.png)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
هل كنت تعلم أن سر النعومة يكمن في "الشوائب"؟
هل تخيلت يومًا أن قطعة الشيكولاتة التي تذوب في فمك بنعومة، أو كريم البشرة الذي يمنحك ترطيبًا فائقًا، يدينان بخصائصهما الوظيفية لمركبات كانت تُعد في يومٍ ما مجرد "شوائب" داخل زيت نباتي خام؟
في عالم تكرير الزيوت الحديث، لم تعد العملية تقتصر على تنقية الزيت للحصول على منتج غذائي صافٍ، بل تحولت إلى منظومة متكاملة لاستخلاص مكونات عالية القيمة، يأتي في مقدمتها الليسيثين (Lecithin)، المعروف علميًا باسم الفوسفوليبيدات (Phospholipids).
في عالم الصناعات الحديثة، لا تُقاس قيمة المواد الخام بما نراه منها فقط، بل بما يمكن استخلاصه منها بذكاء. الليسيثين مثال حي على ذلك؛ مركب طبيعي يبدأ رحلته داخل زيت فول الصويا، ليصبح عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه في استقرار الشيكولاتة، نعومة المخبوزات، وكفاءة مستحضرات التجميل.
وبين العلم والتطبيق، تقف تكنولوجيا إزالة الصموغ كحلقة الوصل التي حوّلت ما كان يُعد شوائب تكنولوجية إلى قيمة مضافة حقيقية تخدم الغذاء والتجميل معًا، وتعيد تعريف مفهوم تكرير الزيوت في الصناعة الحديثة.
لقد تحولت هذه المركبات، التي كانت تُعرف صناعيًا باسم الصموغ (Gums) وتُعد عائقًا أمام استقرار الزيت وجودته، إلى مادة استراتيجية ذات قيمة اقتصادية وتكنولوجية عالية. وتبرز هذه الأهمية بشكل خاص في زيت فول الصويا، نظرًا لارتفاع محتواه من الفوسفوليبيدات، مما يجعله المصدر الصناعي الأول عالميًا لإنتاج الليسيثين الغذائي.
وتشير المراجع الصناعية المعتمدة، مثل AOCS وFAO، إلى أن الفوسفوليبيدات تُعد من أكثر المكونات غير الجلسريدية تأثيرًا على كفاءة التكرير وجودة الزيت النهائي، فضلًا عن كونها جسرًا اقتصاديًا يربط بين صناعة الزيوت الغذائية وصناعات الأغذية الوظيفية، والمستحضرات الدوائية والتجميلية.
تتفاوت الزيوت النباتية الخام في محتواها من الفوسفوليبيدات (الصموغ) بناءً على نوع المصدر النباتي وطريقة الاستخلاص:
أما من الناحية التجارية، فيتم إنتاج الليسيثين بشكل أساسي من زيت فول الصويا، وذلك نظراً لجدواه الاقتصادية المرتفعة ومحتواه العالي من الفوسفوليبيدات ذات الطبيعة المعقدة التي تمنحه خصائص استحلابية متميزة. وعلى الرغم من إمكانية إنتاجه من عباد الشمس أو بذور اللفت، إلا أن لسيثين الصويا يظل المنتج المهيمن عالمياً في الصناعات الغذائية والدوائية.
تبدأ رحلة الجودة الحقيقية للزيت بخطوة محورية تُعرف باسم إزالة الصموغ (Degumming). هذه المرحلة ليست مجرد إجراء فني تمهيدي، بل تمثل قرارًا استراتيجيًا يحدد كفاءة عمليات التكرير اللاحقة، وجودة الزيت النهائي، وإمكانية تعظيم القيمة المضافة من المنتج الزيتي الخام. فمن خلالها يتم الفصل بين ما يُعد شوائب غير مرغوب فيها داخل الزيت، وما يمكن تحويله إلى منتج صناعي مستقل عالي القيمة.
تعتمد هذه التقنية، وهي الأوسع انتشارًا صناعيًا، على استغلال الطبيعة المحبة للماء للفوسفوليبيدات القابلة للذوبان فى الماء (Hydratable Phospholipids – HP)، وتُعد المصدر الأساسي لإنتاج الليسيثين الغذائي عالميًا. وتتم العملية عبر خطوات تشغيلية دقيقة تشمل:
الناتج النهائي من هذه العملية هو لسيثين خام ذو لون عسلي مميز، يُعد مادة استحلاب طبيعية تُستخدم على نطاق واسع في الشيكولاتة، الحلويات، المخبوزات، منتجات الألبان، إضافة إلى التطبيقات الدوائية والتجميلية. وتمتاز هذه الطريقة ببساطتها، وانخفاض تكلفتها، وكونها صديقة للبيئة لعدم اعتمادها على كيماويات قاسية.
على الرغم من كفاءة الإزالة المائية، فإنها لا تكفي وحدها لتحقيق النقاء المطلوب للزيت، إذ تبقى فئة أخرى من الفوسفوليبيدات تُعرف بـ "غير القابلة للذوبان فى الماء" (Non-Hydratable Phospholipids – NHP). هذه المركبات تكون مرتبطة بأيونات الكالسيوم والمغنيسيوم في صورة معقدات مستقرة، لا تستجيب للماء، وتمثل تحديًا حقيقيًا أمام عمليات التكرير.
الإزالة الحمضية (Acid Degumming):لمواجهة هذا التحدي، تُستخدم الإزالة الحمضية كخطوة تكميلية، حيث يتم حقن أحماض غذائية مناسبة مثل حمض الفوسفوريك أو الستريك بعد الإزالة المائية. يعمل الحمض كعامل خالب يفك ارتباط الصموغ بالمعادن، محولًا إياها إلى صورة قابلة للفصل بالطرد المركزي. وتؤدي هذه المعالجة إلى خفض محتوى الفوسفور في الزيت إلى مستويات تتراوح بين 30–80 جزءًا في المليون (ppm)، مما يحسن كفاءة التبييض والتكرير اللاحق، علمًا بأن هذه المرحلة لا تستهدف استخلاص الليسيثين، بل تهدف أساسًا إلى تحسين جودة الزيت.
تمثل الإزالة الإنزيمية ذروة التطور في تكنولوجيا إزالة الصموغ، حيث انتقلت المعالجة من الفصل الفيزيائي والكيميائي إلى التحليل البنيوي الدقيق لجزيئات الفوسفوليبيدات. وقد تبنت كبرى مصانع زيت فول الصويا عالميًا هذه التقنية خلال العقدين الأخيرين لما تحققه من تكامل فريد بين الجودة، والربحية، والاستدامة.
تتيح هذه المنظومة الإنزيمية الوصول إلى محتوى فوسفور يقل عن 5 ppm، وهو المستوى المطلوب للانتقال إلى التكرير الفيزيائي الحديث، بما يحققه من استقرار تأكسدي مرتفع، ومنع ارتداد اللون، وتقليل الاعتماد على المواد الكيميائية.
لا تتوقف قيمة الليسيثين عند كونه منتجاً ثانوياً لعملية التكرير، بل يمتد تأثيره ليكون "حجر الزاوية" في قائمة مكونات آلاف المنتجات التي نستخدمها يومياً. وتتجلى براعة هذا المكون في قدرته الفائقة على دمج السوائل التي لا تمتزج عادة (مثل الزيت والماء)، مما يجعله مادة استراتيجية في القطاعات التالية:
إن الليسيثين ليس مجرد ناتج جانبي لعملية تكرير، بل هو نموذج تطبيقي لكيف يمكن للعلم والهندسة أن يعيدا صياغة القيمة داخل الصناعة. فمن خلال فهم دقيق لتركيب الفوسفوليبيدات وتطويع تقنيات فصلها وتحويلها، تتحول قطرة الزيت الخام إلى منصة لإنتاج مكوّنات وظيفية عالية التأثير تمتد تطبيقاتها من الغذاء إلى مستحضرات التجميل.
وهكذا، تصبح إزالة الصموغ أكثر من خطوة تشغيلية، لتغدو استثمارًا معرفيًا وصناعيًا يحقق جودة أعلى، عائدًا اقتصاديًا أفضل، وصناعة أكثر كفاءة واستدامة.
باختصار: الليسيثين ليس مجرد ناتج ثانوي، بل هو برهان على أن العلم عندما يلتقي بالصناعة، يمكنه تحويل "الشوائب" إلى محركات للنمو والابتكار.