خارطة الطريق: المتطلبات العملية لاعتماد مختبر زيت الزيتون دوليًا

تاريخ النشر:
February 5, 2026
أخر تعديل:
February 5, 2026

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.

بروتوكول السيادة من التنظير إلى التطبيق

لم يعد الحديث عن جودة زيت الزيتون يكتمل بالتحليل العلمي وحده، بل أصبح مرهونًا بقدرة المختبر على ترجمة نتائجه إلى شرعية دولية معترف بها.

وانطلاقًا من ذلك، تأتي هذه الخطة التنفيذية بوصفها قائمة مرجعية سيادية تضمن أن المختبر لا يمتلك الأجهزة فقط، بل يمتلك الأهلية الفنية، والاعتماد الدولي، والقوة القانونية لإصدار شهادات فحص لا تُرد في الأسواق العالمية.

لكي يصبح المختبر "مختبرًا سياديًا" معترفًا به من قبل المجلس الدولي لزيت الزيتون (IOC) وهيئات الاعتماد التابعة لمنظمة ISO، لا بد من استيفاء خمسة محاور متكاملة تشكل في مجموعها منظومة الاعتماد الكامل.

أولًا: الامتثال لمعيار ISO/IEC 17025 – دستور الكفاءة المختبرية

يُعد معيار ISO/IEC 17025 الإطار المرجعي الأعلى لكفاءة مختبرات الفحص والمعايرة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه جميع الاعترافات الدولية. ويتطلب التطبيق الفعلي له ما يلي:

  • نظام إدارة جودة موثق: يشمل جميع الإجراءات منذ استلام العينة، مرورًا بالتحليل، وحتى إصدار التقرير النهائي، مع ضمان التتبع الكامل لكل خطوة.
  • التحقق من صحة طرق التحليل (Method Validation): إثبات دقة وتكرارية النتائج باستخدام مواد مرجعية معتمدة ومعروفة القيم.
  • المشاركة في اختبارات الكفاءة (Proficiency Testing): وهي اختبارات عمياء دورية، يرسلها المجلس الدولي لزيت الزيتون أو جهات معتمدة، للتحقق من توافق نتائج المختبر مع النتائج المرجعية العالمية.

هذا المحور هو حجر الأساس الذي يُبنى عليه أي ادعاء بالاعتماد أو الاعتراف.

"لترجمة المعايير الفنية إلى واقع مؤسسي معترف به، يبدأ المسار التنفيذي بمرحلة التأهيل عبر الاستعانة بخبراء متخصصين لإعداد وثائق نظام الجودة وتدريب الكوادر البشرية على التطبيق الدقيق لبنود المواصفة ISO/IEC 17025. يعقب ذلك التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الوطني للاعتماد (EGAC) -بصفته الجهة الوطنية المنوطة في مصر- لإجراء زيارات التقييم ومنح شهادة الاعتماد. وتكتسب هذه الشهادة صبغتها العالمية بفضل خضوع المجلس الوطني (EGAC) لاتفاقية الاعتراف المتبادل (MRA) تحت مظلة المنظمة الدولية لاعتماد المختبرات (ILAC)، مما يمنح تقارير المعمل صفة النفاذ الدولي دون الحاجة لإعادة الفحص في بلد المستورد."

ثانيًا: الإدارة الفنية للعينة – البروتوكول الميداني

المختبر القوي لا يبدأ من الجهاز، بل من الحقل والعينة. وأي خلل في هذه المرحلة ينسف مصداقية النتائج مهما بلغت دقة الأجهزة.

  • طرق السحب الموحدة: استخدام أوانٍ زجاجية داكنة، معقمة وخاملة كيميائيًا، لمنع أي تفاعل أو تحلل ضوئي.
  • نظام التشفير (Coding System): إدخال العينات بأرقام كودية فقط، دون أي بيانات تعريفية، لضمان حيادية التحليل واستقلالية القرار الفني.
  • التحكم في الظروف البيئية: الحفاظ على درجة حرارة ثابتة داخل المختبر (20–25°م)، مع تقليل التعرض للضوء، لأن زيت الزيتون شديد الحساسية لهذه العوامل، والتي قد تؤثر على استقرار نواتج الأكسدة وتشوّه نتائج التحليل إذا لم تُضبط بدقة.

ثالثًا: جدول تسلسل التحاليل – ترتيب الأولوية الاستراتيجي

لتحقيق أعلى كفاءة فنية واقتصادية، يُوصى باتباع تسلسل تحليلي مدروس يمنع هدر الموارد دون المساس بصرامة التقييم:

  1. الفحص الأولي (Screening): يشمل الحموضة الحرة، ورقم البيروكسيد، وقياسات الامتصاص في الأشعة فوق البنفسجية (UV). في حال فشل العينة في هذه المرحلة، لا يُستكمل الفحص المتقدم.
  2. فحص النقاوة (Purity Assessment): استخدام تقنيات GC لتحليل الأحماض الدهنية والإستيرولات، بهدف كشف أي خلط بزيوت نباتية أخرى.
  3. فحص القيمة المضافة (Value Profiling): استخدام HPLC لقياس البوليفينولات والتوكوفيرولات، لتحديد القيمة الوظيفية والتسويقية، وربط النتائج بتسعير الشحنات المميزة.

رابعًا: متطلبات الكادر البشري – لجنة التذوق المعتمدة

لا يكتمل مفهوم المختبر السيادي دون العنصر البشري المؤهل، وعلى رأسه لجنة التقييم الحسي:

  • رئيس اللجنة (Panel Leader): حاصل على تدريب واعتماد معترف به من المجلس الدولي لزيت الزيتون.
  • أعضاء اللجنة: تدريب دوري لما لا يقل عن 8–12 متذوقًا، مع اختبارات ضبط الحواس لضمان الثبات والتوافق مع المعايير الدولية.

التقييم الحسي هنا ليس إجراءً تكميليًا، بل شرطًا تشريعيًا لتصنيف زيت الزيتون البكر الممتاز.

خامسًا (محور سيادي مكمّل): الحوكمة والاعتراف الدولي المتبادل

لضمان الاعتراف الكامل بنتائج المختبر خارج حدوده الوطنية، خاصة عند تصدير الشحنات الكبيرة، يجب استكمال المنظومة بمحور الحوكمة المؤسسية:

  • آلية التعامل مع هيئات الجمارك وسلطات الاستيراد: اعتماد قنوات اتصال رسمية، ونماذج تقارير متوافقة مع متطلبات الاتحاد الأوروبي والأسواق الأمريكية.
  • بروتوكول فض النزاعات (Dispute Resolution): آلية فنية موثقة للتعامل مع نتائج تحليل مخالفة، تشمل إعادة الفحص، والتحقق المرجعي، والاحتكام إلى مختبرات مرجعية محايدة.
  • الأرشفة طويلة الأجل: حفظ نتائج التحاليل، وبيانات الأجهزة، وتقارير المعايرة لمدة لا تقل عن 5–10 سنوات، بما يضمن الرجوع إليها في أي نزاع تجاري أو قانوني لاحق.

هذا المحور هو ما ينقل المختبر من كيان فني إلى مؤسسة ذات سيادة تنظيمية وقانونية.

الخلاصة التنفيذية

إن امتلاك أجهزة متقدمة مثل GC-MS أو NMR لا يمثل سوى نصف المعركة؛ أما النصف الآخر فهو نظام الجودة، والاعتماد، والحوكمة.

وعندما يمتلك المختبر العربي هذه المنظومة المتكاملة، فإنه يمنح المزارع درعًا يحمي شحناته من الرفض، ويمنح المستهلك ضمانًا موثقًا بأن ما بين يديه هو فعلًا زيت زيتون أصيل.

كما تشكّل شهادة التحليل وثيقة قانونية قابلة للاحتجاج بها في النزاعات التجارية الدولية، وليست مجرد تقرير فني.

مقالات آخرى للكاتب

النشرة البريدية

تواصل معانا وتابعنا على منصات التواصل الإجتماعي

Tiktok logolinkedin logoinstagram logofacebook logoyoutube logoX logoEmail icon
.Copyright Zyotwdhon. All Rights Reserved ©