
أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء
"المتطلبات التكنولوجية للمنتج الغذائي ليست رفاهية"
قبل أن تلمس قطعة الشوكولاتة لسانك، تكون قد مرّت باختبار صامت لا يراه أحد: هل ستلمع؟ هل ستنكسر برشاقة؟ هل ستذوب في الفم دون ملمس شمعي؟ وقبل أن يصل الكرواسان إلى يدك، يكون قد خاض معركة دقيقة بين العجين والدهن والبخار والحرارة؛ معركة لا ينتصر فيها الطعم وحده، بل ينتصر العلم.
ليست قطعة الشوكولاتة اللامعة مجرد خليط من كاكاو وسكر، ولا الكرواسان الذهبي مجرد عجين مرّ على فرن ساخن، ولا البسكويت الهش مصادفة خرجت من وصفة ناجحة. وراء هذه المتعة اليومية علم دقيق يعمل في صمت؛ علم كيمياء الزيوت والدهون، وهندسة القوام، وسلامة التصنيع.
فحين تنكسر الشوكولاتة بصوت نظيف، وتذوب في الفم دون ملمس شمعي، وحين تتفتح طبقات الكرواسان كأوراق رقيقة متتابعة، وحين يقرمش البسكويت دون أن يترك أثرًا دهنيًا مزعجًا، يكون السؤال الحقيقي: ما الذي صنع هذه التجربة الحسية؟
الإجابة المختصرة: الدهون.
لكنها ليست أي دهون، وليست مجرد مصدر للطاقة أو السعرات، بل مكوّن بنائي وتكنولوجي يحدد الشكل، والملمس، والثبات، واللمعان، والهشاشة، والإحساس النهائي بالمنتج.
ومن هنا يبدو السؤال الذي قد يدهش المستهلك: لماذا لا تعتمد صناعة الحلويات والمخبوزات دائمًا على الزيوت السائلة، رغم صورتها الصحية الأفضل في الوعي العام؟ ولماذا تلجأ بعض الصناعات إلى دهون أكثر صلابة أو أعلى في التشبع، مثل زبدة الكاكاو، وزيت النخيل، وأوليين النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت نوى النخيل، وبعض الدهون اللبنية أو الحيوانية أو بدائلها الصناعية المنضبطة؟
الإجابة ليست دفاعًا عن الإفراط في الدهون المشبعة، ولا دعوة إلى استهلاكها بلا ضابط، لكنها توضيح لحقيقة علمية مهمة: ليست كل الدهون تؤدي الوظيفة نفسها داخل الغذاء. فالزيت السائل قد يكون مناسبًا للسلطة أو بعض أنواع الطهي، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يصنع طبقات الكرواسان، أو يمنح الشوكولاتة لمعانها وقوامها، أو يعطي البسكويت هشاشته، أو يصمد طويلًا في ظروف القلي العميق.
في مصانع الأغذية، لا تُختار الزيوت والدهون على أساس الاسم التجاري أو السعر فقط، بل وفق مواصفات طبيعية وكيميائية وحسية متداخلة. فمن الناحية الطبيعية، تُدرس نقطة الانصهار، ونسبة الدهن الصلب عند درجات حرارة مختلفة، وسلوك التبلور، واللدونة، والقوام، والقدرة على تكوين طبقات، أو حبس الهواء، أو مقاومة الانفصال.
ومن الناحية الكيميائية، تُفحص الحموضة أو الأحماض الدهنية الحرة، ورقم البيروكسيد كمؤشر أولي للأكسدة، وقيمة الأنيسيدين عند الحاجة لتقدير نواتج الأكسدة الثانوية، إضافة إلى متابعة الملوثات أو المركبات غير المرغوبة التي قد تتكون أثناء التكرير أو التخزين السيئ أو الاستخدام الحراري المتكرر.
أما من الناحية الحسية، فالمستهلك لا يقرأ معادلات التبلور، لكنه يشعر بنتيجتها فورًا: شوكولاتة تذوب برقة، بسكويت يقرمش دون دهنية زائدة، كرواسان خفيف الطبقات، وحشوة لا تنفصل زيوتها على السطح. لذلك يمكن القول إن الدهون في صناعة الحلويات والمخبوزات ليست مجرد خامة غذائية، بل أداة هندسية تصنع هوية المنتج، وتحدد صورته النهائية في عين المستهلك وفمه وذاكرته.
ومن المهم هنا التنويه إلى أن بعض الدهون الحيوانية، مثل الزبدة والسمن البلدي والشحوم الغذائية المنضبطة، وبعض الزيوت أو الدهون النباتية الاستوائية، مثل زيت النخيل، وزيت نوى النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت الكاكاو، تمتاز بارتفاع نسبي في درجة الانصهار، أو بوجود نسبة معتبرة من الدهن الصلب عند درجة حرارة الغرفة. وهذه الخاصية تجعلها ذات أهمية تكنولوجية خاصة في صناعات الحلويات والمخبوزات والحشوات والكريمات والتغطيات ومنتجات التوريق والقلي.
وفي كثير من التطبيقات الغذائية، لا يُستخدم نوع واحد من الدهون منفردًا، بل تُصمم توليفات أو خلطات محسوبة بين الدهون الحيوانية وبعض الدهون أو الزيوت الاستوائية، أو بين أجزاء مختلفة من الزيوت النباتية بعد التجزئة، بهدف الوصول إلى خواص محددة لا يحققها كل مكوّن وحده. فالمزج قد يساعد على ضبط نقطة الانصهار، وتحسين اللدونة، وتعديل القوام، ورفع الثبات التأكسدي، وتقليل الانفصال الزيتي، وتحسين الإحساس بالفم، والحفاظ على النكهة المرغوبة.
وهنا يصبح الشرط الحاسم هو الشفافية: جودة الخامات، وخلو المنتج من الدهون المتحولة الصناعية، ووضوح بطاقة البيانات، وعدم تقديم الخلطة للمستهلك على أنها مكوّن آخر مختلف عن حقيقتها.
زبدة الكاكاو مثال واضح على أن الدهن ليس مادة خاملة. فهي نظام بلوري شديد الحساسية، يستطيع أن يتبلور في أكثر من صورة، ولكل صورة أثر مختلف في اللمعان والقوام والثبات. الشكل البلوري المرغوب في الشوكولاتة الجيدة هو غالبًا الصورة الخامسة المعروفة باسم Form V أو βV. هذه الصورة تمنح الشوكولاتة لمعانها، وكسرها النظيف، وثباتها النسبي في درجة حرارة الغرفة، مع ذوبان لطيف عند حرارة الفم.
أما إذا لم تُضبط عملية التمبير، أو تعرّض المنتج لتغيرات غير مناسبة في الحرارة أثناء التخزين والنقل، فقد تتحول البنية البلورية إلى صور أقل انتظامًا، فتظهر طبقة باهتة أو بيضاء على السطح تُعرف باسم التبقع الدهني أو Fat Bloom. وهذا التبقع لا يعني بالضرورة أن الشوكولاتة فاسدة، لكنه يعني أن نظامها الدهني فقد انتظامه.
في الكرواسان والعجائن المنتفخة، لا يكفي أن تكون الدهون صالحة للأكل، بل يجب أن تكون ذات لدونة محددة. فدهون التوريق أو الفرد يجب أن تكون متماسكة بما يكفي لتفصل طبقات العجين، ومرنة بما يكفي حتى لا تتكسر أثناء الفرد. عند الخبز، يتحول الماء إلى بخار، وترتفع الطبقات، بينما تعمل الدهون كفواصل رقيقة تساعد على تكوين البنية الورقية الهشة التي تميز الكرواسان والباتيه والفطائر المنتفخة.
وإذا أردنا مثالًا قريبًا من الذاكرة المصرية، فالفطير البلدي المشلتت يقدم درسًا عمليًا رائعًا في دور الدهون داخل المخبوزات. فهذا المنتج الشعبي العريق لا يكتسب قيمته من الدقيق وحده، ولا من مهارة الفرد فقط، بل من طبيعة الدهن المستخدم بين طبقات العجين. فالزبدة البقرية أو الجاموسية، وكذلك السمن البلدي، تمنح الفطير نكهته المميزة، ورائحته الغنية، وإحساسه الفاخر في الفم.
في البسكويت، تؤثر الدهون في القرمشة، والانتشار أثناء الخبز، والإحساس بالفم، وفترة الصلاحية. وفي الكريمات والحشوات، تحتاج الصناعة إلى دهون تضبط القوام، وتمنع انفصال الزيت، وتساعد على الثبات أثناء التخزين والنقل. كثير من الحشوات تحتاج إلى ما يمكن وصفه بـ”القوام الذكي”: لا تكون صلبة مزعجة، ولا سائلة منفصلة، ولا شمعية في الفم.
في القلي العميق، تتغير قواعد الاختيار. لم تعد القضية الأساسية هي التبلور أو تكوين الطبقات، بل الثبات الحراري والتأكسدي تحت ظروف قاسية: حرارة مرتفعة، أكسجين، رطوبة خارجة من الغذاء، بقايا دقيقة، وتكرار الاستخدام. ويمكن هنا أن نفهم سبب استخدام أوليين النخيل في كثير من تطبيقات القلي التجاري؛ نظراً لتوازنه الجيد في مقاومة الأكسدة والتدهور الحراري.
من الأخطاء الشائعة الحكم على زيت القلي أثناء الاستخدام برقم البيروكسيد وحده. لذلك يجب النظر إلى مؤشرات أكثر شمولًا، مثل المركبات القطبية الكلية، والبوليمرات، والحموضة، ونواتج الأكسدة الثانوية، إضافة إلى العلامات الحسية الواضحة مثل تغير الرائحة، واسمرار اللون، وزيادة الرغوة، وظهور الدخان.
حين نتحدث عن الزيوت والدهون المكررة، يجب ألا نقف عند الوظيفة التكنولوجية فقط. فسلامة الغذاء تفرض متابعة الملوثات المحتملة التي قد تنشأ أثناء التكرير عند درجات حرارة مرتفعة، ومنها إسترات 3-MCPD وإسترات الجليسيديل GE. الصناعة المسؤولة لا تبحث فقط عن دهن يعطي قوامًا جميلًا، بل عن خامة تحقق الوظيفة المطلوبة بأعلى درجة ممكنة من الأمان والجودة.
الخطأ الشائع هو تحويل الموضوع إلى معركة مبسطة: دهون مشبعة سيئة دائمًا، وزيوت سائلة جيدة دائمًا. الحقيقة العلمية أكثر دقة؛ فالمسألة ليست في وجود هذه الدهون من عدمه، بل في نوعها، وكميتها، وطريقة استخدامها، ومدى خلوها من الدهون المتحولة الصناعية، وجودة تصنيعها، ووضوح بياناتها للمستهلك.
المستهلك يريد منتجًا جميل الشكل، ثابت القوام، ممتع المذاق، آمنًا، واضح البطاقة، ومناسب السعر. والمصنع يريد منتجًا يتحمل التصنيع والنقل والتخزين. وبين الطرفين يقف العلم ليضع المعادلة الصعبة: كيف نحقق القوام واللمعان والهشاشة والثبات دون التضحية بالسلامة أو الشفافية؟
سر النجاح في الحلويات والمخبوزات لا يكمن في السكر وحده، ولا في الدقيق وحده، ولا في النكهة وحدها. إنه يكمن في فهم البنية الكاملة للغذاء، وفي اختيار الدهن المناسب للوظيفة المناسبة. إن المتطلبات التكنولوجية في المنتجات الغذائية ليست ترفًا صناعيًا، بل هي الشروط التي تجعل المنتج قابلًا للتصنيع، ثابتًا أثناء التخزين، مناسبًا للنقل، ومقبولًا حسيًا.
وكما يثبت الرامي المحترف عينه على الهدف قبل أن يطلق سهمه، يجب أن نوجه النقاش بدقة: لا نخلط بين ما يحتاجه المنتج لينجح في المصنع، وما يحتاجه الإنسان ليحيا بصحة أفضل. لهذا كان هذا المقال عن المتطلبات التكنولوجية، أما المقال التالي فسيكون عن المتطلبات التغذوية… حتى تكتمل الصورة.