حين يقرر سعر البترول ما إذا كان زيتك سيُؤكل أم يُحرَق

تاريخ النشر:
July 15, 2026
أخر تعديل:
July 15, 2026

‍مؤسس الموقع وخبرة أكثر من 11 سنة في مجال التسويق في صناعة الزيوت والدهون

الفهرس

Text Link

في الأول من يوليو 2026، دخل قرار حكومي إندونيسي حيّز التنفيذ يقضي بأن يحتوي كل لتر ديزل يُباع في البلاد على 50% من زيت النخيل. لم يكن قراراً عن الزيوت، بل عن الطاقة. ومع ذلك، فإن أثره المباشر سيظهر في فاتورة استيراد زيت الطعام في القاهرة وتونس والرياض.

هذه ليست مصادفة. إنها نتيجة منطقية لتحوّل هيكلي عميق: لم تعد أسواق الزيوت النباتية أسواقاً غذائية خالصة، بل أصبحت أسواق طاقة مُقنَّعة. وفي قلب هذا التحوّل يقف مؤشر واحد قليل من يعرفه خارج غرف التداول: الـ POGO Spread.

أولاً: ما هو الـ POGO Spread؟

الاسم اختصار لـ Palm Oil – Gas Oil Spread، أي الفارق السعري بين زيت النخيل ووقود الديزل. ويُحسب ببساطة كالتالي:

$$POGO = \text{سعر زيت النخيل الخام (بورصة ماليزيا)} - \text{سعر الغازويل (بورصة سنغافورة / أوروبا)}$$

النتيجة رقم واحد بالدولار للطن، لكنه رقم يحمل قراراً اقتصادياً كاملاً:

حالة المؤشر المعنى النتيجة على السوق
POGO موجب (علاوة) الزيت أغلى من الوقود تحويل الزيت لبيوديزل عملية خاسرة — تحتاج دعماً حكومياً لتستمر
POGO صفر تعادل نقطة اللامبالاة
POGO سالب (خصم) الزيت أرخص من الوقود البيوديزل يصبح مربحاً بذاته — الطلب ينفجر دون أي دعم

بعبارة أخرى: الـ POGO هو المفتاح الذي يحدّد وجهة قطرة الزيت — إلى المقلاة أم إلى خزان الوقود.

القراءة العملية للمؤشر في 2026

خلال الأشهر الأخيرة تحرك المؤشر بعنف غير مسبوق، ويستحق أن يُدرَّس:

التوقيت قيمة POGO (دولار/طن) الدلالة
متوسط 2025 +328 الزيت أغلى بكثير — البيوديزل يحتاج دعماً ثقيلاً
27 فبراير 2026 ~+318 الوضع الطبيعي
6 مارس 2026 +178 انهيار بنسبة 44% خلال أسبوع واحد بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط
نهاية مارس 2026 −81 انقلاب تاريخي — الزيت صار أرخص من الديزل
نهاية أبريل 2026 −103 تعمّق الخصم
نهاية مايو 2026 +143 ارتداد — تحرّك شهري بمقدار 246 دولاراً

لاحظ ما حدث: ارتفاع النفط بسبب التوتر الجيوسياسي دفع الغازويل للأعلى، فانهار الـ POGO. وفي مارس 2026 قفزت أسعار زيت النخيل 3.7% في جلسة واحدة — ليس بسبب أي خبر عن الإنتاج أو الطقس أو الطلب الغذائي، بل لأن الوقود صار أغلى منه.

وهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب أن يستوعبها كل عامل في قطاع الزيوت: سعر زيت الطعام لم يعد يُحدَّد في الحقل وحده، بل في حقول النفط أيضاً.

المؤشر التوأم: BOPO Spread — وآلية العدوى

يظن كثيرون أن ما سبق يخص زيت النخيل وحده. وهذا خطأ فادح. فهناك مؤشر ثانٍ ينقل الصدمة إلى بقية الزيوت، اسمه BOPO Spread — اختصار Bean Oil – Palm Oil، أي الفارق بين سعر زيت فول الصويا (بورصة شيكاغو) وسعر زيت النخيل (بورصة ماليزيا).

القاعدة التاريخية: زيت النخيل يُتداول عادةً بخصم عن زيت الصويا — أي أن BOPO موجب. وهذا الخصم هو ميزته التنافسية التي تجعل المصنّعين والمستوردين يفضّلونه.

آلية العدوى في ثلاث خطوات

  1. برامج المزج ترفع سعر النخيل (عبر POGO)
  2. خصم النخيل يتآكل — يضيق الـ BOPO، فيفقد النخيل جاذبيته السعرية
  3. المشترون يهربون إلى البديل — الصويا وعباد الشمس والكانولا. فيرتفع الطلب عليها، فترتفع أسعارها هي الأخرى

النتيجة: لا يوجد ملاذ آمن. صدمة في زيت واحد تنتقل إلى المنظومة كلها خلال أسابيع، لأن الزيوت بدائل غذائية لبعضها.

ما الذي يحدث الآن؟

التوقيت BOPO (دولار/طن)
نهاية فبراير 2026 +311
نهاية مارس 2026 +325
نهاية أبريل 2026 +529
نهاية مايو 2026 +566

الفجوة اتسعت بأكثر من 80% في ثلاثة أشهر. والسبب مزدوج ومهم جداً أن نفهمه:

  • زيت الصويا يُدفع للأعلى بواسطة السياسات الأمريكية (معيار الوقود المتجدد وحوافز 45Z) — وقد بلغ في مارس 2026 أعلى مستوى له منذ يوليو 2023
  • زيت النخيل يُدفع للأعلى بواسطة السياسات الآسيوية (B50 و B15)

بعبارة أخرى: هناك محركان منفصلان يرفعان الزيوت من طرفين مختلفين من الكوكب، وكلاهما محرك تشريعي لا سوقي.

وما يعنيه الـ BOPO الواسع الحالي للمستورد العربي أمر بالغ الأهمية: النخيل رخيص نسبياً مقابل الصويا. وهذا يعني أن ضغطاً شرائياً هائلاً — غذائياً وطاقوياً معاً — سيتجه نحو النخيل. ومن يشتري صويا اليوم يدفع علاوة قدرها 566 دولاراً للطن.

ثانياً: لماذا تُهدِّد برامج المزج الإلزامية أسعار الزيوت؟

ما هو برنامج المزج الإلزامى أصلاً؟

قبل الحديث عن أثرها، لنتفق على تعريفها. برنامج المزج الإلزامي (Blending Mandate) هو قانون تفرض بموجبه الدولة على شركات الوقود أن تخلط نسبة معينة من الوقود الحيوي في كل لتر ديزل (أو بنزين) يُباع في السوق.

والمقصود بالنسبة بحرف ورقم: B للبيوديزل وE للإيثانول، يليه رقم يمثل النسبة المئوية. فـ B20 يعني 20% بيوديزل و80% ديزل أحفوري، وB50 يعني مناصفة، وB100 يعني وقوداً حيوياً خالصاً.

والفكرة في جوهرها بسيطة وجذابة سياسياً: بدلاً من استيراد الديزل بالعملة الصعبة، تستبدل جزءاً منه بزيت منتَج محلياً — فتدعم المزارع، وتقلّل فاتورة الطاقة، وتخفض الانبعاثات، كل ذلك بجرّة قلم تشريعية. لكن هذه البساطة الظاهرية تُخفي أثراً عميقاً على أسواق الزيوت.

فالآلية أبسط مما تبدو، وأخطر مما تبدو. وتقوم على ثلاث ركائز:

1. خلق أرضية سعرية (Price Floor)

حين تُلزِم الدولة شركات الوقود بخلط نسبة معينة من البيوديزل، فهي تخلق طلباً لا يستجيب للسعر. القانون يقول «اخلط 50%»، ولا يقول «اخلط 50% إذا كان السعر مناسباً».

النتيجة: عندما يبدأ سعر الزيت في الانخفاض، يصبح تحويله لوقود مجدياً اقتصادياً، فيمتص قطاع الطاقة الفائض ويمنع السعر من الهبوط. البرامج الإلزامية لم تتسبب في غلاء الزيوت — لكنها تمنعها من الرخص.

2. الحجم بلغ نقطة اللاعودة

لم تعد هذه ظاهرة هامشية. وفق تقديرات Oil World للموسم 2025/26:

59.3 مليون طن من الزيوت والدهون (باستثناء الزيوت المستعملة) تتجه إلى إنتاج الوقود الحيوي — أي 22% من الإنتاج العالمي، وهو مستوى قياسي.

ومع إنتاج عالمي متوقع للزيوت النباتية عند 244 مليون طن في 2026/27، فإن هذا يعني أن قرابة واحد من كل خمسة أطنان زيت في العالم لا يُؤكل — بل يُحرق.

3. الطلب الغذائي غير مرن أيضاً

هنا تكمن القسوة الحقيقية. الناس تأكل بغض النظر عن السعر، والقانون يفرض الخلط بغض النظر عن السعر. عندما يتنافس طلبان غير مرنين على عرض محدود، لا توجد آلية تصحيح — يوجد فقط ارتفاع في السعر إلى أن ينسحب الطرف الأضعف.

والطرف الأضعف دائماً هو المستهلك في الأسواق الحسّاسة للسعر — أي الدول النامية والمستوردة، ومنها معظم الدول العربية.

ثالثاً: خريطة برامج المزج — من بدأ ومتى؟

البداية: الاتحاد الأوروبي (2003)

الإطار التشريعي الأول كان أوروبياً: التوجيه 2003/30/EC، الذي وضع أهدافاً إرشادية (غير مُلزِمة) للوقود الحيوي بنسبة 2% بنهاية 2005 و5.75% بنهاية 2010. كان هذا هو الشرارة التي أشعلت السوق العالمي.

لكن الأوروبيين تركوا الأهداف طوعية في البداية، ولم تصبح إلزامية إلا مع توجيه الطاقة المتجددة (RED) عام 2009، الذي فرض أن تأتي 10% من طاقة النقل البري من مصادر متجددة بحلول 2020. ثم جاء RED II (2018) و RED III ليضيفا معايير استدامة صارمة.

المفارقة الأوروبية: الاتحاد الذي أطلق السباق، هو نفسه الذي يعمل الآن على الاستبعاد التدريجي لزيت النخيل من قائمة المواد الأولية المعتمدة بسبب قضايا إزالة الغابات — بعد أن يكون قد ساهم في بناء صناعة كاملة عليه.

أول برنامج إلزامي فعلي: البرازيل (2005 – 2008)

رغم أسبقية أوروبا تشريعياً، فإن أول تفويض وطني إلزامي وحقيقي للبيوديزل كان برازيلياً:

  • 2004: إطلاق البرنامج الوطني لإنتاج واستخدام البيوديزل (PNPB)
  • 2005: القانون رقم 11.097 يفرض نسبة دنيا إلزامية
  • يناير 2008: بدء تطبيق B2 إلزامياً
  • يناير 2010: الوصول لـ B5 — قبل الموعد القانوني بثلاث سنوات
  • 2023–2024: B12 ثم B14
  • أكتوبر 2024: قانون «وقود المستقبل» يرفع النسبة 1% سنوياً حتى B20 بحلول 2030
  • 2027: بدء تفويض وقود الطيران المستدام (ProBioQAV)

الأثر على السوق: السعة الإنتاجية البرازيلية تبلغ 14.6 مليون متر مكعب، ويشكّل زيت فول الصويا نحو 70% من المواد الأولية. وهذا يفسّر جزءاً كبيراً من متانة أسعار زيت الصويا عالمياً.

إندونيسيا: البرنامج الأكثر عدوانية في العالم (B50)

لا يوجد بلد ذهب بعيداً كما ذهبت إندونيسيا. التسلسل الزمني:

السنة النسبة ملاحظة
2020 B30 أعلى نسبة في العالم آنذاك
2023 B35
يناير 2025 B40 حصة 15.6 مليون كيلولتر
يناير 2026 تأجيل B50 لأسباب مالية وتقنية. أسعار النخيل انخفضت فوراً
أبريل 2026 الرئيس برابوو يعيد إحياء القرار بعد التصعيد في الشرق الأوسط
1 يوليو 2026 B50 التطبيق الفعلي
2028 B50 شامل مرسوم وزاري يُلزم جميع مستخدمي الديزل

لماذا تفعل إندونيسيا ذلك رغم أن البيوديزل أغلى؟ ثلاثة أسباب لا علاقة لأي منها بالربح المباشر:

  1. هي صانع سعر، لا بائع عادي. إندونيسيا تنتج نحو 47.5 مليون طن من زيت النخيل — أي نحو 60% من السوق العالمي. لو ضخّت كل إنتاجها للتصدير لكسرت السعر بيدها. البيوديزل هو صمام امتصاص يمنع الانهيار — تماماً كما تفعل أوبك بخفض الإنتاج.
  2. النظام يموّل نفسه. الفارق السعري لا يُدفع من الخزانة العامة، بل من صندوق BPDPKS الممول من رسوم تصدير زيت النخيل — التي رُفعت إلى 12.5% في مارس 2026، ليصل إجمالي الضريبة والرسم إلى 241 دولاراً للطن. نظام دائري: المصدّرون يموّلون الدعم، والدعم يرفع السعر، والسعر يفيد المصدّرين.
  3. الأمن القومي. إندونيسيا مستوردة صافية للنفط. الزيت موجود داخل حدودها، والديزل يأتي عبر سفن يمكن إيقافها.

ماليزيا: الصعود الحذر إلى B15

البرنامج الماليزي أهدأ لكنه ثابت:

السنة النسبة
2011 B5
2014 B7
2019–2020 B10 (النقل) و B20 (مناطق محددة)
1 يونيو 2026 B15
2030 (مستهدف) B30 وفق خارطة طريق تحوّل الطاقة الوطنية (NETR)

ملاحظات مهمة:

  • ساراواك ولابوان ولنكاوي تعمل بالفعل بـ B20
  • القطاع الصناعي لا يزال على B7
  • الإنتاج الفعلي للبيوديزل الماليزي نحو 975 ألف طن فقط، مقابل سعة إنتاجية تبلغ 2.36 – 2.65 مليون طن — أي أن هناك طاقة عاطلة ضخمة قابلة للتشغيل فوراً
  • الحكومة تتحدث علناً عن مسار محتمل نحو B50 خلال سنتين إلى ثلاث

برامج أخرى في الصورة

  • الولايات المتحدة: معيار الوقود المتجدد (RFS) منذ 2005، وقانون EISA 2007 أضاف تفويضاً للبيوديزل. الحوافز الضريبية (45Z) هي المحرك الأساسي وليس الإلزام. التقديرات تشير إلى امتصاص نحو مليون طن إضافي من زيت الصويا في النصف الثاني من 2026.
  • تايلاند: برنامج B7/B10، وقد قيّدت صادرات زيت النخيل مؤخراً بسبب ارتفاع الطلب المحلي للبيوديزل — سابقة خطيرة.
  • الهند: برنامج إيثانول طموح (E20)، وتفويض وقود طيران مستدام بنسبة 1% بحلول 2027 و5% بحلول 2030.
  • كولومبيا والأرجنتين: برامج مزج راسخة تعتمد على زيت النخيل وزيت الصويا على الترتيب.

رابعاً: تنبيه منهجي — لماذا تُقلِّل الأرقام الرسمية من حجم المشكلة؟

قبل استعراض الكميات، لا بد من فهم مغالطة إحصائية خطيرة يقع فيها معظم المحللين. حين نقرأ «أنتجت الدولة س مليون طن من البيوديزل»، نفترض تلقائياً أنها استهلكت س مليون طن من الزيت. وهذا غير صحيح — لأن هناك مسارين تقنيين مختلفين تماماً، ولكلٍّ منهما شهية مختلفة للزيت.

المساران

المعايير FAME (البيوديزل التقليدي) HVO (الديزل المتجدد)
التفاعل أسترة تبادلية بالميثانول معالجة هيدروجينية
الناتج إسترات ميثيلية (تحتوي على أكسجين) هيدروكربونات نقية (خالية من الأكسجين)
سقف المزج مقيَّد — B7 في المواصفة الأوروبية لا يوجد سقف — يمكن استخدامه بنسبة 100%
منتج ثانوي جليسرين بروبان + ماء
الاستهلاك من الزيت ~1.05 طن زيت لكل طن وقود ~1.2 طن زيت لكل طن وقود

المفتاح: الأكسجين المفقود

في مسار FAME، يبقى الأكسجين داخل جزيء الوقود (لأنه إستر). أما في HVO، فالهيدروجين ينزع الأكسجين من الجزيء ويطرده على هيئة ماء وثاني أكسيد كربون.

والأكسجين له وزن. ونزعه يعني فقدان كتلة. النتيجة المباشرة: كل لتر من HVO يلتهم كمية أكبر من الزيت النباتي مقارنةً بلتر من FAME.

لماذا يهم هذا الآن تحديداً؟

لأن الـ HVO هو المسار الذي ينمو، وليس FAME. والأسباب هيكلية:

  1. سقف المزج (Blend Wall). المواصفة الأوروبية للديزل تسمح بـ B7 من FAME كحد أقصى. أي نمو إضافي في أوروبا لا بد أن يأتي من HVO الذي لا سقف له.
  2. وقود الطيران. مسار HEFA — الذي يُنتج أكثر من 80% من وقود الطيران المستدام عالمياً — هو نفس عائلة HVO تقنياً. كل توسّع في تفويضات الطيران هو توسّع في الطلب على الزيت بمعامل HVO الأعلى.
  3. الجودة. HVO يعمل في البرد القارس، وثباته الأكسدي ممتاز، ويُصنَّف «وقوداً بديلاً كاملاً» (Drop-in) لا يحتاج أي تعديل في المحركات.

الخلاصة العملية

يقدّر Oil World الإنتاج العالمي المشترك من البيوديزل و HVO بنحو 69.5 مليون طن في 2026، بزيادة 6.7 مليون طن عن العام السابق.

لكن الرقم الذي يجب أن تراقبه ليس حجم الوقود — بل تركيبته. فكلما مال المزيج نحو HVO، ارتفع استهلاك الزيت دون أن يظهر ذلك في عناوين إحصاءات «البيوديزل».

بعبارة أخرى: الطلب الحقيقي على الزيوت أعلى مما تُوحي به الأرقام المعلنة، والفجوة تتسع كل عام.

خامساً: كم من الزيت خرج فعلياً من سوق الغذاء؟

هذا هو السؤال الذي يهم كل تاجر ومصنّع ومستورد. والأرقام صادمة:

البرنامج الامتصاص السنوي التقريبي المادة الأولية الرئيسية
إندونيسيا (B40 قائم) ~13.8 مليون طن بيوديزل (حصة 15.65 million كيلولتر) زيت النخيل
إندونيسيا (الإضافة من B50) +3 إلى 3.5 مليون طن زيت النخيل
ماليزيا (B15) +200 إلى 300 ألف طن (تقدير MPOC) زيت النخيل
البرازيل (B15) ~7 – 8 ملايين متر مكعب فعلي زيت الصويا (~70%)
الولايات المتحدة +~1 مليون طن (النصف الثاني 2026) زيت الصويا / UCO / دهون
الاتحاد الأوروبي ~7 ملايين طن زيوت مستعملة وحدها (2023) UCO / كانولا / دهون
الإجمالي العالمي 59.3 مليون طن يمثل 22% من الإنتاج العالمي للزيوت والدهون

سادساً: تجربة فيلدا (FELDA) في B100 — وقود بلا نفط إطلاقاً

هنا تدخل القصة منعطفاً قد يعيد رسم الصناعة بأكملها.

فيلدا (Federal Land Development Authority) — الهيئة الماليزية الحكومية العملاقة التي تدير مستوطنات زراعية لمئات الآلاف من صغار المزارعين — بدأت بالتعاون مع ذراعها التجارية FGV Holdings في اختبار B100: وقود بيوديزل مكوّن من 100% زيت نخيل، بلا أي مكوّن أحفوري.

مسار التجربة

  • 2024: تجربة لمدة أربعة أشهر على شاحنات صهاريج — نجحت دون مشاكل جوهرية
  • 2025: تجربة على سيارات ركاب لمدة 15 شهراً، قطعت أكثر من 50,000 كيلومتر — النتيجة: لا مشاكل كبرى
  • يوليو 2026: FGV توسّع التجربة إلى العمليات الزراعية في مركز تون عبد الرزاق للأبحاث بجرانتوت — نحو 17 أصلاً تشمل جرارات وآلات زراعية ومولدات كهرباء ومركبات دفع رباعي

الرقم الذي يغيّر كل شيء

وفق تصريحات رئيس فيلدا، داتوك سري أحمد شابري تشيك، في أبريل 2026، بلغ سعر B100 عند باب المصنع نحو 4.40 – 4.50 رينجيت للتر —مقارنةً بالأسعار السائدة آنذاك:

  • الديزل الصناعي: نحو 7.00 رينجيت/لتر
  • خليط B10 التجاري: نحو 6.02 رينجيت/لتر

اقرأ الرقم مرة أخرى. عند تلك الأسعار، كان البيوديزل النقي أرخص من الديزل الأحفوري بنحو 35%.

ملاحظة منهجية مهمة: هذه المقارنة تعكس لحظة زمنية بعينها — ذروة ارتفاع أسعار النفط عقب التصعيد الجيوسياسي في الربع الثاني من 2026. وهي مرهونة ببقاء سعرَي النفط وزيت النخيل عند مستوييهما آنذاك؛ فأي انخفاض في النفط أو ارتفاع في زيت النخيل قد يقلب المعادلة مجدداً. ومع ذلك، تبقى دلالتها قائمة: لأول مرة يقترب البيوديزل النقي من التعادل مع الديزل الأحفوري — بل يتفوّق عليه — دون أي دعم.

وهذا في حد ذاته تحوّل لافت. طوال عقدين، كانت الحجة الأولى ضد البيوديزل هي التكلفة. أما اليوم — ومع تقلبات أسعار الطاقة — فقد أصبح السيناريو الذي يكون فيه البيوديزل منافساً بذاته، دون دعم، سيناريو وارداً بدلاً من كونه مستحيلاً. لم يعد يحتاج بالضرورة إلى دعم ليكون منطقياً؛ قد يحتاج فقط إلى بنية تحتية.

ماذا يعني هذا للمستقبل؟

هنا تكمن الخطورة الحقيقية بالنسبة لأسواق الزيوت الغذائية. تأمّل التسلسل المنطقي:

  1. إذا ثبتت جدوى B100 اقتصادياً وفنياً، فلن يعود الحديث عن «نسب مزج» تُقاس بالعشرات — بل عن استبدال كامل لوقود الديزل في قطاعات محددة
  2. فيلدا صرّحت بأن التطبيق سيبدأ داخل منظومتها الخاصة — أي في أسطولها الزراعي ومصانعها. وهذا نموذج الدائرة المغلقة: مزرعة النخيل تُشغّل نفسها بزيتها
  3. هذا نموذج قابل للنسخ فوراً في كل مزرعة نخيل في العالم — إندونيسيا، تايلاند، نيجيريا، كولومبيا
  4. والنتيجة: طبقة طلب جديدة تماماً لا تظهر في أي إحصاء رسمي للبيوديزل، لأنها استهلاك ذاتي داخلي

لكن حتى فيلدا نفسها تعترف بالقيد الحقيقي: قال رئيسها صراحة إن «إمدادات زيت النخيل الخام قد لا تكفي لطرح B100 على نطاق واسع فوراً».

وهذه الجملة تختصر الأزمة كلها: ليست المشكلة في التقنية أو السعر — المشكلة أن الأرض محدودة، والزيت محدود، والمعدة والخزّان يتنافسان على المصدر نفسه.

سابعاً: الزيوت المستعملة (UCO) — الحل الذي تحوّل إلى أزمة

حين اشتدت انتقادات «الغذاء مقابل الوقود»، وجدت السياسات الغربية مخرجاً بدا مثالياً: لا تستخدم زيتاً بكراً — استخدم المخلفات. زيت القلي المستعمل (UCO)، الدهون الحيوانية، مخلفات المعاصر.

وكوفئت هذه المواد بحوافز مضاعفة: في أوروبا، الوقود المنتج من المخلفات يحصل على احتساب مزدوج (Double Counting) — الطن يُحسب بطنين للامتثال، مما يمنحه علاوة قيمة تتراوح بين 400 و 600 دولار للطن فوق نظيره المنتج من زيوت بكر.

وهنا انفجرت المشكلة

الحوافز الضخمة خلقت طلباً يستحيل تلبّيته:

  • أوروبا استهلكت نحو 7 ملايين طن من الزيوت المستعملة للوقود الحيوي في 2023 — أي ثمانية أضعاف ما تجمعه فعلياً
  • 80% من الزيت المستعمل الذي تستخدمه أوروبا مستورد، و60% من هذه الواردات من الصين
  • أكثر من 80% من وقود الطيران المستدام (SAF) المُنتَج حالياً يعتمد على الزيوت المستعملة
  • النقل البري وحده يستهلك 60 – 70% من الزيوت المستعملة عالمياً

السقف الرياضي القاسي

وفق تقديرات اتحاد UFOP الألماني، فإن ما يمكن جمعه من الزيوت المستعملة لا يتجاوز 5% إلى 10% من الإنتاج العالمي للزيوت النباتية — أي 12 إلى 24 مليون طن فقط على مستوى العالم.

قارن هذا الرقم بالطلب: 59.3 مليون طن تحتاجها صناعة الوقود الحيوي. الزيوت المستعملة لا تغطي حتى نصف الاحتياج. والفارق يأتي حتماً من الزيوت البكر — أي من طعامنا.

الغش: الباب الخلفي لزيت النخيل

وحين يتجاوز الطلب العرض بثمانية أضعاف، يظهر الغش حتماً. والمؤشرات مروّعة:

  • ماليزيا تصدّر ثلاثة أضعاف ما تجمعه من الزيوت المستعملة — رقم لا تفسير له سوى أن زيت النخيل البكر يُصنَّف كزيت مستعمل
  • التقديرات تشير إلى معدل سوء تصنيف يتراوح بين 20% و30% في تجارة الزيوت المستعملة عالمياً
  • محكمة المراجعين الأوروبية أقرّت بأن أنظمة الشهادات الطوعية لا تضمن أن الزيت المستورد «مستعمل» فعلاً
  • ألمانيا وإيرلندا فتحتا تحقيقات رسمية، والمفوضية الأوروبية أطلقت تحقيق إغراق ضد البيوديزل الصيني

الخلاصة الساخرة: السياسة التي وُضعت لحماية الغابات من زيت النخيل، تحوّلت إلى باب خلفي يستورد زيت النخيل نفسه بعلاوة سعرية.

الأسعار

النتيجة الحتمية: الزيت المستعمل — الذي كان مخلَّفاً تدفع للتخلص منه — أصبح سلعة استراتيجية:

  • UCO CIF أمستردام–روتردام–أنتويرب: 1,045 – 1,200 دولار/طن (الربع الأول 2026)
  • هذا يعادل ضعفين إلى خمسة أضعاف سعر وقود الطائرات الأحفوري
  • تكلفة المادة الأولية تمثل 70 – 80% من تكلفة إنتاج وقود الطيران المستدام

وفي ديسمبر 2024، ألغت الصين حافز الضريبة على تصدير الزيوت المستعملة، موجّهةً كمياتها لصناعتها المحلية — مما ترك المصافي الأوروبية في مأزق بلا بديل قصير الأجل.

ثامناً: ماذا يعني كل هذا للسوق العربي؟

معظم الدول العربية مستوردة صافية للزيوت النباتية. وهذا يضعها في الطرف الخاسر من المعادلة بأكملها:

  1. ارتفاع فاتورة الاستيراد: كل قرار مزج جديد في جاكرتا أو كوالالمبور أو برازيليا يرفع السعر الذي تدفعه القاهرة والجزائر والرباط.
  2. ربط جديد بأسعار النفط: الدول العربية المستوردة للنفط تواجه الآن ضربة مزدوجة: ارتفاع النفط يرفع فاتورة الطاقة وفاتورة الزيوت معاً.
  3. تقلّص الفوائض التصديرية: Oil World يتوقع انخفاض صادرات ثمانية زيوت نباتية بمقدار 1.5 مليون طن في الفترة أبريل/سبتمبر 2026 — لأن الدول المنتجة تحتفظ بزيتها لبرامجها.
  4. فرصة مهدرة: الزيوت المستعملة: المنطقة العربية تنتج كميات ضخمة من زيت القلي المستعمل تُهدر أو تُصرَّف في المجاري. وهو اليوم سلعة تُباع بأكثر من 1,000 دولار للطن في أوروبا. بناء منظومات جمع وتصدير معتمدة (ISCC) هو فرصة تصديرية حقيقية غير مستغلّة.

تاسعاً: كيف تقرأ السوق من الآن فصاعداً؟

إذا كنت تعمل في الزيوت — تاجراً أو مصنّعاً أو مشترياً — فهذه هي المؤشرات التي يجب أن تراقبها أسبوعياً:

المؤشر ماذا يخبرك
POGO Spread الأهم على الإطلاق. سالب = ضغط شرائي هائل قادم على النخيل
خام برنت المتغيّر المُضاعِف — يتحكم في الـ POGO من طرف الوقود
BOPO Spread مقياس العدوى — اتساعه يعني ضغطاً شرائياً قادماً على النخيل؛ ضيقه يعني انتقال الصدمة إلى الصويا
نسبة HVO إلى FAME كلما مال المزيج نحو HVO، ارتفع استهلاك الزيت الفعلي دون أن تتغيّر أرقام «البيوديزل» المعلنة
رسوم التصدير الإندونيسية ارتفاعها = حبس المزيد من الزيت داخلياً = تشديد العرض التصديري
مخزونات ماليزيا الشهرية (هيئة زيت النخيل الماليزي) مؤشر العرض المباشر
أسعار شهادات RIN الأمريكية مؤشر مبكر على استدامة التفويضات مالياً
سعر UCO في روتردام مقياس حرارة الطلب على المخلفات — وسقف تكلفة SAF

الخلاصة

لعقود، كان تحليل سوق الزيوت يقوم على ثلاثة أعمدة: الطقس، والإنتاج، والطلب الغذائي (خاصة من الهند والصين).

اليوم أُضيف عمود رابع — وهو الأقوى: السياسة الطاقوية.

قرار وزير طاقة في جاكرتا صار أكثر تأثيراً على سعر زيت القلي في القاهرة من موسم أمطار كامل في السودان. والـ POGO Spread هو المؤشر الذي يترجم لك هذا التأثير إلى رقم.

وكما لخّصها أحد المحللين الماليزيين ببلاغة:

«الطبق والخزّان لا يتعشّيان معاً بسلام دائماً.»

مقالات آخرى للكاتب

النشرة البريدية

تواصل معانا وتابعنا على منصات التواصل الإجتماعي

Tiktok logolinkedin logoinstagram logofacebook logoyoutube logoX logoEmail icon
.Copyright Zyotwdhon. All Rights Reserved ©