
تتكرر في الحديث عن الدهون أربعة أرقام: 30% و10% و1% و2 جرام لكل 100 جرام من الدهن. وقد تبدو كأنها حدود من النوع نفسه، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى مستويات مختلفة: توصية للمدخول اليومي، ونطاق لتوزيع المغذيات الكبرى، وسياسة تنظيمية للمنتجات الغذائية. فما معنى كل رقم؟ وأيها توصية صحية وأيها قد يتحول إلى التزام قانوني؟
في الحلقة السابقة تعرفنا إلى تصنيع الدهون الوظيفية، والفرق بين الأسترة التبادلية والهدرجة الجزئية والكاملة. ونصل الآن إلى الحلقة الختامية التي تجمع ما سبق في إطار عملي: كيف تتحول الأدلة العلمية إلى توصيات صادرة عن منظمة الصحة العالمية، وسياسات لإزالة الدهون المتحولة الصناعية، ومواصفات دولية للكودكس؟
أصدرت منظمة الصحة العالمية في 2023 دليلًا محدثًا بشأن مدخول الدهون الكلية للوقاية من زيادة الوزن غير الصحية. وتوصي المنظمة بأن يخفض البالغون مدخول الدهون الكلية إلى 30% من إجمالي الطاقة أو أقل.[1]
ولا يعني ذلك أن كل نظام يحتوي على أقل من 30% من الطاقة من الدهون يكون صحيًا تلقائيًا؛ إذ تظل جودة الدهون ومصادر الكربوهيدرات وكمية الطاقة والنمط الغذائي الكامل عوامل أساسية. كما لا ينبغي خفض الدهون بطريقة تؤدي إلى نقص الأحماض الدهنية الأساسية أو استبدالها بكميات كبيرة من السكريات أو الكربوهيدرات المكررة.
توصي WHO لمن يبلغون سنتين فأكثر بألا تتجاوز الأحماض الدهنية المشبعة (Saturated Fatty Acids; SFA) نسبة 10% من إجمالي الطاقة.[2] ولا يكفي خفض SFA دون تحديد البديل الغذائي. وتوصي المنظمة بإحلال ما يأتي محلها:
ولا يمثل حد 7% توصية عامة حديثة صادرة عن WHO؛ فإذا استُخدم لفئة سريرية مرتفعة الخطورة، فيجب تحديد الجهة المرجعية والحالة الصحية المقصودة.
توصي WHO بألا يتجاوز إجمالي الأحماض الدهنية المتحولة (Trans-Fatty Acids; TFA) نسبة 1% من الطاقة.[2] ويشمل هذا الحد إجمالي TFA من:
وفي نظام يوفر 2000 كيلو كالوري يوميًا يكون الحساب:
2000 × 0.01 = 20 كيلو كالوري من TFA
وبما أن كل جرام من الدهن يوفر نحو 9 كيلو كالوري:
20 ÷ 9 = 2.22 جرام تقريبًا
ومن ثم يعادل حد 1% أقل من نحو 2.2 جرام من إجمالي TFA يوميًا. وهذا مثال حسابي لنظام 2000 كيلو كالوري، وليس كمية ثابتة مستقلة عن احتياجات الطاقة.
ورد نطاق 20–35% من الطاقة للدهون الكلية في مشاورة FAO/WHO لعام 2010 بوصفه نطاقًا مقبولًا لتوزيع المغذيات الكبرى لدى البالغين، مع مراعاة كفاية الطاقة والأحماض الدهنية الأساسية والسياق التغذوي.[3]
أما توصية WHO لعام 2023، أي 30% أو أقل، فقد صيغت أساسًا للوقاية من زيادة الوزن غير الصحية.[1] إذن لا يتحدث الرقمان عن الهدف نفسه تمامًا:
ولا ينبغي دمجهما في عبارة «التوصية الدولية هي 20–35%» دون تحديد المصدر والسنة والهدف.
هذا الحد ليس توصية للمدخول اليومي، ولا يعني 2 جرام من TFA في كل 100 جرام من المنتج الغذائي. إنه أحد خياري الممارسة التنظيمية الفضلى اللذين توصي بهما WHO لإزالة الدهون المتحولة الصناعية من الإمدادات الغذائية:
فإذا احتوى 100 جرام من منتج ما على 20 جرامًا من الدهن، فإن الحد النظري المكافئ وفق نسبة 2% من الدهن يساوي:
20 × 0.02 = 0.4 جرام
لكن التطبيق الفعلي يخضع لنص التشريع الوطني وطرق التحليل والرقابة. ويجب التمييز بين هذا الحد التنظيمي وحد 1% من الطاقة:
لا. فالمستهدف أساسًا هو الزيوت المهدرجة جزئيًا (PHOs)؛ لأنها قد تحتوي على مقادير مهمة من TFA الصناعية.
أما الهدرجة الكاملة فتحول معظم الروابط المزدوجة إلى روابط أحادية، فتنتج دهونًا شديدة التشبع تحتوي عادةً على مقادير ضئيلة جدًا من TFA. وقد تستخدم هذه الدهون بعد الخلط أو الأسترة التبادلية لتصميم دهون وظيفية. ومع ذلك، فإن انخفاض TFA لا يعفي المنتج من تقييم محتواه من SFA أو قيمته الغذائية الكلية.
تختص مواصفة الكودكس CXS 210-1999 للزيوت النباتية المسماة بتحديد:
وتتضمن النسخة الحالية المنشورة تعديلات وتصحيحات حتى عام 2026.[5] لكن هذه المواصفة لا تحدد المدخول اليومي من الدهون، ولا تمثل تشريعًا عالميًا ملزمًا بذاته. فهي مرجع دولي للهوية والجودة والتجارة، بينما تحدد القوانين الوطنية أو الإقليمية الحدود الإلزامية داخل كل دولة.
بعد حلقات السلسلة الثماني، يمكن تلخيص التقييم في سبعة أسئلة:
فلا يوجد زيت مثالي لكل الاستخدامات، ولا يمكن الحكم على الدهن من كونه نباتيًا أو حيوانيًا، سائلًا أو صلبًا، مكررًا أو غير مكرر.
بدأنا من داخل قطرة الزيت، ثم تتبعنا الأحماض الدهنية وبنية الجلسريدات وهضم الدهون وأوميجا والأكسدة والتصنيع. وتكشف الصورة الكاملة أن التقييم العلمي لا يقوم على صفة واحدة أو رقم منفرد.
فالتركيب يحدد جزءًا من الوظيفة، والتصنيع والتخزين يحددان الجودة، والكمية ونوع الاستبدال يحددان جانبًا مهمًا من التأثير الصحي، بينما تحدد التشريعات ما يصبح إلزاميًا داخل كل سوق.
والرسالة النهائية هي: تفضيل مصادر الدهون غير المشبعة، والحد من الدهون المشبعة، والتخلص من الدهون المتحولة الصناعية، واختيار الزيت وفق جودته واستخدامه لا وفق اسمه وحده.