
أستاذ الزيوت والدهون ومشتقاتها بالمركز القومي للبحوث، نائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء
من تركيب الزيت إلى اللون الذهبي والأكريلاميد: قواعد علمية لقرمشة أفضل.
تخرج البطاطس من المقلاة ذهبية ومقرمشة، فتسبق رائحتها إلى المائدة؛ لكن أسئلة كثيرة تتبعها: هل كل طعام مقلي ضار؟ وهل الزيت الذي لا يدخن هو الأفضل دائماً؟ وهل القلاية الهوائية تمنحنا «قرمشة صحية» بلا شروط؟
الإجابة العلمية لا تختصر في اسم زيت أو نوع جهاز. فنتيجة القلي تحددها منظومة متكاملة تشمل نوع الزيت وجودته، ودرجة الحرارة، ومدة التسخين، وطبيعة الغذاء، وطريقة التشغيل، وحجم الحصة وتكرار تناولها. لذلك لا نبحث عن «زيت سحري»، ولا نضع المقلاة في قفص الاتهام؛ بل نفهم ما يحدث ثم نختار ونتصرف بوعي.
عندما يوضع الطعام في الزيت الساخن، لا يتشرب الزيت فوراً كما تمتص الإسفنجة الماء. تبدأ الحرارة بتحويل الماء القريب من سطح الغذاء إلى بخار يندفع إلى الخارج، فيحد مؤقتاً من دخول الزيت. ومع استمرار القلي يجف جزء من السطح، وتتكون القشرة، ويظهر اللون والنكهة المرغوبان.
ويحدث جانب مهم من امتصاص الزيت بعد إخراج الطعام وبدء تبريده؛ إذ يتكثف البخار داخل المسام، فينجذب جزء من الزيت الموجود على السطح إلى الداخل. لذلك تتأثر كمية الزيت الممتص بحجم القطع ومساحة سطحها ورطوبتها ونوع تغليفها ومدة القلي وطريقة التصفية بعد الخروج، ولا تتحدد بدرجة الحرارة وحدها.
إذا كانت الحرارة منخفضة أكثر من اللازم طال زمن القلي، وخرج الطعام باهتاً أو ليناً، وقد يمتص زيتاً أكثر. وإذا ارتفعت بشدة تحمّر السطح قبل نضج الداخل، وتسارع تدهور الزيت وتكوّن نواتج المعالجة الحرارية. القلي الجيد إذن ليس سباقاً إلى أعلى حرارة، بل توازن بين تكوين القشرة ونضج الداخل والمحافظة على الزيت.
من أكثر الأخطاء شيوعاً تحويل «نقطة التدخين» إلى بطاقة نجاح أو رسوب. صحيح أن الدخان المستمر إنذار بأن الزيت تجاوز درجة التشغيل المناسبة، لكن صلاحية الزيت للقلي لا تحسم بهذا المؤشر منفرداً.
الاختيار السليم يقوم على خمسة عناصر مترابطة:
وبناءً على ذلك، يكون الزيت المكرر المخصص للقلي أو الخليط التجاري الموثوق خياراً عملياً عند الالتزام بتعليمات الاستخدام. كما يتميز زيت دوار الشمس عالي الأوليك بثبات نسبي أفضل من دوار الشمس التقليدي الغني بحمض اللينوليك؛ لذلك لا يصح التعامل معهما كأنهما منتج واحد في الأداء الحراري.
أما زيتا دوار الشمس التقليدي والذرة فيمكن استخدامهما في الطهي والقلي المنزلي المنضبط، لكن ارتفاع نسبة الأحماض الدهنية المتعددة عدم التشبع يجعلهما أقل ملاءمة للتسخين الطويل والمتكرر من البدائل الأعلى في حمض الأوليك أو المصممة خصيصاً للقلي.
يستحق أوليين النخيل (Palm olein) مكاناً واضحاً في الحديث عن القلي. فهو الجزء السائل الناتج من تجزئة زيت النخيل، وليس مرادفاً لزيت «عالي الأوليك». ويجمع بين نسبة معتبرة من حمض الأوليك وتركيب متوازن من الأحماض الدهنية المشبعة وغير المشبعة، مع انخفاض نسبي في الأحماض المتعددة عدم التشبع مقارنة بزيوت مثل دوار الشمس التقليدي والذرة. ويسهم هذا التوازن في منحه ثباتاً جيداً، خاصة في التشغيل المتكرر أو الممتد.
وفي صورته المكررة والمنزوعة اللون والرائحة، يكون فاتح اللون ومحايد الطعم والرائحة نسبياً، فلا يطغى عادة على صفات الغذاء المقلي. ويمكن استخدامه منفرداً أو في خلطات مصممة لتحقيق توازن بين الثبات الحراري، والسيولة في درجة حرارة التداول، والطعم، والقيمة الغذائية والكلفة. والمقصود بالأوليين «الخالص» أنه غير مخلوط بزيت آخر، لا أنه بكر أو غير مكرر.
لكن الاسم وحده لا يمثل ضماناً مفتوحاً؛ فالأداء يتأثر بدرجة التجزئة وجودة التكرير ومحتوى مضادات الأكسدة والنقل والتخزين وتركيب الخليط النهائي. والأدق أن يقال: أوليين النخيل زيت مناسب للقلي حين يكون مطابقاً للمواصفات ويُدار بطريقة صحيحة، وليس زيتاً لا يتدهور. وتعرّف مواصفة Codex CXS 210-1999 المحدثة أوليين النخيل بأنه الجزء السائل الناتج من تجزئة زيت النخيل.
نعم، يمكن استخدام زيت الزيتون الجيد في الطهي والقلي المنضبط، ولا يصح القول إن تسخينه يحوله تلقائياً إلى مادة ضارة. فتركيبه الغني بحمض الأوليك، إلى جانب ما قد يحتويه من مركبات طبيعية مضادة للأكسدة، يمنحه ثباتاً جيداً في تطبيقات حرارية عديدة.
ومع التسخين قد يفقد جزءاً من مركباته العطرية والفينولية، وتتأثر جودته بالحرارة والوقت والتكرار شأنه شأن سائر الزيوت. وقد تكون الكلفة والنكهة سببين عمليين لعدم اختياره للقلي العميق المتكرر، لكن هذا يختلف تماماً عن الادعاء بأنه غير صالح للتسخين من حيث المبدأ.
كذلك لا توضع الزبدة والسمن البلدي أو الزبدة المصفاة في خانة واحدة؛ فالزبدة تحتوي على ماء وجوامد لبنية قد تتحمر أو تحترق عند الحرارة المرتفعة، بينما يكون الدهن المصفى أكثر تحملاً حرارياً، مع بقائه غنياً بالدهون المشبعة التي ينبغي تناولها باعتدال.
انتظار الدخان لمعرفة أن الزيت أصبح ساخناً طريقة متأخرة؛ فالدخان يعني أننا تجاوزنا بالفعل درجة مناسبة للتشغيل. ولهذا يعد مقياس حرارة المطبخ أداة صغيرة ذات أثر كبير في جودة القلي وسلامته.
بالنسبة إلى البطاطس وكثير من الأغذية النشوية، يمثل المجال 160–175 درجة مئوية نطاقاً عملياً مناسباً. وقد تقترب الحرارة من 180 درجة مئوية لبعض المنتجات بحسب الحجم والتركيب، لكن لا توجد فائدة من تجاوز 180 درجة دون حاجة.
وتنخفض حرارة الزيت فور إضافة الطعام؛ لذلك تؤدي زيادة الكثافة والمقادير بالمقلاة إلى إطالة زمن التسوية وإضعاف القرمشة. وإلى جانب ميزان الحرارة، يبقى اللون دليلاً عملياً مهماً: ذهبي فاتح، لا بني داكن.
الأكريلاميد ملوث قد يتكون طبيعياً في الأغذية الغنية بالنشويات عند الطهي بدرجات حرارة تزيد على نحو 120 درجة مئوية مع انخفاض الرطوبة. وينشأ أساساً من تفاعل بعض السكريات المختزلة مع الحمض الأميني أسباراجين ضمن تفاعل ميلارد؛ وهو التفاعل نفسه الذي يمنح الطعام اللون والنكهة المرغوبين.
المطلوب ليس إلغاء التحمير، بل ضبطه حتى لا ننتقل من اللون الذهبي المقبول إلى البني الداكن أو التفحم. وتعد الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء التعرض الغذائي للأكريلاميد مصدر قلق صحي، ولذلك ينبغي خفض تكوّنه إلى أدنى مستوى يمكن تحقيقه عملياً.
ولخفضه في البطاطس:
لا توجد نسبة واحدة لامتصاص الزيت تصلح لكل الأغذية؛ لذلك تكون الخطوات العملية أكثر فائدة من الأرقام الجذابة:
وهنا يجب تصحيح فكرة أخرى: الزيت الأعلى حرارة ليس دائماً طريقاً إلى طعام أقل امتصاصاً للدهون؛ فالحرارة الزائدة قد تحرق السطح قبل نضج الداخل. المطلوب هو الحرارة المناسبة، لا أعلى حرارة ممكنة.
القلاية الهوائية في جوهرها فرن حمل حراري صغير يدفع الهواء الساخن بسرعة حول الطعام، فيتبخر جزء من رطوبة السطح ويحدث التحمير وتتكون القشرة. وهي تستخدم عادة كمية أقل كثيراً من الزيت المضاف مقارنة بالغمر، ولذلك قد تساعد على خفض محتوى الدهون في منتجات عديدة.
لكنها لا تحول كل ما يوضع فيها إلى غذاء صحي، ولا تمنع الأكريلاميد تلقائياً. فإذا أفرطنا في الوقت أو الحرارة حتى أصبح الغذاء النشوي داكن اللون، فقد يتكون الأكريلاميد أيضاً.
ولنتيجة أفضل: لا تكدس السلة، وحرّك الطعام عند الحاجة، واستخدم أقل كمية زيت تحقق النتيجة، وأوقف التسوية عند اللون الذهبي الفاتح، ونظف الدهون والفتات بعد أن يبرد الجهاز.
ليست المسألة إذاً مباراة بين المقلاة والقلاية الهوائية. إذا كان الهدف تقليل الزيت المضاف يومياً فالقلاية الهوائية أداة عملية، وإذا كانت خصائص القلي التقليدي مطلوبة فيمكن تحقيقها بقلي عميق منضبط وعلى فترات متباعدة وبزيت مناسب. جودة الغذاء، وحجم الحصة، ودرجة التحمير وتكرار التناول أهم من اسم الجهاز وحده.
يجب تجفيف الطعام قبل القلي، وعدم ملء المقلاة أكثر من اللازم، وإبعاد مقابض الأواني عن حافة الموقد، وعدم ترك الزيت الساخن بلا مراقبة.
وعند اشتعال الزيت لا يستخدم الماء مطلقاً؛ لأنه قد ينشر اللهب بعنف. إذا كان الحريق صغيراً ويمكن التعامل معه بأمان، يوقف مصدر الحرارة ويغطى الوعاء بغطاء معدني مناسب؛ وإذا تعذر التحكم، تكون الأولوية لمغادرة المكان وطلب الطوارئ.
القرمشة الجيدة لا تبدأ عند لحظة خروج الطعام من المقلاة، بل من اختيار زيت مناسب، وضبط الحرارة، وفهم طبيعة الغذاء، والتوقف عند اللون الذهبي الفاتح. فلا نقطة التدخين وحدها تختار الزيت، ولا الجهاز وحده يجعل الطعام صحياً، ولا اللون الداكن دليل إتقان.
ويبقى السؤال العملي الأهم بعد انتهاء القلي: هل يصلح الزيت للاستخدام مرة أخرى؟ وهل إضافة زيت طازج أو ترشيحه تمدان عمره بأمان؟ ومتى يصبح الاستبعاد واجباً؟ هذا ما تجيب عنه الحلقة الثانية، من المطبخ المنزلي إلى المطعم والفندق وخط القلي الصناعي.