.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
هذا هو الجزء الثاني من سلسلة: "الزيوت والدهون — من أسرار الحياة إلى هندسة المستقبل"إذا كان الجزء الأول قد كشف كيف تحولت الدهون من مادة تُستخدم إلى مادة تُفهم، فإن هذا الجزء الثانى يكشف كيف تحولت إلى مادة تُصمَّم وتُحلَّل وتُدار، لتصبح أحد مفاتيح الطب الحديث والصناعة المستدامة. للاطلاع على الجزء الأول من السلسلة: الزيوت والدهون: من البدايات الأولى إلى نشأة علم الدهون الحديث 👉
مقال مرجعي عن الزيوت والدهون يستعرض تطور العلم من مرحلة الفهم إلى مرحلة التصميم والتحليل والاستدامة، مرورًا بالدهون الوظيفية والنانو-تغليف والليبيدوميكس والميكروبيوم، ودور الدهون في السياسات الصحية والاقتصاد الأخضر.
حين انتهى العلم من فهم الدهون، بدأ طورٌ جديد أكثر جرأة: لم تعد تُكتشف فقط، بل أصبحت تُصمَّم، وتُحلَّل خرائطها الجزيئية، وتُدار آثارها صحيًا وتشريعيًا وصناعيًا. هنا تتحول الزيوت والدهون من مادة غذائية إلى أداة علمية ترسم ملامح الطب الدقيق، وتشارك في بناء اقتصاد أكثر استدامة.
إذا كان النصف الأول من قصة الزيوت والدهون قد كشف كيف انتقل الإنسان من استعمالها إلى فهم بنيتها ووظائفها، فإن النصف الثاني يكشف مرحلة أكثر تقدمًا: مرحلة توجيه هذه المعرفة وصياغتها في صورة تطبيقات دقيقة تخدم الصحة والغذاء والصناعة والاستدامة.
فهنا لم تعد الدهون مجرد مادة تُدرس أو تُستهلك، بل أصبحت مادة تُصمَّم، وتُحلَّل خرائطها الجزيئية، وتُدرس علاقتها بالميكروبيوم، وتُعاد قراءة أدوارها في الالتهاب والمناعة، وتدخل في بناء اقتصاد أخضر أكثر كفاءة واستدامة.
مع مطلع الألفية الجديدة، دخل علم الدهون مرحلة أكثر طموحًا. فلم يعد الهدف فقط توفير دهن صالح للطهي أو للتصنيع، بل تطوير دهون ذات خصائص صحية ووظيفية محددة سلفًا.
وفي هذا السياق برزت مفاهيم مثل الدهون المهيكلة، والداي أسيل جلسرول، والفيتوستيرولات، وغيرها من المركبات التي صُممت للتأثير في امتصاص الكوليسترول أو الاستجابة الأيضية أو تركيب الجسم. وهكذا أصبح واضحًا أن مستقبل علم الدهون لا يكمن فقط في اكتشاف ما تحتويه الدهون الطبيعية، بل في تصميم نظم دهنية تخدم أهدافًا صحية دقيقة.
ومع تزايد الوعي الصحي لدى المستهلكين، واشتداد الضغوط التنظيمية للحد من الدهون المتحولة والمشبعة في بعض المنتجات، برز اتجاه واضح نحو تطوير بدائل الدهون، سواء في المنتجات الغذائية التقليدية أو الحديثة.
وقد شملت هذه البدائل طيفًا واسعًا من الحلول، من الدهون منخفضة الطاقة، إلى النظم الهلامية (Oleogels)، والمستحلبات المعدلة، والدهون النباتية المصممة لتحاكي القوام والوظيفة الحسية للدهون التقليدية. كما شهد السوق توسعًا في استخدام الزيوت النباتية المعدلة، ومنتجات تعتمد على بروتينات أو كربوهيدرات مُهيكلة لتقليد الإحساس الدهني.
وقد حققت هذه البدائل نجاحات متفاوتة؛ إذ نجح بعضها في تلبية متطلبات صناعية وصحية مهمة، خاصة في تقليل الدهون غير المرغوبة وتحسين الصورة الغذائية للمنتجات، بينما لا تزال بعض التحديات قائمة، لا سيما في تحقيق التوازن بين القوام والطعم والثبات والتكلفة.
وعلى مستوى السوق، أصبح المستهلك أكثر وعيًا، وأكثر تأثيرًا في توجيه هذه الابتكارات، بحيث لم تعد بدائل الدهون مجرد خيار تقني، بل أصبحت جزءًا من حوار مستمر بين العلم والصناعة وتفضيلات المستهلك.
مع تقدم علوم الغذاء والدواء، ظهر سؤال أكثر دقة: كيف نحافظ على كفاءة المركب الدهني ونحسن وصوله الحيوي؟
ومن هنا برزت تقنيات النانو-تغليف، التي تقوم على تغليف المركبات الدهنية داخل نظم دقيقة تحميها من الأكسدة، وتقلل فقدها، وتحسن امتصاصها. وفي حالة أوميجا-3، مكّنت هذه التقنيات من تقليل المشكلات الحسية، وتحسين الثبات، وزيادة الكفاءة الحيوية.
وهكذا انتقل علم الدهون من اختيار الزيت المناسب إلى تصميم وسيلة توصيله داخل الجسم.
من أكثر صفحات تاريخ الدهون وضوحاً في الدلالة أن العلم وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى سياسة عامة. فعلى مدى عقدين تقريباً، تراكمت الأدلة على أضرار الدهون المتحولة الصناعية، ثم بدأت الدول والمنظمات الدولية في ترجمة هذا التراكم إلى لوائح وتشريعات وإجراءات عملية.
وفي هذا المسار برزت محطات مفصلية واضحة:
وهكذا أصبحت سلامة الدهون مثالًا على أن العلم لا يكتمل إلا حين يتحول إلى تنظيم وتشريع وتطبيق فعلي.
دخل العلم مرحلة جديدة أكثر عمقًا: دراسة “الخريطة الدهنية” الكاملة داخل الجسم.
فالليبيدوميكس لا ينظر إلى الدهون كفئة واحدة، بل كشبكة معقدة من الجزيئات التي تتغير حسب الصحة والمرض والنمط الغذائي. وقد فتح هذا المجال الطريق أمام الطب الدقيق والتغذية الشخصية.
لم يعد فهم الدهون ممكنًا دون فهم الميكروبيوم المعوي. فقد ثبت أن البكتيريا المعوية تؤثر في امتصاص الدهون واستقلابها، وفي التوازن الأيضي والالتهابي.
وهكذا أصبحت الدهون تُقرأ في سياق بيئي حيوي، لا كجزيئات منفصلة فقط.
مع تزايد الطلب على أوميجا-3، برزت الطحالب كمصدر مستدام لهذه الأحماض الدهنية.وتمثل الطحالب حلاً مهمًا لأنها:
أظهرت جائحة كوفيد-19 أن الدهون تشارك في تنظيم الالتهاب والمناعة، وأن التوازن بين مشتقات أوميجا-3 وأوميجا-6 يلعب دورًا مهمًا في الاستجابة الحيوية.
لا تقتصر الزيوت على الغذاء، بل تدخل في صناعات واسعة تشمل:
وهذا ما يجعلها جزءًا من الاقتصاد الأخضر والصناعة المستدامة.
انتقل علم الدهون من:
وأصبحت الدهون:
إذا كان المقال الأول قد بيّن كيف تحولت الزيوت والدهون من مادة تُستخدم إلى مادة تُفهم، فإن هذا المقال يكشف كيف تحولت من مادة تُفهم إلى مادة تُصمَّم وتُحلَّل وتُدار.
وهكذا فإن قصة الزيوت والدهون ليست قصة طعام فقط، بل قصة علم وصحة وصناعة واستدامة. وهي تذكير بأن الحكمة لا تكمن في رفض الدهون أو تقديسها، بل في فهمها، وتوازنها، وضبط استخدامها.
ومن يفهم الزيوت والدهون بهذا العمق، لا يفهم الغذاء وحده، بل يقترب من فهم الحياة والمستقبل.
وبين الجزءين، تكتمل صورة علم الزيوت والدهون: من مادةٍ عرفها الإنسان بالتجربة، إلى علمٍ يفسر الحياة، ثم إلى أداةٍ تُصمَّم بها ملامح المستقبل.
وهكذا لا تعود الزيوت والدهون مجرد مكون غذائي، بل تصبح لغةً علميةً تربط بين الخلية والصحة والصناعة والاستدامة—وواحدًا من أكثر مفاتيح المستقبل عمقًا وتأثيرًا.
وفي الحلقة التالية نقترب من الوجوه التي صنعت هذا التاريخ، لنقرأ سيرة العلماء الذين بنوا علم الدهون، وحوّلوا الملاحظة إلى معرفة، والمعرفة إلى أثرٍ لا يزال ممتدًا حتى اليوم.