.jpg)
رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
الجزء الثاني: الزيوت الثابتة والعطرية في الاستخدام العملي (السلامة، التخزين، الزيوت الناقلة، والخلطات الآمنة)
تتميّز الزيوت العطرية أو الطيّارة بأنها توجد في مصادرها النباتية بنسب منخفضة جدًا، سواء في الأزهار أو الأوراق أو النبات كاملًا أو حتى في بعض البذور، إذ تتراوح هذه النسب غالبًا في حدود 0.1% إلى 2% تقريبًا بحسب نوع النبات وظروفه. وهذا يفسر سبب ارتفاع تركيزها الشديد عند استخلاصها، فهي تمثل جوهر النبات العطري المكثف.
وفي المقابل، تتواجد الزيوت الثابتة في مصادرها الطبيعية—مثل البذور أو ثمار الفاكهة الزيتية كزيت الزيتون، والنخيل، والكاكاو، وجوز الهند، والأفوكادو، وبذور الشيا—بنسب مرتفعة قد تصل إلى 20–70% أو أكثر، مما يجعلها بطبيعتها أقل تركيزًا وأكثر ملاءمة للاستخدام المباشر نسبيًا.
ومن هذا المنطلق العلمي، فإن نسب استخدام هذه الزيوت مع الإنسان، خاصة في التطبيقات الجلدية، تعكس إلى حد كبير نسب وجودها في الطبيعة؛ حيث يُستخدم الزيت الثابت (Carrier Oil) كوسط رئيسي أو حامل، بينما يُضاف الزيت العطري (Essential Oil) بنسب صغيرة محسوبة، غالبًا في حدود 0.5% إلى 3%، بما يحقق التوازن بين الفاعلية والأمان.
فالفهم الصحيح لنسب التركيز في المصدر الطبيعي يقود مباشرة إلى الاستخدام الأمثل في التطبيق العملي، ويؤكد أن الطبيعة نفسها ترشدنا إلى قواعد التخفيف والاستخدام الآمن.
بعد أن تناول الجزء الأول الفروق العلمية بين الزيوت الثابتة والزيوت العطرية من حيث التعريف، والتركيب الكيميائي، والخصائص الفيزيائية، وطرق الاستخلاص، يأتي هذا الجزء الثاني ليكمل الصورة من الجانب العملي. فالفهم العلمي وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى استخدام صحيح وآمن.
فالزيوت الثابتة يمكن أن تكون غذاءً ووسيطًا للعناية بالبشرة والشعر، بينما الزيوت العطرية يمكن أن تكون إضافة عطرية ووظيفية قوية، لكنها تحتاج إلى حذر شديد بسبب تركيزها العالي وسرعة امتصاصها وتطايرها. ومن هنا تبرز أهمية معرفة الاستخدامات المناسبة، والتحذيرات، وشروط التخزين، ونسب التخفيف، ودور الزيوت الناقلة في تحقيق التوازن بين الفاعلية والأمان.
تُستخدم الزيوت الثابتة على نطاق واسع في الطهي، والقلي، والقلي العميق، والسلطات، والتتبيلات، والخبز، والعجائن، والصلصات. فزيوت مثل الكانولا والذرة تُستخدم في القلي والقلي العميق عند درجات حرارة مناسبة، بينما يُفضل زيت الزيتون البكر الممتاز في السلطات والتتبيلات الباردة، نظرًا لاحتوائه على مضادات الأكسدة والفيتامينات والمركبات الفينولية.
كما تُستخدم زيوت مثل جوز الهند وبذور العنب في بعض المخبوزات والعجائن لإعطاء ملمس أو نكهة خاصة، بينما يمكن أن تدخل زيوت السمسم أو بذور العنب في الصلصات والمايونيز لإكساب نكهة مميزة.
لا تُستخدم الزيوت العطرية للطهي أو الاستهلاك الداخلي المباشر بكميات كبيرة. فبعض الزيوت العطرية، مثل الكافور وبعض الزيوت الغنية بالفينولات، قد تكون سامة عند البلع حتى بكميات صغيرة. وإذا استُخدمت بعض الزيوت العطرية الآمنة في الأغذية كنكهات، فيجب أن يكون ذلك بجرعات ضئيلة جدًا وتحت ضوابط واضحة، ويفضل أن يكون في إطار صناعي أو متخصص.
لذلك لا ينبغي تناول أي زيت عطري عن طريق الفم دون استشارة طبيب أو متخصص مؤهل، خصوصًا في حالات الحمل، والرضاعة، والأطفال، ومرضى الكبد أو الكلى، أو الأشخاص الذين يتناولون أدوية مستمرة.
تُعد الزيوت الثابتة من أهم مكونات العناية بالبشرة والشعر، لأنها تمد الجلد بالأحماض الدهنية، وتساعد على تقليل فقد الرطوبة، وتوفر طبقة حماية، كما تحمل بعض الفيتامينات والمركبات المضادة للأكسدة.
لا تُستخدم الزيوت العطرية مباشرة على الجلد في صورتها المركزة، بل تُخلط مع الزيوت الثابتة بنسب محددة. ومن أمثلة ذلك استخدام زيت الجوجوبا كزيت ثابت مع بضع قطرات من زيت شجرة الشاي في الخلطات الموجهة للبشرة الدهنية، أو استخدام زيت اللوز الحلو مع زيت الورد العطري للعناية بمظهر البشرة، أو زيت جوز الهند مع قطرات قليلة من زيت الليمون العطري أو اللافندر للعناية بالشعر، مع مراعاة نسب التخفيف الآمنة وتجنب التعرض للشمس مع بعض زيوت الحمضيات.
العلاج بالروائح هو الاستخدام العطري أو الاستنشاقي للزيوت العطرية بهدف التأثير على الحالة المزاجية والنفسية والشعور العام بالراحة. تتطاير الزيوت العطرية بسهولة، وتصل جزيئاتها إلى الأنف، حيث تتفاعل مع المستقبلات الشمية التي ترسل إشارات إلى مناطق في الدماغ مرتبطة بالمشاعر والذاكرة والانفعال.
ومن أشهر الزيوت المستخدمة في هذا المجال:
ملاحظة هامة: يجب التأكيد أن العلاج بالروائح علاج تكميلي لا يغني عن الرعاية الطبية، ولا يُستخدم كبديل للأدوية أو التشخيص المهني.
تختلف مدة صلاحية الزيوت الثابتة والعطرية حسب نوع الزيت، ودرجة نقائه، وطريقة استخلاصه، وشروط التخزين.

تُحفظ الزيوت الثابتة في مكان بارد نسبيًا، بعيدًا عن الضوء المباشر والرطوبة والروائح القوية. ويفضل استخدام عبوات محكمة الإغلاق، وداكنة اللون عند الإمكان. وبعض الزيوت الغنية بالأحماض الدهنية عديدة عدم التشبع، مثل زيت الكتان وبذور العنب، تستفيد من التبريد في الثلاجة لإبطاء الأكسدة.
الزيوت العطرية أكثر حساسية للتطاير والأكسدة والضوء، لذلك يجب حفظها في زجاجات داكنة، محكمة الإغلاق، وبعيدة عن الحرارة والأطفال والحيوانات الأليفة. ويُفضل حفظها في درجة حرارة مستقرة ومنخفضة نسبيًا، لأن الحرارة والضوء يسرعان تلفها وتغير تركيبها.
الزيوت العطرية هي الأكثر خطورة إذا أسيء استخدامها؛ لأنها مركزة جدًا. ومن أهم التحذيرات عدم تطبيقها مباشرة على الجلد دون تخفيف، لأنها قد تسبب تهيجًا شديدًا أو حساسية جلدية. كما أن بعض الزيوت العطرية قد تكون سامة عند البلع، مثل الزيوت الغنية بالكافور أو الفينولات أو بعض المركبات العصبية النشطة.
ويجب الحذر الشديد في الحمل والرضاعة، لأن بعض الزيوت العطرية قد تعبر المشيمة أو تنتقل عبر اللبن، كما يجب الحذر عند الأطفال بسبب حساسية الجلد وعدم اكتمال قدرة الجسم على التعامل مع المركبات المركزة. كذلك قد تتفاعل بعض الزيوت العطرية مع الأدوية، مثل مميعات الدم أو بعض الأدوية النفسية أو أدوية الضغط.
رغم أن الزيوت الثابتة أقل خطورة من الزيوت العطرية في الاستخدام العام، فإنها ليست بلا محاذير. فالزيوت المهدرجة جزئيًا قد تحتوي على دهون متحولة ضارة بصحة القلب. وبعض الزيوت، مثل زيت الفول السوداني، قد ترتبط بحساسية لدى بعض الأشخاص. كما أن الإفراط في استهلاك الزيوت الثابتة قد يؤدي إلى زيادة السعرات والدهون في الغذاء.
كذلك فإن الزيوت الثابتة الغنية بالأحماض الدهنية غير المشبعة قد تتأكسد عند التخزين السيئ أو التسخين المتكرر، مما يقلل جودتها ويزيد نواتج الأكسدة غير المرغوبة.
الزيت الناقل هو زيت ثابت يُستخدم لتخفيف الزيت العطري قبل تطبيقه على الجلد أو الجسم. ويعمل الزيت الناقل على تخفيف تركيز الزيت العطري إلى مستوى آمن، وتوزيعه على مساحة أكبر من الجلد، وإبطاء امتصاصه وتطايره، وحماية الجلد من التهيج المحتمل.
وهذا التكامل بين الزيت الثابت والعطري يخلق منتجًا متوازنًا يجمع بين الأمان والفاعلية. فالزيت الثابت يمنح الترطيب والتغذية والحمل، بينما يمنح الزيت العطري الرائحة والتأثير الوظيفي.
الزيت الناقل الجيد يجب أن يكون خفيف الملمس، آمنًا، غير مهيج، مستقرًا نسبيًا، وذا رائحة خفيفة حتى لا يطغى على رائحة الزيت العطري. كما يُفضل أن يكون غنيًا بالأحماض الدهنية المفيدة والفيتامينات والمكونات الداعمة لصحة الجلد.

يجب حساب نسبة الزيت العطري في الخليط بدقة. والقاعدة العملية الشائعة أن كل 1 مل تقريبًا من الزيت العطري يعادل نحو 20 قطرة، مع اختلاف ذلك حسب القطارة ولزوجة الزيت.
وتُستخدم الصيغة التالية كدليل تقريبي:
$$ \text{عدد القطرات} = \frac{\text{النسبة المئوية} \times \text{حجم الزيت الناقل (مل)}}{5} $$
فمثلًا، لتحضير 10 مل من خليط بتركيز 2%، يكون الحساب:
$$ 2 \times 10 \div 5 = 4 \text{ قطرات من الزيت العطري} $$

يتضح من الجانب العملي أن الزيوت الثابتة والزيوت العطرية ليست بدائل لبعضها، بل لكل منهما دوره ومجاله وحدود أمانه. فالزيوت الثابتة تمثل الأساس الموثوق في الغذاء والعناية بالجسم، بينما تمثل الزيوت العطرية إضافات قوية ومركزة تحتاج إلى حكمة ومعرفة في الاستخدام.
وعندما يتم الجمع بينهما بصورة صحيحة، من خلال زيت ناقل مناسب ونسب تخفيف آمنة، يمكن الحصول على منتجات طبيعية متوازنة تجمع بين الترطيب، والرائحة، والفاعلية، والأمان. والمفتاح الحقيقي ليس في كثرة الاستخدام، بل في الفهم العميق لطبيعة كل زيت واحترام قوته وحدوده.
الفرق بين الزيوت الثابتة والزيوت العطرية ليس مجرد فرق في النوع، بل هو فرق جوهري في التركيب الكيميائي، والخصائص الفيزيائية، والاستخدامات، والسلامة. الزيوت الثابتة هي الأساس الموثوق للتغذية والعناية بالجسد، بينما الزيوت العطرية هي المركبات الفعالة والقوية التي تحتاج إلى دقة في التعامل.
وعندما يتم دمج النوعين وفق معرفة علمية ونسب آمنة، ينتج عنهما تكامل طبيعي فعّال: زيت ثابت يحمل ويرطب ويحمي، وزيت عطري يمنح الرائحة والتأثير الحسي والوظيفي. وبذلك يصبح هذا الدليل مرجعًا عمليًا لفهم هذه الزيوت الطبيعية الثمينة واستخدامها بأفضل صورة ممكنة.