
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون وعضو الجمعية العلمية -جامعه الاسكندرية
إلى أين يمضي مستقبل الزيتون في مصر؟ هذا التساؤل طرحه مزارع مسن، وهو يجلس في ظل شجرة زيتون قد يتجاوز عمرها عمره الشخصي. كان يتأمل السماء قائلاً: "لقد تغيرت الدنيا.. وتغير الزرع.. حتى الأشجار التي كنا نعتمد عليها باتت تتطلب أسلوباً جديداً في التعامل".فتحت هذه الكلمات باباً واسعاً للتفكير.
ما هو مصير زراعة الزيتون في مصر في ظل التغيرات المناخية والتحديات التي تتزايد يوماً بعد يوم؟ الحقيقة أن الزيتون ليس مجرد محصول زراعي، بل هو جزء أصيل من التراث الزراعي المصري، وشجرة تحظى بمكانة خاصة. ورغم أن الاعتماد الأساسي لسنوات طويلة كان منصباً على زيتون "المائدة" (التخليل)، إلا أن الاهتمام بزيت الزيتون شهد طفرة كبيرة مؤخراً، لا سيما مع ارتفاع قيمته الصحية والاقتصادية.لكن، الطريق نحو المستقبل ليس مفروشاً بالورود.
1- أزمة العمالة الموسمية من أبرز المعوقات التي تواجه المزارعين حالياً هو النقص الحاد في العمالة المتخصصة في جني المحمول. فالجني اليدوي يتطلب أعداداً كبيرة من العمال، مما يرفع تكلفة الإنتاج بشكل باهظ. ومع تراجع إنتاجية الفدان في السنوات الأخيرة، هجر الكثير من العمال المهنة بحثاً عن فرص عمل أخرى، مما أدى إلى تكاليف أعلى، ووقت أطول، وكفاءة أقل.
2- التوسع المفرط في أصناف التخليل شهدت العشر سنوات الأخيرة توسعاً ضخماً في زراعة الزيتون لغرض التخليل، مما أدى إلى زيادة مفرطة في الطلب على العمالة اليدوية، لدرجة أن العمالة المتاحة لم تعد كافية أو قادرة على إتمام العمل بالجودة المطلوبة. وبصيغة أدق، تجاوزت مساحات زراعة زيتون التخليل في مصر حدود الكفاية.
3- تقلبات المناخ تعد هذه المشكلة التحدي الأكبر الذي لا يمكن تجاهله؛ فالارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة، وموجات الجفاف المفاجئة، وانتشار الآفات، كلها عوامل أثرت بشكل مباشر على إنتاجية الأصناف التقليدية. فالأشجار التي كانت صامدة في الماضي، أصبحت الآن بحاجة إلى تقنيات زراعية مختلفة وقدرة أعلى على التكيف.
رغم تلك التحديات، فإن الرؤية المستقبلية ليست قاتمة؛ بل على العكس، تلوح في الأفق فرص ذهبية إذا ما أُحسن التعامل مع الوضع الراهن:
1- الزراعة عالية الكثافة يعد هذا النظام من أهم الحلول التقنية الحديثة؛ حيث يعتمد على زراعة الأشجار بشكل متقارب ومنظم، مما يسمح باستخدام الميكنة الزراعية في عملية الجني بدلاً من العمالة اليدوية.المزايا:
2- اختيار أصناف ملائمة للمناخ الجديد يتحتم علينا الخروج من دائرة الأصناف التقليدية. وقد نجحت الأبحاث الزراعية في مصر – وتحديداً في قسم بحوث الزيتون بمركز البحوث الزراعية – في تطوير تراكيب وراثية جديدة مقاومة للجفاف والحرارة العالية. أثبتت هذه الأصناف كفاءة عالية في ظل الظروف الحالية، مما يفتح آفاقاً واسعة للاستدامة.
3- تحسين إدارة الموارد الزراعية أصبحت التكنولوجيا ركيزة أساسية في الزراعة الحديثة. فتقنيات مثل "الاستشعار عن بُعد" والمراقبة الرقمية تساعد المزارع على تحديد:
4- الاستثمار في البحث والتطوير يرتبط مستقبل الزيتون في مصر ارتباطاً وثيقاً بمدى التطور في الأبحاث العلمية، سواء في استنباط أصناف جديدة، أو تحسين طرق الري، أو مكافحة الآفات. وهذا يتطلب دعماً وتمويلاً مستمراً، خاصة مع وجود تراكيب وراثية واعدة تحتاج إلى الإكثار والتوسع.
5- رفع الوعي بأهمية زيت الزيتون إن إدراك المستهلك للقيمة الصحية الحقيقية لزيت الزيتون سيؤدي حتماً إلى زيادة الطلب المحلي. ومن خلال حملات التوعية الإعلامية، وتشديد الرقابة لمكافحة الغش التجاري، ستستعاد ثقة الجمهور في المنتج المصري بقوة.
إن مستقبل زيت الزيتون في مصر يمثل فرصة ذهبية أكثر منه مجرد تحدٍ. فمن خلال التحول نحو الزراعة عالية الكثافة، والاعتماد على الأصناف المقاومة للمناخ، وتطوير آليات الجني، ورفع الوعي المجتمعي، يمكننا تحقيق نقلة نوعية في هذا القطاع.الأمر لا يتوقف عند الحفاظ على تراث زراعي فحسب، بل يمتد لبناء مستقبل اقتصادي مستدام للمزارعين، وتعزيز مكانة الزيت المصري في الأسواق المحلية والدولية.