.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
وإذا كانت الحلقتان السابقتان 1 و 2 قد رسمتا خريطة نشأة علم الدهون وتطوره، فإن هذه الحلقة تقف عند مهندسي هذا البناء المعرفي؛ العلماء الذين نقلوا الدهون من مادة مألوفة إلى حقل علمي راسخ، ومن موضوع استعمال إلى موضوع اكتشاف وتفسير وتطوير.
حين يصبح الدهن علمًا… وحين تتحول الملاحظة إلى حضارة معرفية
ليست الزيوت والدهون مجرد مواد تدخل في الغذاء أو الصناعة، بل هي عالم كامل من الكيمياء، والبيوكيمياء، والتكنولوجيا، والطب، والاقتصاد. وخلف هذا العالم تقف أسماء عظيمة لم تكتفِ بفهم المادة، بل أعادت تعريفها، وكشفت أسرارها، وفتحت بها أبوابًا واسعة في الغذاء والدواء والصحة العامة.
حين نتأمل مسيرة التقدم في أي صناعة جادة، نجد أن الفارق الحقيقي لا تصنعه الرغبة وحدها، ولا الحماسة وحدها، ولا حتى وفرة الإمكانات المادية وحدها، بل يصنعه قبل ذلك كله العلم. والعلم هنا ليس مجرد معلومات عامة أو معارف متناثرة، بل هو منهج في الفهم، ودقة في التفسير، وقدرة على التشخيص، ومهارة في التحليل، وشجاعة في التطوير، وإصرار على أن تكون القرارات مبنية على معرفة لا على الظن، وعلى خبرة راسخة لا على التقدير العابر.
وفي مجال الزيوت والدهون ومشتقاتها، تتأكد هذه الحقيقة أكثر من غيرها. فهذا القطاع لم يعد ساحة تقليدية يكفي فيها الحدس الصناعي أو الخبرة العامة، بل أصبح مجالًا بالغ التعقيد والتخصص؛ تتداخل فيه كيمياء الأحماض الدهنية، وبنية الجليسريدات، وسلوك التبلور، وآليات الهدرجة، وثبات الأكسدة، وخواص القوام، واعتبارات التغذية الوقائية، واشتراطات السلامة والجودة، ومتطلبات السوق، وتحديات الاستدامة. ومن ثم، فإن أي شركة أو مؤسسة أو مصنع أو جهة بحثية تطمح إلى التطور الحقيقي لا يكفيها أن تملك خطوط إنتاج أو معامل أو طموحات تسويقية؛ بل تحتاج، في الجوهر، إلى فريق قوي متصل بالعلم، وإلى جسور ثابتة مع العلماء والمتخصصين والخبراء والممارسين والمطبقين في هذا المجال.
إن التواصل مع العلماء ليس رفاهية مؤسسية، وليس إضافة شكلية لتحسين الصورة، بل هو من صميم أسباب القوة. فكم من مشكلة في منتج كان حلها في تفسير كيميائي دقيق. وكم من تعثر في الجودة كان وراءه غياب الفهم العلمي العميق. وكم من فرصة للتطوير ضاعت لأن المؤسسة لم تفتح بابها لخبرة متخصصة كان يمكن أن تختصر سنوات من التجربة والخطأ. وعلى الجانب الآخر، كم من مؤسسة تقدمت حين جمعت بين الإدارة الواعية، والخبرة التطبيقية، والرؤية العلمية، فاستطاعت أن تطوّر منتجًا أفضل، وتبني فريقًا أقوى، وتتحرك بثقة أكبر في سوق يتغير بسرعة.
في الوعي العام، تظهر الدهون غالبًا بوصفها مادة غذائية، أو رقمًا في تحليل مخبري، أو عاملًا يرتبط بصحة القلب والتمثيل الغذائي. غير أن هذه الصورة، على شيوعها، لا تكشف إلا ظاهر القصة. فالدهون ليست مجرد مكوّن في الطعام، ولا مجرد موضوع في التحاليل المخبرية، بل هي عالم علمي كامل تشكّل عبر قرون من الفضول الدقيق، والملاحظة الصبورة، والعمل المختبري الذي لم يكتفِ بسطح المادة، بل نفذ إلى بنيتها، وتفاعلاتها، ووظائفها الحيوية، وآثارها الصناعية والطبية.
ولعل ما يمنح تاريخ علم الدهون فرادته أن هذا العلم لم يولد دفعة واحدة، ولم يُصنع في مختبر واحد، ولم يتأسس على يد عالم واحد، بل نشأ بالتراكم. بدأ من سؤال كيميائي بسيط عن مكوّن خفي في الزيت، ثم اتسع إلى تفسير التصبن، ثم إلى فهم الأحماض الدهنية والجليسريدات، ثم إلى استيعاب مسارات الكوليسترول داخل الخلية، ثم إلى اكتشاف الأدوية الخافضة له، ثم إلى ربط نوعية الدهون الغذائية بالصحة العامة والوقاية القلبية الوعائية.
وهكذا، فإن تاريخ الدهون ليس تاريخ مادة خاملة، بل تاريخ أسئلة كبرى: ممّ يتكوّن الدهن؟ كيف يُبنى؟ كيف يتبدل؟ كيف يصنعه الجسم؟ كيف يختل توازنه؟ وكيف يتحول من عنصر غذائي إلى مفتاح لفهم المرض والعلاج والوقاية؟
يُعد كارل فيلهيلم شيله من أوائل من فتحوا الباب الحقيقي لفهم التركيب الكيميائي للدهون، حين عزل الجليسرول لأول مرة، ولفت الانتباه إلى ذلك “المبدأ الحلو” الكامن في المادة الدهنية. وقد يبدو هذا الاكتشاف، في ظاهره، مجرد إضافة إلى سجل المركبات المعروفة، لكنه في جوهره كان أول خيط واضح يُفضي إلى فهم بنية الدهون الطبيعية.
فالجليسرول لم يكن مجرد ناتج جانبي أو مادة ذات طعم مميز، بل اتضح لاحقًا أنه العمود البنائي لكثير من الدهون الطبيعية، وأن فهمه يفتح الطريق إلى فهم الجليسريدات نفسها، وما يتفرع عنها من ظواهر كيميائية وتطبيقات صناعية. ومن هنا، فإن شيله لم يكتشف مادة فحسب، بل كشف أول باب علمي يمكن النفاذ منه إلى عالم الدهون.
ويزداد هذا الإنجاز بريقًا حين نتذكر أن شيله لم يكن باحثًا منغلقًا على هذا الملف وحده، بل كيميائيًا موسوعيًا واسع الأفق. ولذلك تبدو قصته مثالًا مبكرًا على أن الاكتشاف الكبير قد يبدأ من عين علمية دقيقة، تلتقط من الملاحظة الصغيرة معناها البعيد.
إذا كان شيله قد قدّم المفتاح الأول، فإن ميشيل-أوجين شيفرول هو الذي منح هذا الحقل هيكله العلمي الصارم. فقد أثبت أن الدهون ليست مادة متجانسة غامضة، بل مركبات يمكن تحليلها وفهمها وردّها إلى مكوّناتها الأساسية. ومن خلال أعماله الرائدة، ترسخ الفهم القائل إن الدهون هي غليسيريدات لأحماض عضوية، وإن التصبن ليس مجرد ظاهرة صناعية معروفة بالتجربة، بل عملية كيميائية قابلة للتفسير الدقيق.
وعلى يديه دخلت إلى لغة هذا العلم أسماء أصبحت لاحقًا من أساسياته، مثل حمض الأوليك وحمض الستياريك وغيرهما من الأحماض الدهنية التي شكّلت أبجدية الكيمياء الدهنية الحديثة. وهنا تكمن عظمته الحقيقية: لم يكن شيفرول مجرّد مكتشف لبعض الأحماض أو مفسر لبعض التفاعلات، بل كان من أولئك الذين أعادوا ترتيب المشهد كله، ونقلوا الدهون من خانة المادة المستعملة إلى خانة المادة المفهومة.
لقد منح شيفرول علم الدهون لغته، وحدوده، ومفاهيمه المؤسسة. ولذلك فإن ذكره في تاريخ هذا العلم ليس ترفًا توثيقيًا، بل ضرورة معرفية؛ لأنه من دون أعماله كان سيظل هذا المجال فترة أطول أسير الوصف العام والممارسة غير المؤطّرة.
بعد أن توضحت بنية الدهون على نحو أفضل، جاء مارسيلان برتلو ليطرح السؤال الذي ينقل العلم من الفهم إلى الصنع: إذا كانت الدهون مركبات معروفة البنية، فلماذا لا يمكن إعادة بنائها في المختبر؟
هنا برزت قيمة برتلو بوصفه واحدًا من العلماء الذين لم يكتفوا بتفسير ما تصنعه الطبيعة، بل حاولوا محاكاته وإعادة تركيبه. فقد مثّلت أعماله لحظة علمية وفكرية فارقة، حين برهن على إمكان تخليق الجليسريدات اصطناعيًا، مؤكدًا أن فهم التركيب لا يفضي فقط إلى الشرح، بل إلى القدرة على البناء أيضًا.
وكان لهذا التحول دلالته العلمية العميقة؛ إذ أسهم في تحرير الكيمياء العضوية من بعض التصورات القديمة التي كانت تضع حدًا فاصلاً بين ما تنتجه الحياة وما يستطيع المختبر أن يصنعه. وبذلك انتقل علم الدهون من مرحلة التحليل إلى مرحلة التخليق، ومن حقل الوصف إلى حقل القدرة.
إن برتلو، في هذا السياق، لا يمثل مجرد اسم لامع في تاريخ الكيمياء، بل يمثل اللحظة التي أدرك فيها العلم أن الدهون ليست فقط موضوعًا للفهم، بل موضوعًا للتصميم وإعادة الصياغة. وهي خطوة ستنعكس لاحقًا على تطور الصناعات الدهنية والمواد الوظيفية وتطبيقات كثيرة في الغذاء والصناعة.
مع مطلع القرن العشرين، انتقل علم الدهون من المختبر التحليلي إلى ساحة الصناعة الكبرى، وكان فيلهيلم نورمان أحد أبرز من صنعوا هذا التحول. فقد ارتبط اسمه بتطوير هدرجة الزيوت والدهون، وهي العملية التي أتاحت تحويل الزيوت السائلة غير المشبعة إلى مواد أكثر صلابة وثباتًا، فاتحةً بذلك الباب أمام توسع صناعات المارغرين والشورتنينج وسائر المنتجات الدهنية الصناعية الحديثة.
ولا يمكن المبالغة في تقدير الأثر الصناعي لهذا الإنجاز. فالهدرجة لم تكن مجرد حل تقني محدود، بل كانت أداة أعادت تشكيل طريقة تعامل الصناعة الغذائية مع القوام والثبات والعمر التخزيني والتكلفة الاقتصادية. ومن هنا دخلت الدهون طورًا جديدًا: لم تعد فقط مواد تُستخلص من الطبيعة، بل أصبحت مواد يمكن تعديل خواصها لتخدم أغراضًا تكنولوجية وصناعية واضحة.
غير أن قصة نورمان لا تكتمل إلا بوجهها الآخر. فما بدا في زمنه اختراعًا عبقريًا بالغ النفع، أصبح في زمن لاحق موضوعًا لنقد صحي واسع حين كُشف الارتباط بين بعض تطبيقات الهدرجة الجزئية وتكوّن الدهون المتحوّلة. وهكذا تكتسب سيرته قيمة إضافية؛ لأنها تذكّرنا بأن الإنجاز العلمي قد يكون عظيمًا في ظرفه التاريخي، ثم تكشف الأجيال التالية حدوده الصحية أو التنظيمية.
إن نورمان، بهذا المعنى، لا يقف في تاريخ الدهون بوصفه مجرد مخترع، بل بوصفه رمزًا لمرحلة انتقل فيها هذا العلم من فهم المادة إلى هندسة خصائصها، بكل ما حمله ذلك من مكاسب صناعية وأسئلة صحية لاحقة.
إذا كان بعض العلماء يصنعون المنعطفات الكبرى، فإن بعضهم الآخر يصنع البنية المرجعية التي يستند إليها العلم طويلًا. وهذا ما مثّله توماس بيرسي هيلديتش في تاريخ الدهون. فقد ارتبط اسمه بفهم التركيب الكيميائي للدهون والزيوت الطبيعية على نحو شامل، وأصبح مرجعًا كلاسيكيًا في هذا الباب، لا سيما من خلال أعماله التي جمعت المادة العلمية المتناثرة وربطت بين مصادر الدهون الطبيعية وتكوينها الدقيق.
لم يكن هيلديتش صاحب اكتشاف مفرد من النوع الذي يلمع سريعًا في السرد التاريخي، لكنه كان صاحب دور أعمق وأكثر رسوخًا: دور العالم الذي يرسم خريطة المجال كله. فقد أعطى الباحثين إطارًا مرجعيًا واسعًا لفهم توزيع الأحماض الدهنية والجليسريدات في المصادر النباتية والحيوانية، وساعد على تحويل المعرفة المتفرقة إلى بنية منظمة قابلة للتدريس والبحث والمقارنة.
ومن هنا، فإن قيمته لا تُقاس بحدث واحد، بل بتأثيره التراكمي في نضج الحقل نفسه. لقد منح علم الدهون مرجعيته الواسعة، ورفع هذا الحقل من مرحلة النتائج الجزئية إلى مرحلة الرؤية المنهجية الشاملة.
مع منتصف القرن العشرين، تغيّر السؤال المركزي في علم الدهون. لم يعد الاهتمام مقتصرًا على ممّ تتكون الدهون، بل أصبح: كيف يصنعها الجسم؟ وكيف يضبطها؟ وكيف تتداخل في اقتصاده الحيوي؟
في هذا السياق، جاء عمل كونراد بلوك وفيودور لينن ليشكّل نقلة نوعية في فهم أيض الكوليسترول والأحماض الدهنية. فقد كشفا آليات وتنظيمات أساسية في هذا الباب، ونقلا علم الدهون إلى قلب البيوكيمياء الوظيفية. فالدهون، في ضوء هذه الأعمال، لم تعد كيانًا ساكنًا، بل أصبحت حركة مستمرة: تصنيعًا، وتحويلًا، وضبطًا، واختلالًا.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه ربط بين الكيمياء الحيوية والمرض والعلاج. فمن خلال فهم المسارات، صار بالإمكان التفكير في نقاط التدخل الدوائي، لا الاكتفاء بالملاحظة والوصف. وهكذا منح بلوك ولينن علم الدهون بعده الخلوي الحيوي، وربطا بين المادة ووظيفتها واضطرابها.
ثم جاءت محطة حاسمة أخرى مع جوزيف ل. غولدشتين ومايكل س. براون، اللذين غيّرا فهم العالم لاضطرابات الكوليسترول حين كشفا دور مستقبلات LDL وآليات تنظيم الكوليسترول داخل الخلية. وبفضل أعمالهما، لم يعد ارتفاع الكوليسترول مجرد رقم في التقرير التحليلي أو أثر مبهم لعوامل غذائية ووراثية متداخلة، بل صار مسألة خلوية دقيقة يمكن تفسيرها في ضوء مستقبلات محددة وآليات ضبط واستجابة منظمة.
لقد أظهرت أبحاثهما كيف يشارك مستقبل LDL في الامتصاص الخلوي للكوليسترول، وكيف يؤدي اضطرابه الوراثي إلى اختلالات شديدة في الاستقلاب. ومن هنا أصبحت دراسة بعض الحالات الوراثية النادرة مدخلًا إلى فهم قانون بيولوجي عام يخص ملايين البشر.
إن ما قدّمه غولدشتين وبراون لم يكن فقط إضافة إلى ملف الكوليسترول، بل كان نقلًا لهذا الملف إلى مستوى أعلى من الدقة؛ من التوصيف إلى التفسير، ومن الملاحظة إلى الآلية، ومن القلق السريري العام إلى الفهم الخلوي المحدد.
إذا كان من سبقوه قد رسموا الخريطة الحيوية للكوليسترول، فإن أكيرا إندو هو الذي حول هذا الفهم إلى منعطف دوائي تاريخي. فقد انطلق من فكرة علمية شديدة الذكاء: أن الطبيعة، وبخاصة الفطريات والكائنات الدقيقة، قد تحمل مركبات قادرة على تثبيط إنزيمات مركزية في تصنيع الكوليسترول. ومن خلال بحث دؤوب في آلاف العزلات الميكروبية، توصّل إلى المركبات التي مهّدت لظهور الستاتينات.
وهنا بدأ عصر جديد في تاريخ الدهون والطب القلبي الوعائي. فالستاتينات لم تكن مجرد أدوية خافضة للكوليسترول، بل كانت تعبيرًا عمليًا عن نضج علم الدهون نفسه: حين يفهم العلم المسار الحيوي بدقة، يمكنه أن يتدخل فيه دوائيًا على نحو هادف وفعّال.
وتكمن عظمة إندو أيضًا في طبيعة الرؤية التي قادته. فهو لم يبحث في الطبيعة بوصفها مستودعًا للمواد فقط، بل بوصفها شريكًا في توليد الحلول. ومن هنا أصبح اسمه ملازمًا لبداية واحدة من أهم الفئات الدوائية في الطب الحديث.
في السبعينيات، برز اسما هانس أولاف بانج ويورن دايربيرج في واحد من أكثر فصول علم الدهون جاذبية واتساعًا. فقد قادتهما الملاحظة السكانية والاهتمام بأنماط الغذاء في بعض المجتمعات القطبية إلى فتح ملف الأحماض الدهنية البحرية طويلة السلسلة، وعلى رأسها EPA وDHA، وهو الملف الذي سيتحول لاحقًا إلى أحد أبرز موضوعات التغذية الوقائية والبحث البيوكيميائي.
تكمن قيمة هذه المرحلة في أنها أضافت إلى علم الدهون بعدًا جديدًا: البعد الذي يصل بين الغذاء التقليدي في مجتمع بعينه، وبين أسئلة الصحة العامة والآليات الحيوية. ومن هنا لم تعد الدهون موضوعًا يخص المختبر وحده، بل أصبحت أيضًا موضوعًا للملاحظة السكانية، والتفسير الوبائي، والتطبيق الغذائي.
وصحيح أن أبحاث أوميغا-3 تطورت لاحقًا كثيرًا، وأن بعض تفسيرات البدايات خضع للمراجعة والتدقيق، لكن الفضل التاريخي لبانج ودايربيرج يظل ثابتًا: لقد نقلا هذا الملف من هامش الملاحظة إلى مركز الاهتمام العلمي العالمي، وفتحا بابًا واسعًا لبحث العلاقة بين الدهون الثلاثية، والالتهاب، وصحة القلب والأوعية.
أما أنسيل كيز، فقد مثّل الانتقال الحاسم بعلم الدهون من المختبر والعيادة إلى فضاء الصحة العامة. فقد ارتبط اسمه بدراسة البلدان السبعة، وهي من أشهر الدراسات الوبائية في تاريخ التغذية وأمراض القلب، وأسهمت في ترسيخ فكرة أن نوعية الدهون الغذائية ليست تفصيلًا ثانويًا في النظام الغذائي، بل عاملًا يمكن أن ينعكس على معدلات الأمراض القلبية الوعائية عبر المجتمعات.
كما لعب دورًا بارزًا في إبراز النمط الغذائي المتوسطي في الأدبيات العلمية الحديثة، وتحويله من مجرد ملاحظة ثقافية غذائية إلى نموذج محل اهتمام بحثي وصحي عالمي. ومن هنا لم يعد الحديث عن الدهون مقتصرًا على بنيتها الكيميائية أو مساراتها الحيوية، بل اتسع ليصبح حديثًا عن نمط الحياة، والغذاء، والوقاية، والسياسات الصحية.
أ.د. عادل جبر عبدالرازق أستاذ ورئيس قسم الزيوت والدهون بالمركز القومي للبحوث، ومتخصص في بحوث وتطوير الزيوت والدهون ومشتقاتها. وهو عضو Euro Fed Lipid، ونائب رئيس الجمعية المصرية لسلامة الغذاء، وعضو مجلس إدارة الجمعية العلمية للصناعات الغذائية، ومستشار إقليمي لمنظمة الصحة العالمية WHO، وعضو في اللجان الفنية بـEOS وNFSA وEGAC، وخبير واستشاري لدى مركز تحديث الصناعة. (2)
حين نتأمل هذا التاريخ المتصل، ندرك أن علم الزيوت والدهون لم يُبنَ دفعة واحدة، ولم يصعد إلى مكانته الراهنة بالمصادفة، بل قام على التراكم، وعلى احترام السؤال العلمي، وعلى التواصل بين الفهم والتطبيق. من الجليسرول إلى الأحماض الدهنية، ومن التصبن إلى الجليسريدات، ومن الهدرجة إلى التكنولوجيا الصناعية، ومن الكوليسترول إلى المستقبلات والإنزيمات، ومن الستاتينات إلى الوقاية، ومن أوميغا-3 إلى الصحة العامة؛ نرى بوضوح أن كل مرحلة من مراحل هذا العلم كانت ثمرة عقلٍ بحث، وتجربةٍ اختبرت، ومنهجٍ صبر حتى يصل.
والخلاصة الأهم أن من أراد أن ينهض بقطاع الزيوت والدهون، أو يطوّر بحوثه، أو يقوي فريق شركته، أو يرفع جودة منتجاته، فلا سبيل له إلا بالأخذ الجاد بأسباب العلم. لا تطوير حقيقي بلا بحث، ولا جودة راسخة بلا فهم، ولا قدرة على المنافسة بلا تعاون أصيل مع العلماء والمتخصصين والخبراء والممارسين والمطبقين. إن قوة أي مؤسسة في هذا المجال لا تُقاس فقط بما تملكه من معدات أو خطوط إنتاج أو طموحات تسويقية، بل تُقاس كذلك بمدى اتصالها بالعقول العلمية، وبقدرتها على تحويل المعرفة المتخصصة إلى حلول عملية، والتجربة البحثية إلى قيمة صناعية، والرؤية الأكاديمية إلى أثر ملموس في السوق والمنتج والجودة.
إننا بحاجة إلى ثقافة مؤسسية جديدة تجعل الباحث شريكًا في البناء، لا اسمًا يُستدعى عند الضرورة؛ وتجعل الخبير عنصرًا أصيلًا في التطوير، لا مجرد إضافة شكلية؛ وتجعل من البحث العلمي استثمارًا استراتيجيًا، لا عبئًا يمكن تأجيله. وحين تتشكل هذه الثقافة، يصبح من الممكن أن تتقوى فرق العمل، وأن تتحسن برامج البحث والتطوير، وأن ترتفع جودة المنتجات، وأن تتسع آفاق الابتكار في مجال الزيوت والدهون ومشتقاتها.
ولهذا، فإن الدعوة اليوم ليست إلى الإعجاب بتاريخ العلماء فقط، بل إلى الاقتداء بمنهجهم: أن نسأل بصدق، وأن نبحث بدقة، وأن نطوّر بشراكة، وأن نربط الصناعة بالعلم، والتطبيق بالمعرفة، والطموح بالمنهج. تلك هي الطريق الأجدر لمستقبل أقوى لهذا القطاع، ولحضور عربي أرسخ في البحث والتطوير والإنتاج.