خمائر الزيت: هل نزرع دهون المستقبل داخل المفاعلات الحيوية؟

تاريخ النشر:
February 3, 2026
أخر تعديل:
February 3, 2026

رئيس قسم التكرير بمصنع أويلكس OILEX

هل مررت يوماً بمصطلح "الزيوت المصنعة معملياً" أو "زيوت الخمائر"؟رغم أن الفكرة قد تبدو غير مألوفة للبعض، إلا أن الخمائر تلعب دوراً محورياً يتجاوز مجرد الصناعات الغذائية التقليدية. يسلط هذا المقال الضوء على عملية التخمير كبديل مستقبلي في إنتاج الزيوت والدهون، وكيفية هندسة الخمائر حيوياً لتكون بديلاً مستداماً للزيوت النباتية.

ما هي الخمائر؟

لنبدأ أولاً بتعريف الخمائر (Yeast): هي كائنات حية وحيدة الخلية تنتمي لمملكة الفطريات. تتغذى هذه الكائنات على السكريات كمصدر أساسي للطاقة، وتنتج ثاني أكسيد الكربون والكحول عبر عملية التخمير عند توفر الرطوبة والحرارة اللازمة.

كيف يتم تسخير الخمائر لصناعة الزيوت؟

توجد سلالات محددة من الخمائر الزيتية (Oleaginous Yeasts) مثل Yarrowia lipolytica، تمتلك القدرة على تحويل السكريات إلى زيوت وتخزينها داخل خلاياها. يتم ذلك عبر آلية تُعرف بـ "التحفيز بالإجهاد" أو تغيير المسار الأيضي للخلية:

  1. آلية العمل: عند تقييد كمية النيتروجين الواصلة إلى خلايا الخميرة، تتوقف الخلايا عن النمو والانقسام. في هذه الحالة، وبدلاً من التكاثر، تقوم الخلية بتحويل السكر المتاح إلى جزيئات دهنية (Lipids) لتخزين الطاقة.
  2. النتيجة: تتضخم نسبة الدهون المخزنة لتشكل جزءاً كبيراً من وزن الخلية، قد يصل إلى 70%.

من المعمل إلى المصنع: تحديات الإنتاج

قد تبدو العملية على النطاق المعملي سلسة ومباشرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في نقلها إلى النطاق الصناعي الإنتاجي (Scale-up). فبينما تتميز التجارب المعملية بسهولة التحكم في المتغيرات، يفرض التشغيل الصناعي تحديات متعلقة بحجم الإنتاج، استقرار العملية، وكفاءة استهلاك الموارد.

معضلة الغذاء والاستدامةتعتمد عملية التخمير تقليدياً على مصادر سكرية مثل قصب السكر، البنجر، والنشا (بعد تحلله إنزيمياً). وهنا تظهر إشكالية الاستدامة: استخدام مصادر غذائية لإنتاج الوقود أو الزيوت.لذلك، يتجه القطاع الصناعي حالياً نحو استغلال المخلفات الزراعية (مثل بقايا عصر القصب وكيزان الذرة) كمصدر للكربون، من خلال معالجتها مسبقاً ثم تحليلها إنزيمياً لإنتاج سكريات قابلة للتخمير، مما يحقق جدوى اقتصادية وبيئية في آن واحد.

داخل المفاعلات الحيوية (Bioreactors)

تُجرى عمليات التخمير والنمو الميكروبي داخل مفاعلات حيوية ضخمة، حيث يتم التحكم بدقة في عوامل التشغيل لضمان استقرار العملية:

  • درجة الحرارة والأس الهيدروجيني (pH).
  • معدل التهوية وسرعة التقليب.
  • تقييد نسبة النيتروجين (لتحفيز إنتاج الدهون).

في العمليات الهوائية، يُعد الأكسجين عنصراً حاكماً؛ إذ يؤدي نقصه إلى انخفاض الإنتاج، بينما يساهم التوزيع الجيد للهواء في تحسين كفاءة التفاعل.

الحصاد والاستخلاص

بعد اكتمال عملية التخمير، تصبح خلايا الخمائر مُتخمة بالدهون وأكثر لزوجة. تبدأ هنا مرحلة الحصاد واستخلاص الزيت بإحدى الطرق التالية:

  • الطريقة الميكانيكية: باستخدام مجانس الضغط العالي (High Pressure Homogenizer) لتكسير الخلايا.
  • الطريقة الإنزيمية: استخدام إنزيمات مخصصة لإذابة جدار الخلية.
  • الاستخلاص بالمذيبات: التجفيف ثم استخدام مذيب عضوي مثل الهكسان.

يلي ذلك خضوع الزيت لعمليات التكرير التقليدية لإزالة أي شوائب قبل تعبئته.

رواد الصناعة: نماذج عالمية

بدأت شركات أمريكية وعالمية بالفعل في طرح منتجات تعتمد على هذه التكنولوجيا:

  • شركة Zero Acre Farms (الولايات المتحدة):تُعتبر الأشهر حالياً، حيث أنتجت زيراً يُسمى "Cultured Oil" (الزيت المستنبت) المصنوع بالكامل من تخمير قصب السكر. يتميز باحتوائه على دهون أحادية غير مشبعة بنسبة 93% (أعلى من زيت الزيتون)، ودرجة احتراق عالية جداً (حوالي 250 درجة مئوية).
  • شركة C16 Biosciences (الولايات المتحدة):تركز -بدعم من بيل جيتس- على إنتاج بديل مستدام لـ زيت النخيل. أطلقت العلامة التجارية "Palmless"، وتستخدم السكر لتغذية خمائر تنتج زيتاً يطابق زيت النخيل في خصائصه الفيزيائية والكيميائية.
  • شركة Amyris (البرازيل/ الولايات المتحدة):كانت من الرواد في استخدام قصب السكر البرازيلي لإنتاج جزيئات دهنية مثل "السكوالين" (Squalane) المستخدم في مستحضرات التجميل الفاخرة، كبديل أخلاقي ومستدام لاستخراجه من كبد الحوت.

التكلفة: العقبة الأخيرة

لا تزال تكلفة إنتاج هذه الزيوت مرتفعة مقارنة بالزيوت التقليدية. على سبيل المثال، يُباع زيت Zero Acre Farms حالياً بسعر يتراوح بين 25 إلى 30 دولاراً للزجاجة (470 مل)، مما يجعله أغلى بـ 5 إلى 10 أضعاف من زيوت الذرة والصويا، ويضعه في فئة سعرية تضاهي أفخر أنواع زيت الزيتون.ومع ذلك، شأنها شأن أي تكنولوجيا ناشئة، من المتوقع أن تنخفض التكلفة تدريجياً مع التوسع في الإنتاج وتطور تقنيات المعالجة.

الخلاصة

يكمن التحدي الأكبر أمام "زيوت التخمير" في التكلفة الاقتصادية المرتفعة حالياً. ولكن على الجانب الآخر، توفر هذه التقنية حلاً جذرياً لمشكلة استهلاك الأراضي؛ إذ يُتيح إنتاج الدهون في المفاعلات الحيوية توفير مساحات شاسعة تُزرع حالياً بمحاصيل زيتية، ليعاد استخدامها في زراعة محاصيل غذائية أكثر أهمية للأمن الغذائي العالمي.

أقرأ إيضا

النشرة البريدية

تواصل معانا وتابعنا على منصات التواصل الإجتماعي

Tiktok logolinkedin logoinstagram logofacebook logoyoutube logoX logoEmail icon
.Copyright Zyotwdhon. All Rights Reserved ©