
قادت ملاحظة د. أحمد شاهين، وهو أحد المهتمين بصناعة الزيوت، وهو يتصفح موقعًا عالميًا متخصصًا في منتجات العناية الشخصية الفاخرة، فتوقفت عيناه أمام عبوة صغيرة من زيت الأرجان بسعر يفوق أسعار معظم الزيوت النباتية المعروفة. تساءل باستغراب: لماذا يُعد هذا الزيت من الأغلى في العالم؟ وهل يعود ذلك إلى قيمته التسويقية فقط أم أن وراءه قصة علمية وتجارية مختلفة؟
الإجابة تقودنا إلى شجرة فريدة تنمو في جنوب غرب المغرب، وإلى زيت نادر تحيط به مواصفات دقيقة، وسوق عالمية متخصصة، وتحديات تتعلق بالأصالة والجودة والاستدامة. في السطور التالية نستعرض حقيقة زيت الأرجان، وتركيبه، ومكانته التجارية، وأسباب اعتباره أحد أكثر الزيوت النباتية تميزًا في العالم.
رغم شيوع الاعتقاد بأن زيت الأرجان زيت عطري، فإن هذا التصنيف غير صحيح علميًا أو تجاريًا؛ فزيت الأرجان هو زيت نباتي ثابت (Fixed Oil) يُستخلص بالعصر الميكانيكي لنوى ثمار شجرة الأرجان، ويتكون أساسًا من الجليسريدات الثلاثية والأحماض الدهنية.
تمثل شجرة الأرجان (Argania spinosa) حالة فريدة بين الأشجار الزيتية، إذ تتركز بشكل طبيعي في جنوب غرب المغرب، خصوصًا في مناطق سوس والأطلس الصغير والمناطق الساحلية الممتدة بين آسفي وسيدي إفني.
وتغطي غابات الأرجان اليوم نحو 830 ألف هكتار بعد عقود من التراجع نتيجة الجفاف والأنشطة البشرية، وهو ما دفع منظمة اليونسكو إلى إدراجها ضمن محميات المحيط الحيوي عام 1998، في خطوة هدفت إلى حماية هذا الإرث البيئي والاقتصادي الفريد.
من الجوانب التنظيمية المهمة في تجارة الأرجان أنه غير مشمول بمواصفة الكودكس الدولية للزيوت النباتية المسماة (CXS 210-1999)، وهو ما يضعه ضمن مجموعة الزيوت المتخصصة التي تعتمد على مراجع أخرى لتنظيم التجارة الدولية.
وتعد المواصفة المغربية NM 08.5.090 المرجع الفني الأهم عالميًا لتحديد خصائص الزيت ومتطلبات الجودة والدرجات التجارية. كما يحظى الزيت بحماية المؤشر الجغرافي (PGI) منذ عام 2010، وهو نظام يقصر استخدام تسمية "زيت الأرجان" على المنتج المستخرج من المناطق المحددة بجنوب غرب المغرب وفق شروط إنتاج معتمدة.
يتكون زيت الأرجان من حوالي 99% مواد قابلة للتصبن وقرابة 1% مركبات غير قابلة للتصبن ذات أهمية حيوية كبيرة.
وتتميز الأحماض الدهنية فيه بارتفاع نسبة الأحماض غير المشبعة التي تمثل نحو 80% من إجمالي التركيب، ويتصدرها:
ومن النقاط المهمة أن الزيت ليس مصدرًا للأوميجا 3، حيث لا تتجاوز نسبة حمض ألفا لينولينيك 0.3%، وهو ما يجعل أي ادعاءات تسويقية حول غناه بالأوميجا 3 مثيرة للتشكيك أو دليلاً على وجود خلط بزيوت أخرى.
يمتلك زيت الأرجان ميزة نادرة تتمثل في هيمنة جاما-توكوفيرول على تركيب فيتامين E، حيث يمثل بين 81 و92% من إجمالي التوكوفيرولات.
وتفسر هذه الخاصية قدرته على مقاومة الأكسدة مقارنة بزيوت أخرى ذات نسب تشبع مشابهة، إذ تساعد هذه المركبات على حماية الزيت من التدهور وإطالة عمره التخزيني.
كما يحتوي الزيت على مركبات ثانوية ذات قيمة عالية، من بينها:
وهي مكونات نادرًا ما تجتمع بهذا الشكل في زيت غذائي واحد.
من أبرز سمات الأرجان التحليلية احتواؤه على نسب مرتفعة من الشوتينول والسبيناستيرول، وهما من ستيرولات دلتا-7 النادرة في الزيوت النباتية التجارية.
وتُعد هذه البصمة الكيميائية من أهم الأدوات المستخدمة عالميًا للتحقق من أصالة الزيت وكشف حالات الغش أو الخلط بزيوت أقل قيمة؛ ولهذا السبب تعتمد المختبرات المتخصصة على تحليل الستيرولات والأحماض الدهنية للكشف عن أي تلاعب في المنتج.
يصنف زيت الأرجان وفق مستوى الحموضة الحرة إلى أربع درجات رئيسية:
كما تنقسم المنتجات المتداولة في الأسواق إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
يُنتج من نوى غير محمصة، ويتمتع بلون ذهبي فاتح ورائحة خفيفة، ويستخدم على نطاق واسع في مستحضرات العناية بالبشرة والشعر.
يُستخلص من نوى خضعت لتحميص خفيف، وهو المسؤول عن النكهة المميزة الشبيهة بالبندق المحمص، ويُستخدم في المطبخ المغربي ومكونات منتجات الأملو التقليدية.
وهو زيت يخضع لمعالجة إضافية لتقليل الرائحة بهدف استخدامه في التركيبات التجميلية التي تتطلب خصائص حسية محددة.
ندرة الإنتاج وارتفاع الأسعار جعلا زيت الأرجان من أكثر الزيوت تعرضًا لمحاولات الغش التجاري.
وتعتمد المختبرات على عدة مؤشرات للكشف عن الخلط، أبرزها:
كما يمكن اليوم التحقق من المنشأ الجغرافي للزيت بدقة مرتفعة من خلال الجمع بين تحليل الأحماض الدهنية وقياس النظائر المستقرة.
يتميز زيت الأرجان بثبات أكسدي أفضل مما توحي به نسب الأحماض غير المشبعة الموجودة فيه.
وتشير الدراسات إلى أن الزيت الغذائي المكرر يمتلك فترة ثبات أعلى من الزيت التجميلي غير المكرر، بل ويتمتع بعمر تخزيني قد يصل إلى سنتين عند التخزين الجيد بعيدًا عن الضوء والحرارة؛ ولهذا تُعد العبوات الزجاجية الداكنة والتخزين في ظروف مظلمة من أهم عوامل الحفاظ على الجودة.
رغم الشهرة العالمية الكبيرة، يبقى زيت الأرجان من أندر الزيوت النباتية التجارية؛ حيث يُقدَّر الإنتاج المغربي السنوي بين 4000 و6000 طن، في حين تتراوح الصادرات بين 1000 و1500 طن سنويًا فقط.
ويستحوذ قطاع التجميل والعناية الشخصية على الحصة الأكبر من القيمة السوقية، بينما تلعب التعاونيات النسائية المغربية دورًا محوريًا في عمليات الجني والاستخلاص الأولي، ما يجعل هذا القطاع مرتبطًا أيضًا بأبعاد اجتماعية وتنموية مهمة.
ربما تكون صورة الماعز المتسلق لأشجار الأرجان أشهر ما يُنشر عن هذا القطاع. ورغم أن جمع النوى من مخلفات الماعز كان يُمارس تاريخيًا، فإن هذه الممارسة لم تعد مقبولة في الإنتاج الحديث المعتمد. فالتحاليل المخبرية قادرة على كشف آثار هذه الطريقة، كما أنها تؤثر على مواصفات الزيت وجودته، ولذلك تتجنبها الشركات والتعاونيات الملتزمة بالمعايير الحديثة.
عندما تساءل المهتم بصناعة الزيوت في بداية حديثنا عن سر ارتفاع سعر زيت الأرجان، كانت الإجابة أعمق من مجرد ندرة في السوق أو شهرة تجميلية. فهذا الزيت ليس زيتًا عطريًا كما يعتقد البعض، بل زيت نباتي ثابت يمتلك هوية كيميائية فريدة، وينتج من شجرة نادرة يكاد ينفرد المغرب باحتضانها. وبين المواصفات التنظيمية الخاصة، والبصمة التحليلية المميزة، وصعوبة الإنتاج، ومحدودية الكميات المتاحة عالميًا، استطاع الأرجان أن يحافظ على مكانته بوصفه أحد أكثر الزيوت النباتية قيمة وتميزًا في العالم، ليبقى بحق "كنز المغرب الذهبي" الذي يجمع بين التراث والعلم والتجارة في آنٍ واحد.