رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
شهد العقد الأخير تحولاً جذرياً في مفهوم المهرجانات والمسابقات المخصصة لزيت الزيتون؛ فلم تعد مجرد فعاليات احتفالية موسمية أو مناسبات اجتماعية عابرة، بل تطورت لتصبح أداة استراتيجية فاعلة في تطوير القطاع، ورفع جودة الإنتاج، وتعزيز القدرة التنافسية محلياً وإقليمياً ودولياً.
ففي ظل اشتداد المنافسة العالمية، وتزايد حساسية الأسواق تجاه معايير الجودة والسلامة، تمثل هذه الفعاليات منصة متكاملة تجمع بين التقييم العلمي الدقيق، والتسويق الذكي، وبناء السمعة التجارية المستدامة.
أولاً: المسابقات كآلية لرفع الجودة ومعايرة الأداء
تقوم المسابقات المتخصصة على منهجيات تقييم حسية وكيميائية دقيقة، وفق قواعد التقييم المعمول بها دولياً، وعلى رأسها ما يرتبط بمنظومة المجلس الدولي للزيتون (IOC)، إلى جانب المتطلبات التنظيمية لأسواق الاستيراد (مثل الاتحاد الأوروبي).
هذا الإطار العلمي الصارم يخلق بيئة تنافسية حقيقية تدفع المنتجين إلى مراجعة وتحسين ممارساتهم في كافة مراحل الإنتاج:
- الإكثار والزراعة: التركيز على اختيار الأصناف المناسبة وكثافة الزراعة المثلى.
- توقيت الحصاد وطرق الجني: الاتجاه نحو الجني المبكر للحفاظ على النكهات والمركبات الفينولية.
- كفاءة الاستخلاص: استخدام التقنيات الحديثة (مثل الطرد المركزي ثنائي أو ثلاثي الأطوار) والتحكم الصارم في درجات الحرارة.
- التحكم في الأكسدة والتخزين: الاعتماد على خزانات الستانلس ستيل المعزولة بالنيتروجين.
- الالتزام بالمواصفات القياسية: مطابقة معايير الحموضة، ورقم البيروكسيد، ومعاملات الامتصاص (K232, K270).
نقطة جوهرية: عندما يدرك المنتج أن تقييمه سيتم وفق معايير موضوعية صارمة، تتحول الجائزة من "ميدالية شرفية" إلى حافز تطوير مستدام للقطاع بأكمله.
مؤشرات الجودة التي تُحسنها المسابقات عملياً
تنعكس هذه الفعاليات على ضبط مؤشرات قابلة للقياس، أهمها:
- الحموضة الحرة (FFA): مؤشر لجودة الثمار وسرعة المعالجة.
- رقم البيروكسيد (PV): يعكس مستوى الأكسدة وحداثة الزيت.
- مؤشرات (K232 & K270): ترتبط بسلامة المعالجة والتخزين.
- العيوب والصفات الحسية: التخلص من العيوب (كالرطوبة والعفن) وتعزيز "هوية الزيت" (الفاكهية، المرارة، الحدة).
ثانياً: المهرجانات كمنصات للتكامل المعرفي
لا تقتصر قيمة الفعاليات على التحكيم، بل تمتد لتكون منصة تفاعلية تحقق أهدافاً استراتيجية:
- نشر ثقافة الجودة: توعية الجمهور بالفروق بين درجات الزيت (بكر ممتاز، بكر، مكرر).
- تمكين المستهلك: التدريب على قراءة الملصقات وتجنب الغش التجاري.
- تبادل الخبرات التقنية: مساحة لنقل المعرفة وحل المشكلات الفنية بين المنتجين.
- جذب الاستثمارات: تعريف المستثمرين بفرص مثل المعاصر الحديثة أو السياحة الزراعية.
ثالثاً: تعزيز التصدير وبناء العلامة الوطنية (Place Branding)
في الأسواق الدولية المزدحمة، تلعب الجوائز دور "شهادة الثقة". حصول منتج على ميدالية في مسابقة مرموقة (مثل NYIOOC في نيويورك، أو Mario Solinas) يمنحه:
- قيمة تسويقية مضافة: ودعماً لملفه أمام سلاسل التوزيع الكبرى.
- علاوات سعرية: تشير البيانات إلى أن المنتجات الفائزة قد تحقق هوامش ربح أعلى في أسواق التجزئة والتصدير.
كما تساهم استضافة هذه المهرجانات في الدبلوماسية الاقتصادية، حيث تضع الدولة المنظمة على خريطة الصناعة العالمية كمركز للجودة والتميز.
رابعاً: التعاون الإقليمي ومواجهة التحديات
تُعد الفعاليات فرصة لتأسيس شراكات استراتيجية تؤدي إلى:
- تطوير برامج تدريب مشتركة (تحكيم وإنتاج).
- توحيد المعايير الفنية لتسهيل التجارة البينية.
- تبادل البيانات البحثية حول تحديات مثل التغير المناخي.
- دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة تسويقياً.
خامساً: البعد التنموي والاستدامة
عندما تُدار المهرجانات بشفافية ورؤية اقتصادية، فإنها تحقق أهدافاً تنموية شاملة:
- رفع دخل المزارعين: عبر تحسين الجودة والأسعار العادلة.
- كفاءة الموارد: تقليل الفاقد في المياه والطاقة.
- الزراعة المستدامة: تعزيز الزراعة العضوية والتنوع البيولوجي.
رؤية مستقبلية: خارطة طريق للتطوير
للنهوض الحقيقي بصناعة زيت الزيتون، نقترح الخطوات التالية لتطوير المهرجانات والمسابقات:
- إنشاء هيئة وطنية مستقلة: للإشراف على المسابقات واعتماد المحكمين بنزاهة.
- توثيق النتائج علمياً: نشر البيانات في مجلات محكمة لخدمة البحث والتسويق.
- توسيع المشاركة الدولية: دعوة خبراء عالميين وتوأمة المهرجانات المحلية مع نظيرتها العالمية.
- الربط بالمنصات التجارية: دمج الفعاليات مع البورصات السلعية ومعارض التجزئة.
- جوائز الابتكار والاستدامة: استحداث فئات جديدة لتشجيع التطوير المستمر.
خاتمة: مؤشرات النجاح
لكي لا تبقى هذه الرؤية إطاراً نظرياً، يجب قياس نجاح المهرجانات والمسابقات سنوياً عبر ثلاثة مؤشرات عملية:
- 📊 عدد المحكمين المدربين والمعتمدين حديثاً.
- 🫒 نسبة العينات التي تحقق تصنيف "بكر ممتاز" (حسياً وكيميائياً).
- 🤝 عدد الصفقات التجارية واتفاقات التصدير الناتجة عن الحدث.
عندها فقط.. تتحول الجوائز إلى اقتصاد، وتتحول السمعة إلى أسواق.