص زيت النخيل وحده. وهذا خطأ فادح. فهناك مؤشر ثانٍ ينقل الصدمة إلى بقية الزيوت، اسمه BOPO Spread — اختصار Bean Oil – Palm Oil، أي الفارق بين سعر زيت فول الصويا (بورصة شيكاغو) وسعر زيت النخيل (بورصة ماليزيا).
القاعدة التاريخية: زيت النخيل يُتداول عادةً بخصم عن زيت الصويا — أي أن BOPO موجب. وهذا الخصم هو ميزته التنافسية التي تجعل المصنّعين والمستوردين يفضّلونه.
النتيجة: لا يوجد ملاذ آمن. صدمة في زيت واحد تنتقل إلى المنظومة كلها خلال أسابيع، لأن الزيوت بدائل غذائية لبعضها.
الفجوة اتسعت بأكثر من 80% في ثلاثة أشهر. والسبب مزدوج ومهم جداً أن نفهمه:
بعبارة أخرى: هناك محركان منفصلان يرفعان الزيوت من طرفين مختلفين من الكوكب، وكلاهما محرك تشريعي لا سوقي.
وما يعنيه الـ BOPO الواسع الحالي للمستورد العربي أمر بالغ الأهمية: النخيل رخيص نسبياً مقابل الصويا. وهذا يعني أن ضغطاً شرائياً هائلاً — غذائياً وطاقوياً معاً — سيتجه نحو النخيل. ومن يشتري صويا اليوم يدفع علاوة قدرها 566 دولاراً للطن.
قبل الحديث عن أثرها، لنتفق على تعريفها. برنامج المزج الإلزامي (Blending Mandate) هو قانون تفرض بموجبه الدولة على شركات الوقود أن تخلط نسبة معينة من الوقود الحيوي في كل لتر ديزل (أو بنزين) يُباع في السوق.
والمقصود بالنسبة بحرف ورقم: B للبيوديزل وE للإيثانول، يليه رقم يمثل النسبة المئوية. فـ B20 يعني 20% بيوديزل و80% ديزل أحفوري، وB50 يعني مناصفة، وB100 يعني وقوداً حيوياً خالصاً.
والفكرة في جوهرها بسيطة وجذابة سياسياً: بدلاً من استيراد الديزل بالعملة الصعبة، تستبدل جزءاً منه بزيت منتَج محلياً — فتدعم المزارع، وتقلّل فاتورة الطاقة، وتخفض الانبعاثات، كل ذلك بجرّة قلم تشريعية. لكن هذه البساطة الظاهرية تُخفي أثراً عميقاً على أسواق الزيوت.
فالآلية أبسط مما تبدو، وأخطر مما تبدو. وتقوم على ثلاث ركائز:
حين تُلزِم الدولة شركات الوقود بخلط نسبة معينة من البيوديزل، فهي تخلق طلباً لا يستجيب للسعر. القانون يقول «اخلط 50%»، ولا يقول «اخلط 50% إذا كان السعر مناسباً».
النتيجة: عندما يبدأ سعر الزيت في الانخفاض، يصبح تحويله لوقود مجدياً اقتصادياً، فيمتص قطاع الطاقة الفائض ويمنع السعر من الهبوط. البرامج الإلزامية لم تتسبب في غلاء الزيوت — لكنها تمنعها من الرخص.
لم تعد هذه ظاهرة هامشية. وفق تقديرات Oil World للموسم 2025/26:
59.3 مليون طن من الزيوت والدهون (باستثناء الزيوت المستعملة) تتجه إلى إنتاج الوقود الحيوي — أي 22% من الإنتاج العالمي، وهو مستوى قياسي.
ومع إنتاج عالمي متوقع للزيوت النباتية عند 244 مليون طن في 2026/27، فإن هذا يعني أن قرابة واحد من كل خمسة أطنان زيت في العالم لا يُؤكل — بل يُحرق.
هنا تكمن القسوة الحقيقية. الناس تأكل بغض النظر عن السعر، والقانون يفرض الخلط بغض النظر عن السعر. عندما يتنافس طلبان غير مرنين على عرض محدود، لا توجد آلية تصحيح — يوجد فقط ارتفاع في السعر إلى أن ينسحب الطرف الأضعف.
والطرف الأضعف دائماً هو المستهلك في الأسواق الحسّاسة للسعر — أي الدول النامية والمستوردة، ومنها معظم الدول العربية.
الإطار التشريعي الأول كان أوروبياً: التوجيه 2003/30/EC، الذي وضع أهدافاً إرشادية (غير مُلزِمة) للوقود الحيوي بنسبة 2% بنهاية 2005 و5.75% بنهاية 2010. كان هذا هو الشرارة التي أشعلت السوق العالمي.
لكن الأوروبيين تركوا الأهداف طوعية في البداية، ولم تصبح إلزامية إلا مع توجيه الطاقة المتجددة (RED) عام 2009، الذي فرض أن تأتي 10% من طاقة النقل البري من مصادر متجددة بحلول 2020. ثم جاء RED II (2018) و RED III ليضيفا معايير استدامة صارمة.
المفارقة الأوروبية: الاتحاد الذي أطلق السباق، هو نفسه الذي يعمل الآن على الاستبعاد التدريجي لزيت النخيل من قائمة المواد الأولية المعتمدة بسبب قضايا إزالة الغابات — بعد أن يكون قد ساهم في بناء صناعة كاملة عليه.
رغم أسبقية أوروبا تشريعياً، فإن أول تفويض وطني إلزامي وحقيقي للبيوديزل كان برازيلياً:
الأثر على السوق: السعة الإنتاجية البرازيلية تبلغ 14.6 مليون متر مكعب، ويشكّل زيت فول الصويا نحو 70% من المواد الأولية. وهذا يفسّر جزءاً كبيراً من متانة أسعار زيت الصويا عالمياً.
لا يوجد بلد ذهب بعيداً كما ذهبت إندونيسيا. التسلسل الزمني:
لماذا تفعل إندونيسيا ذلك رغم أن البيوديزل أغلى؟ ثلاثة أسباب لا علاقة لأي منها بالربح المباشر:
البرنامج الماليزي أهدأ لكنه ثابت:
ملاحظات مهمة:
قبل استعراض الكميات، لا بد من فهم مغالطة إحصائية خطيرة يقع فيها معظم المحللين. حين نقرأ «أنتجت الدولة س مليون طن من البيوديزل»، نفترض تلقائياً أنها استهلكت س مليون طن من الزيت. وهذا غير صحيح — لأن هناك مسارين تقنيين مختلفين تماماً، ولكلٍّ منهما شهية مختلفة للزيت.
في مسار FAME، يبقى الأكسجين داخل جزيء الوقود (لأنه إستر). أما في HVO، فالهيدروجين ينزع الأكسجين من الجزيء ويطرده على هيئة ماء وثاني أكسيد كربون.
والأكسجين له وزن. ونزعه يعني فقدان كتلة. النتيجة المباشرة: كل لتر من HVO يلتهم كمية أكبر من الزيت النباتي مقارنةً بلتر من FAME.
لأن الـ HVO هو المسار الذي ينمو، وليس FAME. والأسباب هيكلية:
يقدّر Oil World الإنتاج العالمي المشترك من البيوديزل و HVO بنحو 69.5 مليون طن في 2026، بزيادة 6.7 مليون طن عن العام السابق.
لكن الرقم الذي يجب أن تراقبه ليس حجم الوقود — بل تركيبته. فكلما مال المزيج نحو HVO، ارتفع استهلاك الزيت دون أن يظهر ذلك في عناوين إحصاءات «البيوديزل».
بعبارة أخرى: الطلب الحقيقي على الزيوت أعلى مما تُوحي به الأرقام المعلنة، والفجوة تتسع كل عام.
هذا هو السؤال الذي يهم كل تاجر ومصنّع ومستورد. والأرقام صادمة:
هنا تدخل القصة منعطفاً قد يعيد رسم الصناعة بأكملها.
فيلدا (Federal Land Development Authority) — الهيئة الماليزية الحكومية العملاقة التي تدير مستوطنات زراعية لمئات الآلاف من صغار المزارعين — بدأت بالتعاون مع ذراعها التجارية FGV Holdings في اختبار B100: وقود بيوديزل مكوّن من 100% زيت نخيل، بلا أي مكوّن أحفوري.
وفق تصريحات رئيس فيلدا، داتوك سري أحمد شابري تشيك، في أبريل 2026، بلغ سعر B100 عند باب المصنع نحو 4.40 – 4.50 رينجيت للتر —مقارنةً بالأسعار السائدة آنذاك:
اقرأ الرقم مرة أخرى. عند تلك الأسعار، كان البيوديزل النقي أرخص من الديزل الأحفوري بنحو 35%.
ملاحظة منهجية مهمة: هذه المقارنة تعكس لحظة زمنية بعينها — ذروة ارتفاع أسعار النفط عقب التصعيد الجيوسياسي في الربع الثاني من 2026. وهي مرهونة ببقاء سعرَي النفط وزيت النخيل عند مستوييهما آنذاك؛ فأي انخفاض في النفط أو ارتفاع في زيت النخيل قد يقلب المعادلة مجدداً. ومع ذلك، تبقى دلالتها قائمة: لأول مرة يقترب البيوديزل النقي من التعادل مع الديزل الأحفوري — بل يتفوّق عليه — دون أي دعم.
وهذا في حد ذاته تحوّل لافت. طوال عقدين، كانت الحجة الأولى ضد البيوديزل هي التكلفة. أما اليوم — ومع تقلبات أسعار الطاقة — فقد أصبح السيناريو الذي يكون فيه البيوديزل منافساً بذاته، دون دعم، سيناريو وارداً بدلاً من كونه مستحيلاً. لم يعد يحتاج بالضرورة إلى دعم ليكون منطقياً؛ قد يحتاج فقط إلى بنية تحتية.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية بالنسبة لأسواق الزيوت الغذائية. تأمّل التسلسل المنطقي:
لكن حتى فيلدا نفسها تعترف بالقيد الحقيقي: قال رئيسها صراحة إن «إمدادات زيت النخيل الخام قد لا تكفي لطرح B100 على نطاق واسع فوراً».
وهذه الجملة تختصر الأزمة كلها: ليست المشكلة في التقنية أو السعر — المشكلة أن الأرض محدودة، والزيت محدود، والمعدة والخزّان يتنافسان على المصدر نفسه.
حين اشتدت انتقادات «الغذاء مقابل الوقود»، وجدت السياسات الغربية مخرجاً بدا مثالياً: لا تستخدم زيتاً بكراً — استخدم المخلفات. زيت القلي المستعمل (UCO)، الدهون الحيوانية، مخلفات المعاصر.
وكوفئت هذه المواد بحوافز مضاعفة: في أوروبا، الوقود المنتج من المخلفات يحصل على احتساب مزدوج (Double Counting) — الطن يُحسب بطنين للامتثال، مما يمنحه علاوة قيمة تتراوح بين 400 و 600 دولار للطن فوق نظيره المنتج من زيوت بكر.
الحوافز الضخمة خلقت طلباً يستحيل تلبّيته:
وفق تقديرات اتحاد UFOP الألماني، فإن ما يمكن جمعه من الزيوت المستعملة لا يتجاوز 5% إلى 10% من الإنتاج العالمي للزيوت النباتية — أي 12 إلى 24 مليون طن فقط على مستوى العالم.
قارن هذا الرقم بالطلب: 59.3 مليون طن تحتاجها صناعة الوقود الحيوي. الزيوت المستعملة لا تغطي حتى نصف الاحتياج. والفارق يأتي حتماً من الزيوت البكر — أي من طعامنا.
وحين يتجاوز الطلب العرض بثمانية أضعاف، يظهر الغش حتماً. والمؤشرات مروّعة:
الخلاصة الساخرة: السياسة التي وُضعت لحماية الغابات من زيت النخيل، تحوّلت إلى باب خلفي يستورد زيت النخيل نفسه بعلاوة سعرية.
النتيجة الحتمية: الزيت المستعمل — الذي كان مخلَّفاً تدفع للتخلص منه — أصبح سلعة استراتيجية:
وفي ديسمبر 2024، ألغت الصين حافز الضريبة على تصدير الزيوت المستعملة، موجّهةً كمياتها لصناعتها المحلية — مما ترك المصافي الأوروبية في مأزق بلا بديل قصير الأجل.
معظم الدول العربية مستوردة صافية للزيوت النباتية. وهذا يضعها في الطرف الخاسر من المعادلة بأكملها:
إذا كنت تعمل في الزيوت — تاجراً أو مصنّعاً أو مشترياً — فهذه هي المؤشرات التي يجب أن تراقبها أسبوعياً:
لعقود، كان تحليل سوق الزيوت يقوم على ثلاثة أعمدة: الطقس، والإنتاج، والطلب الغذائي (خاصة من الهند والصين).
اليوم أُضيف عمود رابع — وهو الأقوى: السياسة الطاقوية.
قرار وزير طاقة في جاكرتا صار أكثر تأثيراً على سعر زيت القلي في القاهرة من موسم أمطار كامل في السودان. والـ POGO Spread هو المؤشر الذي يترجم لك هذا التأثير إلى رقم.
وكما لخّصها أحد المحللين الماليزيين ببلاغة:
«الطبق والخزّان لا يتعشّيان معاً بسلام دائماً.»