.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
الوصف التعريفي : رؤية استراتيجية عربية لإعادة تعريف زيت الزيتون من سلعة غذائية تقليدية إلى منصة صناعية حيوية عالية القيمة، تمتد تطبيقاتها من التجميل العلاجي والمكملات الغذائية إلى الاقتصاد الدائري والطاقة المستدامة، مع التركيز على تعظيم القيمة المضافة وحماية الهوية الجغرافية والمعرفية.
لم يعد السؤال اليوم: كم ننتج من زيت الزيتون؟ بل السؤال الحقيقي هو: كم قيمة ما ننتجه بعد أن يغادر المعصرة؟
في عالم تُقاس فيه الثروات بسلاسل القيمة لا بكميات الخام، يقف زيت الزيتون العربي عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار كمنتج غذائي يخضع لتقلبات الأسواق، أو التحول إلى منصة صناعية حيوية تُغذي صناعات التجميل والدواء والطاقة، وتؤسس لسيادة اقتصادية قائمة على العلم لا على الوفرة وحدها.
إن التعامل مع زيت الزيتون بوصفه مجرد منتج غذائي هو اختزال مخل لقيمته الحقيقية. فالتجارب العالمية الحديثة تؤكد أن الثروات الزراعية لا تُقاس بما تنتجه الحقول فقط، بل بما تولّده المختبرات والمصانع من معرفة وقيمة مضافة.
ومن هذا المنطلق، فإن السيادة الاقتصادية على قطاع الزيتون لا تتحقق ببيع الزيت كسلعة غذائية (Commodity) تخضع لموجات العرض والطلب، بل عبر تحويله إلى منصة للصناعات الحيوية والدهون المتخصصة (Bio-Industrial Platform)، قادرة على اختراق أسواق عالية القيمة مثل التجميل العلاجي، والمكملات الغذائية، والطاقة المستدامة.
إننا لا نستهدف استيعاب فائض الإنتاج فحسب، بل نعيد رسم موقع زيت الزيتون العربي داخل سلاسل القيمة العالمية، حيث تُباع المستخلصات الحيوية بأسعار تفوق زيت الطعام بأضعاف قد تصل إلى عشرة أضعاف وأكثر، وفق ما تشير إليه دراسات الاقتصاد الحيوي الحديثة.
يُعد زيت الزيتون العربي، بما يحتويه من مركبات فعالة مثل الهيدروكسي تيروسول وفيتامين E، مادة خام مثالية لصناعة التجميل العلاجي، وهي سوق عالمية تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار وتشهد نمواً متسارعاً مدفوعاً بالطلب على المنتجات الطبيعية المدعومة علمياً.
هندسة القيمة المضافة هنا هي الفارق الحقيقي؛ فلتر الزيت الخام الذي يُباع بنحو 10 دولارات، يمكن – بعد المعالجة والتصنيع – أن يتحول إلى أمصال وكريمات علاجية بقيمة تسويقية تتجاوز 150–200 دولار لنفس الكمية، دون المساس بأصل المادة الخام.
أما الرؤية الاستراتيجية فتتمثل في تجاوز مرحلة تصدير الزيت السائب إلى تأسيس علامات عربية متخصصة، تعيد تقديم منتجات ذات جذور تاريخية مثل صابون نابلس في صورة منظفات طبية معتمدة، أو تحويل زيوت مناطق مثل سيوة والجوف إلى منتجات استشفاء مسجلة ببراءات اختراع، بما يفرض الحضور العربي في الأسواق العالمية عبر الجودة لا السعر.
في الوقت الذي ينصب فيه الاهتمام على الزيت، تمثل أوراق الزيتون ثروة حيوية مهملة، إذ تحتوي على مركبات نشطة – أبرزها الأوليوروبين – بتركيزات تفوق ما يوجد في الزيت نفسه، وهي مركبات أساسية في صناعة المكملات الغذائية وتنظيم ضغط الدم ودعم المناعة.
وتشير نتائج أبحاث منشورة إلى أن الأشجار المزروعة في البيئات العربية، المعرضة لإجهاد حراري ومائي معتدل، تنتج مركبات دفاعية مثل الأوليوكانثال بتركيزات أعلى، ما يمنح الخامة العربية أفضلية نوعية في سوق الدهون المتخصصة والمغذيات الوظيفية (Nutraceuticals).
إن تأسيس وحدات استخلاص مرتبطة بمختبرات مرجعية معتمدة من شأنه أن يحول هذا القطاع من نشاط زراعي موسمي إلى رافد مستدام للأمن الصحي والاقتصاد الحيوي العربي.
في المنظومات الصناعية الحديثة، لا يُنظر إلى مخلفات عصر الزيتون باعتبارها عبئاً بيئياً، بل كمدخلات لصناعات موازية ترفع كفاءة وربحية المعصرة بنسبة تتراوح بين 30–40%.
فالجفت يتحول إلى وقود حيوي، والزيبار إلى أسمدة ومستخلصات فينولية، وأوراق التقليم إلى منتجات عشبية وطبية، بما يخلق خطوط إنتاج مستقلة لا ترتبط بموسم العصر فقط، ويجعل منظومة الزيتون نموذجاً عملياً للاقتصاد الدائري المستدام.
لا يمكن لهذه النقلة النوعية أن تترسخ دون مظلة تشريعية تحمي المعرفة العربية المرتبطة بزيت الزيتون، وليس المادة الخام فقط. ويشمل ذلك:
إن الرؤية العربية الجديدة لزيت الزيتون تتجاوز كونه سائلاً في زجاجة، لتراه منصة متكاملة للصناعات الحيوية والدهون المتخصصة، تجمع بين الجغرافيا، والمعرفة، والتصنيع، والتشريع.
فالتعامل معه كمنتج غذائي فقط هو تفريط في مورد سيادي، أما تحويله إلى مشروع علمي وصناعي متكامل، فهو استثمار في المستقبل، يربط مزارع فلسطين وتونس والأردن والسعودية ومصر بشبكة إنتاج معرفي واحدة.
فالسيادة على زيت الزيتون لا تُقاس بعدد الأشجار، بل بقدرتنا على تحويل الشجرة إلى معرفة، والمعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى حضور عربي فاعل على الرفوف العالمية.