.jpg)
يواجه قطاع الطيران العالمي ضغوطاً متزايدة للحد من انبعاثاته الكربونية، وهي ضغوط مدفوعة بشكل أساسي بالارتفاع الملحوظ في أسعار الوقود الأحفوري، وعدم استقرار سلاسل الإمداد والتوريد، بالإضافة إلى الأهداف الدولية الرامية لتحقيق الحياد الكربوني الكامل. واستجابة لهذه التحديات، يدعو الخبراء والمحللون إلى تبني استراتيجية شاملة ومتكاملة للوقود الحيوي، تهدف إلى تسريع وتيرة الاعتماد على زيت الطيران المستدام (SAF) والتغلب على القيود الحالية التي تحجم مستويات إنتاجه.
وقد شهد الاهتمام العالمي بهذا الوقود النظيف قفزة كبرى نتيجة لتقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية والاضطرابات الواسعة التي طالت شبكات الإمداد، لا سيما في أعقاب النزاعات الجيوسياسية الأخيرة. وفي هذا السياق، تؤكد هيئة النقل الجوي الدولي (IATA) أن توفير زيت الطيران المستدام لم يعد مجرد مستهدف بيئي، بل أضحى مسألة محورية تتعلق بالأمن القومي للطاقة؛ حيث يُقدر أن هذا الوقود سيسهم بنسبة تتجاوز 60% من إجمالي خفض غازات الاحتباس الحراري المطلوبة للوصول بقطاع الطيران إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050. ورغم هذه الأهمية القصوى، فإن حجم الإنتاج الحالي من زيت الطيران المستدام مخيب للآمال، إذ لا يغطي سوى 0.8% فقط من إجمالي الاستهلاك العالمي لوقود الطائرات.
وتتمثل إحدى العقبات الهيكلية الكبرى أمام زيادة الإنتاج في الاعتماد شبه الكلي للمصانع على زيوت الطهي المستعملة (UCO). ونظراً لأن كميات هذه الزيوت محدودة بطبيعتها، فإنها لن تتمكن بأي حال من تلبية الطلب الضخم للقطاع على المدى الطويل. ولحل هذه المعضلة، يوصي الخبراء بضرورة تنويع مصادر المواد الخام والاعتماد على تقنيات تصنيع متطورة، مثل تقنية تحويل الكحول إلى وقود نفاث (ATJ) باستخدام الإيثانول الحيوي. علاوة على ذلك، يمكن إنتاج هذا الوقود من مخلفات النفايات المتنوعة، والكتلة الحيوية، وأكاسيد الكربون الغازية. ويُعد توسيع قاعدة المواد الخام خياراً حتمياً لزيادة الطاقات الإنتاجية بشكل مستدام ودون ارتهان بمورد واحد.
وللتغلب على هذه التحديات الراهنة، تبرز حاجة ماسة لسن سياسات حكومية واضحة ومستقرة، تشمل تقديم إعفاءات وتسهيلات ضريبية للمنتجين، ودعم استثمارات إنشاء المصانع، وفرض نسب خلط إلزامية طويلة الأجل. وبالفعل، بدأت العديد من الحكومات حول العالم في تطبيق تشريعات الخلط الإلزامية لضمان وجود طلب مستقر يحفز الاستثمارات الخاصة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، اللائحة التنظيمية للاتحاد الأوروبي (ReFuelEU Aviation) التي تلزم بخلط ما نسبته 2% من زيت الطيران المستدام بحلول عام 2025، على أن ترتفع هذه النسبة تدريجياً لتصل إلى 70% بحلول عام 2050. كما حددت استراتيجية (JetZero) في المملكة المتحدة مستهدفات صارمة، تهدف إلى الوصول بنسبة الخلط إلى 10% بحلول عام 2030.
كما يرى الخبراء أن صياغة استراتيجية وطنية موحدة للوقود الحيوي تجمع بين قطاعات النقل البري، والجوي، والبحري، ستسهم في تنظيم الجهود ورفع كفاءة التشغيل إلى أقصى حد. ويُعد التعاون الوثيق بين الجهات الحكومية، والمختبرات الوطنية، والجامعات، ومؤسسات القطاع الخاص، أمراً حيوياً لنقل تقنيات الإنتاج الجديدة من الطور التجريبي إلى النطاق التجاري الواسع. ويمثل "المشروع الأمريكي لزيت الطيران المستدام" نموذجاً يحتذى به في هذا المجال، وهو ثمرة تعاون مشترك بين وزارة الطاقة، ووزارة النقل، ووزارة الزراعة الأمريكية، بهدف وضع خطة متكاملة لزيادة معروض هذا الوقود.
وينطوي التوسع الممنهج في عمليات تكرير وإنتاج زيت الطيران المستدام على مكاسب اقتصادية كلية وضخمة؛ إذ يمكن أن يسهم تحقيق هذه المستهدفات في خلق أكثر من 70,000 وظيفة محلية داخل الولايات المتحدة بحلول عام 2030، فضلاً عن إنعاش الحركية الاقتصادية في المجتمعات الريفية والزراعية. وعلى الصعيد الدولي، تظهر الاستثمارات الضخمة - مثل مجمع تكرير الوقود الحيوي المتكامل الجاري تطويره في أوزبكستان بتكلفة 6.1 مليار دولار - كيف يمكن للمشاريع الاستراتيجية أن تحول مناطق جغرافية كاملة إلى مراكز عالمية لإنتاج الهيدروجين الأخضر وزيت الطيران المستدام.
ومن المنظور الجيوسياسي، فإن تعزيز قدرات التكرير المحلية لزيت الطيران المستدام يسهم بشكل فعال في تعزيز أمن الطاقة للدول عبر تقليص الاعتماد على واردات النفط الخام من المناطق التي تشهد اضطرابات سياسية. ولا يقتصر هذا التحول على دعم الاستقلال السيادي للطاقة فحسب، بل يمنح الدول أيضاً ميزة تنافسية قوية في سوق الاقتصاد الأخضر العالمي الآخذ في النمو.
توقعات الأثر الاقتصادي وحركة أسعار السلع الكيميائية
من المتوقع أن تؤدي هذه الموجة العالمية الرامية لتوسيع إنتاج زيت الطيران المستدام (SAF) إلى تسريع وتيرة تدفق الرساميل والاستثمارات عبر سلسلة القيمة الكاملة للوقود المتجدد. وسيدفع الدعم التشريعي والحوافز المالية نحو تشييد منشآت تكرير جديدة وتسريع تسويق التقنيات المتقدمة. وبناءً على ذلك، سينعكس هذا التحول إيجاباً وبقوة على مستويات أسعار عدة سلع كيميائية ومواد خام تتابعها التقارير الاقتصادية؛ حيث سيتصاعد الطلب على الإيثانول الحيوي مع التوسع في تقنية (ATJ)، كما ستشهد أسعار زيوت الطهي المستعملة، والدهون الحيوانية، والزيوت النباتية تماسكاً كبيراً نتيجة لضيق المعروض وتنامي رغبة المصانع في تنويع مصادرها. وبالمثل، سيرتفع الطلب على الكيماويات والمحفزات الصناعية المستخدمة في معالجة الكتلة الحيوية وإنتاج الهيدروجين. وفي المقابل، قد يشهد معدل نمو الطلب على وقود الطائرات التقليدي (الكيروسين) تباطؤاً طفيفاً على المدى الطويل، وإن كان الأثر المباشر سيبقى محدوداً في الآونة الحالية نظراً للحصة السوقية الضئيلة لزيت الطيران المستدام في الوقت الراهن.
المصدر: كيم أناليست (ChemAnalyst)