
تُعدّ إندونيسيا، أكبر منتج لزيت النخيل في العالم، قد حقّقت إنجازاً بارزاً في قطاع الطاقة المتجددة، تمثل في إنتاج وقود ديزل نباتي بنسبة 100%، يُعرف باسم «D100» أو «الديزل الأخضر»، والمُصنَّع بالكامل من زيت النخيل دون أي خلط مع الوقود الأحفوري.
يُجسّد تطوير وقود D100 حقيقة أن زيت النخيل يتجاوز نطاق تطبيقاته الغذائية والأوكيميائية التقليدية، إذ يحمل إمكانات واعدة كمادة أساسية للطاقة المتجددة وتعزيز أمن الطاقة الوطني. ومن خلال استغلال وفرة الإمدادات المحلية من زيت النخيل، يفتح D100 مساراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، مع زيادة القيمة المضافة لصناعة زيت النخيل في البلاد.
يُنتج D100 المعتمد على زيت النخيل بالكامل عبر عملية معالجة بالهيدروجين (Hydrotreating) متخصصة، تُنتج وقوداً تتشابه خصائصه بشكل كبير مع ديزل الوقود الأحفوري التقليدي. ويرمز حرف «D» إلى الديزل، في حين يشير الرقم «100» إلى أن الوقود مستمدّ حصرياً من مصدر نباتي، دون أي خلط بوقود بترولي. وعلى خلاف برامج الديزل الحيوي الإلزامية المعمول بها حالياً في إندونيسيا، والتي تتراوح بين B35 وB50، لا يحتوي D100 على أي ديزل أحفوري، مما أكسبه تسمية «الديزل الأخضر».
تم تطوير هذا المنتج بواسطة شركة «PT Kilang Pertamina Internasional» بالتعاون مع معهد باندونغ للتكنولوجيا (ITB)، باستخدام تقنية محفّز محلي تُعرف باسم «Katalis Merah Putih» (المحفّز الأحمر والأبيض)، صاغها فريق من الباحثين الإندونيسيين. وبدأ الإنتاج التجاري الأولي في مصفاة دوماي في مقاطعة رياو عام 2020، في إنجاز جوهري يستند إلى البحث والتطوير المحليين.
وتتمثل المادة الأولية الرئيسية في زيت النخيل المُكرر، المعروف اختصاراً بـ RBDPO (زيت النخيل المُكرر والمُبيَّض والمُعطَّر). ومن خلال المعالجة بالهيدروجين — وهي عملية تستخدم محفّزاً وغاز الهيدروجين لإزالة الأكسجين من جزيئات الزيت النباتي — يتحوّل التركيب الكيميائي لزيت النخيل إلى هيدروكربونات تُشبه إلى حدّ بعيد تلك الموجودة في الديزل الأحفوري. والنتيجة وقود ديزل عالي الجودة، متوافق مع محركات الديزل الحديثة.
كثيراً ما يُخلط بين D100 ووقود الديزل الحيوي، غير أن المنتجين يختلفان جوهرياً في عملية الإنتاج والخصائص النهائية. إذ يُنتج الديزل الحيوي عبر عملية الأسترة التبادلية باستخدام الميثانول، لتكوين إستر الميثيل للحمض الدهني (FAME). وبفضل هذه الاختلافات، كثيراً ما يُوصف D100 بأنه الجيل التالي من الديزل الحيوي التقليدي.
وفي اختبارات القيادة على الطرق التي أجرتها شركة «Pertamina»، قطعت المركبات العاملة بوقود D100 مسافة تقارب 200 كيلومتر بأداء ممتاز. ويوفّر الاحتراق الأكثر اكتمالاً تشغيلاً أكثر سلاسة للمحرك مقارنة بالديزل التقليدي، فيما يُسهم الأصل النباتي للوقود في إمكانية خفض انبعاثات العادم. ومن أبرز السمات التقنية لـ D100 رقم السيتان المرتفع الذي قد يصل إلى نحو 79، وهو رقم مرتفع يدل على سرعة وكفاءة الاحتراق داخل محرك الديزل.
إلى جانب مزاياه التقنية، يحمل D100 قيمة استراتيجية كبيرة للاقتصاد الإندونيسي وأمن الطاقة. فمع استمرار حاجة البلاد لكميات كبيرة من وقود الديزل، يُسهم الإنتاج المحلي لـ D100 في الحدّ من الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري بشكل مباشر. وبفضل توفير المواد الأولية من المزارع الوطنية، تملك إندونيسيا فرصة واضحة لتعزيز استقلالها الطاقي، مع تطوير عمليات المعالجة النهائية لصناعة زيت النخيل. ويُصدَّر الجزء الأكبر من زيت النخيل الإندونيسي حالياً كمادة خام أو نصف مصنّعة، مما يجعل D100 أداة لتعزيز القيمة المضافة، وتوسيع الطلب المحلي على زيت النخيل، وزيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني.
ولا تتوقف طموحات إندونيسيا في قطاع الوقود الحيوي عند D100. إذ يجري العمل على تطوير بديل للبنزين يعتمد على زيت النخيل، إضافة إلى وقود الطيران الحيوي (Bio-Jet Fuel) المستمدّ من زيت نواة النخيل (PKO). وفي حال نضجت هذه التقنيات تجارياً، قد تصبح إندونيسيا من أوائل الدول في العالم القادرة على إنتاج كامل أنواع وقود النقل من موارد زيت النخيل المحلية.
غير أن تطوير D100 لا يزال يواجه تحديات عدة. ومع ذلك، ومع وجود الأسس التكنولوجية الصلبة ووفرة المواد الأولية، تظل إمكانات تطوير D100 واسعة.
ويُعدّ D100 المعتمد على زيت النخيل دليلاً قوياً على الإمكانات: إذ يمكن معالجة زيت النخيل وتحويله إلى وقود ديزل عالي الجودة دون أي خلط بالبترول. ومن خلال تقنية المعالجة بالهيدروجين ومحفّز «ميراه بوتيه» (Merah Putih)، أنتجت إندونيسيا ديزلاً أخضر برقم سيتان مرتفع، وانبعاثات أقل، وأداء يضاهي — بل يتفوق في بعض الجوانب — على الديزل التقليدي. وبصفتها أكبر منتج لزيت النخيل في العالم، تتمتع إندونيسيا بموقع قوي لدمج D100 ضمن استراتيجيتها الوطنية لأمن الطاقة، وتطوير صناعة زيت النخيل، والتحوّل نحو طاقة أكثر استدامة. ويُثبت نجاح D100 أن زيت النخيل ليس مجرد سلعة غذائية وصناعية، بل ركيزة استراتيجية لمستقبل الطاقة في البلاد.
المصدر: مجلس أصحاب أعمال زيت النخيل الإندونيسي (GAPKI)