.avif)

خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون وعضو الجمعية العلمية -جامعه الاسكندرية
هكذا نبدأ حديثنا عن سر اختلاف جودة الزيوت في الأسواق. الأمر لا يتعلق فقط بنوع الزيتون أو طريقة العصر، بل بالطريقة التي استُخرج بها الزيت، وبما إذا كان نقيًا فعلًا أم اختلط بزيوت أخرى لا تراها العين.
في عالم صناعة الزيوت، لا يكفي أن يبدو الزيت صافيًا أو ذا لون جذاب؛ فخلف هذا المظهر قد تختبئ عمليات صناعية معقدة، وأحيانًا -للأسف- أساليب غش تعتمد على خلط زيت الزيتون البكر بزيوت مكررة أو مستخلصة بالمذيبات. وهنا تظهر أهمية العلم، الذي يمنحنا أدوات دقيقة تكشف ما لا يمكن للحواس إدراكه.
تقنية الاستخلاص بالمذيبات تعد من أكثر الطرق انتشارًا في صناعة الزيوت النباتية، نظرًا لقدرتها على استخراج أعلى نسبة ممكنة من الزيت. لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديًا مهمًا: كيف نضمن خلو الزيت النهائي من بقايا المذيبات؟ وكيف نكشف إن كان زيت الزيتون قد تم غشه بزيوت مكررة؟
سوف نبحر في رحلة علمية ممتعة، نبدأ فيها من قلب المصانع حيث تتم عمليات الاستخلاص، ثم ننتقل إلى المختبرات حيث تُفحص الزيوت بأدق الأجهزة، لنكشف كيف يضمن العلم جودة ما يصل إلى موائدنا.
1. مفهوم الاستخلاص بالمذيبات
الاستخلاص بالمذيبات هو عملية تعتمد على استخدام مذيب عضوي (غالبًا الهكسان) لإذابة الزيت وفصله عن المادة الخام. يتميز الهكسان بخصائص تجعله مثاليًا لهذه العملية، مثل:
فما هو الهكسان؟
هو مذيب عضوي سائل، شفاف، عديم اللون، وشديد التطاير، ينتمي إلى عائلة الألكانات الهيدروكربونية. يُستخدم بشكل واسع في الصناعات كمذيب غير قطبي، وخاصة لاستخلاص الزيوت النباتية، وفي صناعة الغراء، الطلاء، والدهانات، نظرًا لقدرته العالية على إذابة الدهون والشحوم.
وتُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع في استخلاص الزيوت من فول الصويا، الكانولا، بذور القطن، عباد الشمس، إضافة إلى تفل الزيتون.
1. الهدف من العملية
بعد العصر الميكانيكي للزيتون، تبقى نسبة من الزيت تتراوح بين 5-10% داخل الكُسبة (البومس). وللاستفادة منها، تُستخدم تقنية الاستخلاص بالمذيبات لإنتاج زيت تفل الزيتون.
2. خطوات العملية الصناعية

3. خصائص الزيت الناتج
الزيت الناتج هو زيت تفل الزيتون (Olive Pomace Oil)، ويتميز بـ:
1. كروماتوغرافيا الغاز (GC):
تُعد الطريقة الأكثر دقة لقياس بقايا الهكسان والمركبات العضوية المتطايرة، وتعتمد على فصل المركبات وفقًا لدرجة تطايرها وتحديد تركيزها بدقة عالية.
2. التحليل الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية (UV):
يُستخدم لقياس مؤشرات الامتصاص الضوئي:
3. تحليل ΔK (دلتا K):
يُستخدم للكشف عن خلط زيت الزيتون البكر بزيوت أقل جودة.
4. تحليل المحتوى الشمعي والكحولات (Waxes & Erythrodiol /Uvaol):
يُعد هذا الفحص بمثابة "البصمة الوراثية الكيميائية" للزيت. فعملية العصر الميكانيكي (للزيت البكر) لا تستطيع إذابة طبقة الشمع القوية الموجودة على قشرة ونواة الزيتون، بينما ينجح مذيب الهكسان في إذابتها واستخلاصها. لذا، فإن ارتفاع نسبة الشموع ومركبي الإريثروديول والأوفاول يؤكد قاطعًا أن الزيت مستخلص كيميائيًا (زيت تفل) أو مخلوط به، وليس زيتًا بكرًا نقيًا.
5. الكشف عن الملوثات الأخرى:
مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs) والبنزوبيرين، وهي مركبات قد تتواجد في زيت تفل الزيتون نتيجة عمليات التجفيف أو التكرير.
1. التعديل الكيميائي:
2. التكرير الفيزيائي:
يمثل الاستخلاص بالمذيبات تقنية محورية في صناعة الزيوت الصالحة للأكل، نظرًا لكفاءتها العالية وقدرتها على تحقيق مردود كبير من الزيت. وفي المقابل، تُعد اختبارات الكشف عن بقايا المذيبات والغش في زيت الزيتون ضرورة أساسية لضمان الجودة وحماية المستهلك.
لذلك، فإن معرفة طرق الاستخلاص، وطرق التكرير، والعوامل التشغيلية، وأساليب التحليل الكيميائي، تمكّن العاملين في هذا القطاع من تحسين عملياتهم وتحقيق أعلى مستويات الجودة والسلامة، وتضمن للمستهلك الحصول على منتج عالِ الجودة، خالٍ من الملوثات، مع تطبيق معايير سلامة الغذاء (Food Safety) في كل مراحل الإنتاج.