رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
💡 مقدمة: الترسانة العلمية كحصن للسيادة الاقتصادية
في مواجهة سوق عالمي تتجاوز قيمته 13 مليار دولار، وبينما تُشير التقديرات إلى أن 20-30% من الزيت المتداول عالمياً يعاني من مشكلات في الجودة أو الأصالة، لم يعد الفحص مجرد إجراء روتيني؛ بل تحول إلى معركة تكنولوجية سيادية. المختبرات المتقدمة هي خط الدفاع الأول لحماية القيمة السوقية والهوية الجغرافية لزيت الزيتون العربي.
أولاً: مؤشرات الجودة والطزاجة (الفحص الأساسي)
تستهدف هذه المرحلة تقييم "الصحة العامة" للزيت وكفاءة عمليات الاستخلاص الأولية.
🔍 ميزة عربية: زيت الزيتون العربي المستخلص "على البارد" يسجل غالباً حموضة أقل من 0.5%، مما يضعه في الفئات السعرية الأعلى عالمياً.
هنا يتم تفكيك "البصمة الجينية" للزيت؛ حيث لا يمكن لأي تلاعب كيميائي أن يفلت من هذه الأجهزة السيادية:
الأحماض الدهنية (GC): "المصفاة الذكية" التي تكشف الخلط بزيوت رخيصة (دوار الشمس، الصويا) وتؤكد النمط الفريد لأصناف كـ الصوراني والشنقيطي.
الإستيرولات (GC-FID): "تحليل البصمة الوراثية" الذي يحدد هوية النبتة بدقة متناهية، ويكشف الغش بنسب ضئيلة تصل إلى 2%.
الجلسريدات (HPLC): "ميزان الذهب الجزيئي" لكشف الخلط بين الأصناف الفاخرة والأقل قيمة (مثل حماية زيت النبالي) عبر قياس الجلسريدات وخصوصاً $ECN 42$.
الشموع (Capillary GC): "مجهر النظافة" الذي يضمن أن الزيت مستخلص ميكانيكياً وليس كيميائياً من "التفل".
🚀 ثالثاً: التقنيات المستقبلية (قياس القيمة المضافة)
تحاليل تثبت التفوق الصحي وتدعم وضع المنتج في فئة "الغذاء الوظيفي":
HPLC المتقدم: لقياس البوليفينولات؛ وهي مضادات الأكسدة التي تمنح الزيت العربي خصائصه العلاجية للقلب والمناعة.
مطياف FTIR: "الماسح الضوئي الفوري"؛ يقدم بصمة طيفية شاملة في أقل من دقيقة للفرز السريع في الموانئ.
مطياف NMR: "الأشعة المقطعية الجزيئية"؛ الجهاز الأقوى عالمياً لتحديد المنشأ الجغرافي (Terroir) والتمييز بدقة بين زيت جبال المغرب وسهول الأندلس.
⚖️ رابعاً: التقييم الحسي (المحكمة النهائية)
الوسيلة: لجان تذوق معتمدة دولياً (8-12 خبيراً).
القاعدة: الأجهزة تقيس الأرقام، لكن الإنسان يقيّم "التجربة". لا يُصنف الزيت "بكراً ممتازاً" إلا إذا كان صفري العيوب ويمتلك سمات إيجابية (فاكهي، حار، مرير لطيف).
التكامل: جودة الكيمياء + جودة الحواس = شهادة أصالة عالمية.
📈 الخلاصة الاستراتيجية: من التكلفة إلى الاستثمار
التحول نحو امتلاك مختبرات مرجعية عربية هو استثمار في السيادة الوطنية:
🏁 الخاتمة
في اقتصاد المعرفة، السيادة لا تُرسم بالحدود فقط، بل تُبنى في المختبرات. إن حماية "الذهب الأخضر" العربي تبدأ بفك شفرته الجزيئية، وتنتهي بفرضها كمعيار عالمي للجودة والأصالة.