.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
"قبل أن تصبح الزيوت والدهون محوراً للجدل الغذائي المعاصر، كانت قد قطعت رحلة مذهلة من قلب الحياة ذاتها. بدأت القصة من 'صابون' الحضارات الأولى، ثم تعمقت لتكشف دور الدهون كحجر زاوية في بناء خلايانا، وصولاً إلى ابتكار البدائل الصناعية وصياغة أدق الأسئلة حول الصحة والتغذية. هذه ليست مجرد قصة مادة للطهي؛ بل هي رحلة علمٍ كشف أن ما نراه بسيطاً في مطابخنا، هو في حقيقته أحد أعمدة الوجود الإنساني، ومفتاحٌ جوهري لصناعة وغذاء المستقبل."
حين تُذكر الزيوت والدهون، ينصرف الذهن غالبًا إلى الطعام والسعرات الحرارية والكوليسترول. لكن هذا الاختزال لا يليق بمادة تسكن الخلية، وتدخل في بنية الدماغ، وتشارك في تنظيم الالتهاب والمناعة والهرمونات، وتحضر في أجسام جميع الكائنات الحية، من الكائنات الدقيقة إلى النبات والحيوان والإنسان.
ومن هنا، فإن تاريخ علم الدهون ليس مجرد حكاية مادة غذائية، بل مسار علمي طويل انتقل فيه الإنسان من الملاحظة إلى الفهم، ومن الاستخدام إلى التفسير، ومن التفسير إلى إعادة التشكيل والتطبيق الصناعي. وفي هذا المقال، نتابع البدايات الكبرى لهذا العلم: كيف ظهرت أولى تطبيقاته، وكيف تشكلت الكيمياء الدهنية الحديثة، وكيف غيّرت الدهون فهمنا للخلية والغذاء والصحة.
تكمن أهمية الزيوت والدهون في أنها لا تقف عند حدود الغذاء وحده. فالدماغ البشري، في وزنه الجاف، غني بالدهون، وأغشية الخلايا كلها ذات طبيعة دهنية منظمة، والجرام الواحد من الدهون يمنح طاقة تفوق ما تمنحه البروتينات أو الكربوهيدرات. كما أن الزيوت والدهون تمثل قاعدة واسعة لتطبيقات تمتد من الغذاء إلى الدواء والتجميل والمنظفات والوقود الحيوي.
ومن المهم هنا تصحيح تصور شائع يختزل الزيوت والدهون في عبوة زيت أو قالب سمن؛ فهي ليست مجرد منتجات استهلاكية منفصلة، بل مكوّن أساسي في صميم الحياة. فهي حاضرة في أجسام جميع الكائنات الحية، وتشارك في بناء الخلايا، وتنظيم الوظائف الحيوية، وحفظ كفاءة البنية والتمثيل، كما تحضر في عدد لا يكاد يُحصى من الأغذية بصور طبيعية أو مضافة.
وإذا وسّعنا زاوية النظر أكثر، وجدنا أن الزيوت والدهون لا يمكن فهمها بمعزل عن بقية المكونات الأساسية للحياة. فبناء الكائنات الحية ووظائفها يقوم على تكامل منظومة دقيقة تضم الدهون والبروتينات والكربوهيدرات والفيتامينات والعناصر المعدنية والماء. فالدهون تبني الأغشية الخلوية، وتنقل الإشارات الحيوية، وتحمل الفيتامينات الذائبة في الدهن، وتشارك في تنظيم العمليات الأيضية.
لعل أبلغ طريقة لفهم مكانة الدهون أن نتخيل المشهد المعاكس تمامًا: ماذا لو أزلنا كل الدهون من جسم الإنسان، ومن الأغذية التي تحتوي عليها بطبيعتها، ومن تلك التي تُضاف إليها أثناء التصنيع؟
عندئذ لا نحذف مكوّنًا غذائيًا فحسب، بل نمسّ واحدًا من الأركان الخفية التي تقوم عليها الحياة نفسها.
ومن هنا يتضح أن الدهون ليست عبئًا على الحياة، بل جزء من نظام دقيق تتكامل فيه البنية والوظيفة، وأن فهمها الرشيد، لا إقصاءها، هو الطريق إلى التوازن الصحي والغذائي الحقيقي.
ومن تمام هذا الفهم الرشيد، ألا ننظر إلى الزيوت والدهون بمنطق الإقصاء أو بمنطق النوع الواحد، بل بمنطق التنويع المتزن بين مصادرها المختلفة. فالزيوت والدهون، سواء جاءت من مصادر نباتية أو حيوانية أو بحرية، لا تُقاس قيمتها بالأسماء الشائعة وحدها، بل بجودة مصدرها، وسلامة إنتاجها، وتركيبها، وملاءمتها للغرض الغذائي أو التصنيعي.
وهنا تبرز حكمة التنويع؛ إذ لا تختزل الطبيعة ولا التغذية السليمة في مصدر واحد، بل في توازن يفتح المجال لتعدد الأحماض الدهنية والمركبات المصاحبة والخصائص الوظيفية والحسية، ضمن إطار تحكمه معايير الجودة والمأمونية.
قبل آلاف السنين، في حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة، عرف الإنسان بالتجربة أن مزج الدهون الحيوانية أو الزيوت مع مواد قلوية مشتقة من الرماد يعطي مادة ذات قدرة تنظيفية. وهكذا ظهر، في صورته البدائية، أول تعامل عملي مع كيمياء الدهون: التصبين.
ولم يكن القدماء يملكون لغة الجزيئات أو مفاهيم الأحماض الدهنية والجليسرول، لكنهم امتلكوا الملاحظة العملية. لقد استخدموا ناتج التفاعل قبل أن يعرفوا تفسيره بآلاف السنين.
إذا كانت المرحلة القديمة قد كشفت الجانب التطبيقي للدهون، فإن مطلع القرن التاسع عشر شهد النقلة الحقيقية من الاستخدام إلى الفهم. فقد جاء التحول الكبير على يد الكيميائي الفرنسي ميشيل أوجين شيفرول عام 1813، حين أثبت أن الدهون ليست كتلة واحدة مبهمة، بل مركبات تتكون من الجليسرول والأحماض الدهنية.
وبهذا الاكتشاف انتقل علم الدهون من الوصف الخارجي إلى الفهم البنيوي. كما أسهم شيفرول في توصيف الكوليسترول كيميائيًا نحو عام 1815. ويمكن اعتبار هذه اللحظة بحق ميلاد علم الكيمياء الدهنية الحديثة.
بعد أن ترسخ الفهم الكيميائي للدهون، جاء أوائل القرن العشرين بمحطة شديدة التأثير. فقد أحدثت الهدرجة نقلة صناعية كبرى، إذ أصبح ممكناً تحويل الزيت السائل إلى دهن أكثر صلابة وثباتًا بإضافة الهيدروجين في وجود عامل حفاز. وبدا ذلك إنجازًا مهمًا للصناعة الغذائية من حيث تحسين القوام، وزيادة الثبات، وإطالة العمر التخزيني، وخفض التكلفة.
لكن التاريخ العلمي يذكّرنا بأن النجاح الصناعي لا يكفي وحده للحكم على سلامة الابتكار. فقد اتضح لاحقًا أن الهدرجة الجزئية تؤدي إلى تكوّن الدهون المتحولة، وهي صورة بنيوية ارتبطت بزيادة خطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
في عام 1869، شهدت صناعة الدهون محطة لافتة حين نجح الكيميائي الفرنسي هيبوليت ميج-مورييه في ابتكار المارجرين، استجابةً لحاجة عملية إلى بديل اقتصادي للزبدة الطبيعية. وقد مثّل هذا الابتكار لحظة مهمة في تاريخ الأغذية الدهنية، لأنه كشف مبكرًا قدرة العلم على إعادة تشكيل الدهون لتؤدي وظيفة محددة.
وفي بداياته، اعتمد المارجرين على دهون حيوانية معالجة، ثم تطور لاحقًا ليدخل في تركيبه استخدام الزيوت النباتية. ومع تطور الصناعات الغذائية، اكتسب أهمية كبيرة في مجالات الخَبز والحلويات، لما يوفره من خصائص تقنية مهمة مثل سهولة الفرد، وإمكانية التحكم في نقطة الانصهار.
غير أن هذه المسيرة لم تخلُ من مراجعة علمية مستمرة؛ إذ ارتبطت بعض صور المارجرين التقليدية بالدهون المتحولة، مما دفع لاحقًا إلى إعادة تطويره بصيغ أكثر توافقًا مع المعايير الصحية الحديثة.
من أبرز التحولات الفكرية في تاريخ هذا العلم أن الدهون لم تعد تُفهم فقط بوصفها وقودًا حيويًا، بل بوصفها بنية أساسية للحياة. وقد تبلور هذا الفهم مع نموذج الفسيفساء السائلة الذي قدمه Singer وNicolson عام 1972.
وقد أوضح هذا النموذج أن كل خلية يحيط بها غشاء مكوَّن أساسًا من طبقة مزدوجة من الفوسفوليبيدات (دهون مفسفرة)، تنتظم فيها الرؤوس المحبة للماء نحو الخارج، بينما تتجه الذيول الكارهة للماء إلى الداخل. ومن هنا تبدلت مكانة الدهون في الفكر البيولوجي: أصبحت شرطًا لازمًا لقيام الخلية بوظيفتها.
في سبعينيات القرن العشرين، لفتت الدراسات الانتباه إلى مفارقة مهمة في المجتمعات التي تعتمد على الأسماك (مثل غرينلاند): استهلاك مرتفع للدهون، يقابله وضع صحي ممتاز للقلب.
وقد أسهمت هذه الملاحظات في صعود الاهتمام العلمي بأحماض أوميجا-3 (ولا سيما EPA وDHA)، بوصفها مكونات دهنية تؤدي أدوارًا حيوية دقيقة في دعم القلب والدماغ والمناعة. وازداد هذا الفهم رسوخًا مع دراسة حمية البحر الأبيض المتوسط التي تعتمد على التوازن بين مصادر دهنية متنوعة (زيوت نباتية جيدة، أسماك، مكسرات).
ولم يعد السؤال: هل نأكل الدهون أم لا؟ بل أصبح: أي نوع من الدهون؟ وبأي توازن؟
حين تكشفت مخاطر الدهون المتحولة، برزت الحاجة إلى بدائل عملية أكثر أمانًا. وهنا ظهرت تقنية الاستريفيه التبادلي (Interesterification) خلال تسعينيات القرن العشرين.
ويمكن تبسيط الفكرة بأنها نوع من إعادة ترتيب الأحماض الدهنية، إما داخل الجزيء نفسه (على جزيء الجليسرول)، أو بتبادل مواقعها بين جزيئات مختلفة. والمعنى هنا أن الأحماض الدهنية لا تتحول إلى دهون متحولة، وإنما يُعاد تنظيم مواضعها بطريقة تمنح الدهن خواص جديدة في القوام والانصهار والثبات.
وقد تطورت هذه التقنية كيميائياً وإنزيمياً، ومثّلت انتقالًا مهمًا من مجرد استبدال مادة بأخرى، إلى هندسة منظمة للخصائص الوظيفية للدهون.
إذا أردنا تلخيص المسار الذي قطعته الزيوت والدهون حتى هذه المرحلة، أمكننا القول إن القصة بدأت من الاستعمال، ثم انتقلت إلى الفهم، ثم إلى إعادة النظر في علاقة الدهون بالغذاء والحياة والصحة. فمن التصبين القديم إلى شيفرول، ومن الهدرجة والمارجرين إلى أوميجا-3 والاستريفيه التبادلي، لم تعد الدهون مادة صامتة في المطبخ، بل أصبحت ميدانًا علميًا حيًا يغيّر فهمنا للخلية والتغذية والتصنيع الغذائي.
لكن رحلة الزيوت والدهون لا تتوقف عند حدود الفهم. فبعد أن كشف العلم بنيتها ووظائفها، بدأ طور جديد أكثر عمقًا: طور تصميم الدهون، وتحليل خرائطها الجزيئية، وربطها بالصحة والميكروبيوم والاستدامة.