.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
هل أنت واثق حقاً مما تعرفه عن "شجرة النور"؟ سؤال قد يبدو مستفزاً.. لكنه البداية لرحلة كشف مذهلة!
لماذا خصّها الله بالذكر في الكتب السماوية ووصفها بالشجرة المباركة؟ ولماذا يقف العلم الحديث اليوم "مذهولاً" أمام ثمرة واحدة تخفي وراء قشرتها الرقيقة آلاف الأسرار؟
هل تعتقد أن الزيتون الذي يزين مائدتك هو مجرد "صنف" أقل جودة من ذلك الذي يُعصر زيتاً؟ أم أن هناك "ترتيبات جينية" دقيقة وصناعة إلهية معجزة تجعل من كل حبة حكاية مستقلة؟
منذ فجر التاريخ، والبشر يقدسون الزيتون؛ لمسوا فوائده في صحة أبدانهم، ورأوا معجزاته في طول أعمارهم، واتخذوا من غصنه رمزاً للسلام. لكن، هل سألت نفسك يوماً: ما الذي يحدث خلف الستار؟ كيف تتحول ذرات التراب وقطرات المطر إلى "ذهب سائل" أو "ثمرة مائدة" مفعمة بالصحة؟
في هذا المقال الفريد، نتحدث في رحلة تتجاوز التوقعات. لن أتحدث إليكم كباحث أكاديمي فحسب، بل كخبير في الزيوت والدهون ومشتقاتها ومهتم بسلامة الغذاء، نحاول تفهم مغزى الآية القرآنية «مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ» لنرى كيف تتحدث الجينات بلغة الإعجاز.
ستكتشف في هذا المقال:
💡 "لا تقرأ هذا المقال لمجرد المعرفة.. اقرأه لتعرف قيمة ما تضعه على مائدتك!" انضم إلينا في هذه السلسلة من الحقائق العلمية الرصينة بأسلوب أدبي رفيع، يحاول أن يجمع بين نور الإيمان ودقة البرهان.
شجرة الزيتون.. سر الثمرة التي تُنتج "دواءً" يُشرب و"غذاءً" يُؤكل
تلفت آيات سورة الأنعام النظر إلى حقيقةٍ كونية باهرة في عالم النبات: قد تتشابه الثمار في هويتها العامة، وتستتر تحت هذا التشابه فروقٌ دقيقة تُنتج تنوعاً هائلاً في الطعم، والوظيفة، والمنفعة.
يقدم هذا المقال قراءة علمية رصينة تتخذ من الزيتون (Olea europaea) نموذجاً؛ لشرح مفهوم "التباين داخل النوع" (Intraspecific variation) كما تفهمه البيولوجيا الحديثة وتقنيات الجينوم. إننا هنا لا نسرد معلومات فحسب، بل نسترشد بالتوجيه القرآني الداعي إلى "النظر" والتدبر المقارن في مراحل تطور الثمرة:
«انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ» (الأنعام: 99).
"... ومن خلال تخصصنا الدقيق في كيمياء الزيوت والدهون وسلامة الغذاء، سنكشف كيف أن هذا 'اليَنْع' ليس مجرد مرحلة زمنية، بل هو قرار كيميائي تتخذه الثمرة لتتحول إما إلى غذاء يبني الأجساد على الموائد، أو دواء سائل يتدفق بالشفاء. إن 'السر' الذي يجعل من ثمرة واحدة مصدراً لهذين المسارين المختلفين تماماً يكمن في اندماج مذهل بين التصميم الجيني والتحول الكيميائي عبر الزمن."
ورد ذكر الزيتون في سياق آيات التنوع النباتي في سورة الأنعام بصيغتين متقاربتين (الآيتين 99 و141)، مع تكرار وصف "مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ".
المغزى المنهجي هنا هو الدعوة إلى الملاحظة المقارنة؛ فليس المقصود نظرة عابرة، بل تتبعٌ للثمرة عبر محور الزمن (الإثمار ثم النضج/اليُنع). وهذا—بلغة العلم—هو جوهر دراسة "السلسلة الزمنية" التي تكشف كيف تتبدل الصفات الكيميائية والحيوية للثمرة، لتتحول من مجرد "شكل نباتي" إلى "غذاء وظيفي".
تنويه منهجي: نحن لا نحاول "إقحام" النظريات العلمية المتغيرة داخل النص القرآني الثابت، ولا ندّعي أن الآية تُقرر تفاصيل جينومية دقيقة. بل نؤكد أن وصف "التشابه والاختلاف" يتفق مع حقيقة بيولوجية كونية، وأن الأمر الإلهي بـ"النظر" يؤسس لعقلية البحث العلمي القائم على الملاحظة والمقارنة.
في علوم البيولوجيا والوراثة، نستخدم مصطلح التباين داخل النوع لوصف الاختلافات القابلة للقياس بين أصناف النبات الواحد (Cultivars). في الزيتون، يظهر هذا التباين بوضوح في: الحجم، اللون، الطعم، ونسب الأحماض الدهنية.
هذه الاختلافات لا تلغي "وحدة الهوية" (فالكل زيتون)، لكنها تصنع خرائط متعددة للصفات؛ فنجد صنفاً لا يصلح إلا للمائدة، وآخر لا قيمة له إلا بعصره زيتاً.
حينما ذكر القرآن "وينعه"، فإنه يشير إلى مرحلة النضج التام. وعلمياً، هذه المرحلة هي "المختبر الكيميائي" الأخطر في حياة الثمرة.
بصفتنا متخصصين في علوم الأغذية، نعلم أن توقيت الحصاد (مرحلة اليَنْع) ليس مجرد مسألة "طعم"، بل هو معيار أمان وجودة حاسم:
إذن.. "اليَنْع" هو كلمة السر في تحول الثمرة من مادة خام إلى غذاء آمن وفعال.
عبر أكثر من 6000 عام من استئناس شجرة الزيتون، قام المزارعون بعملية "انتخاب وراثي" طويلة الأمد، أدت إلى فصل الأصناف وظيفياً. ويوضح الجدول التالي أبرز الفروق العلمية والتكنولوجية بين "المتشابهين" في الشكل، و"المختلفين" في الوظيفة:

هذا التباين يوضح دقة التعبير القرآني "غير متشابه"؛ فالاختلاف هنا ليس تجميلياً، بل هو اختلاف بنيوي يحدد مصير الثمرة ومسار تصنيعها.
حين تدعونا الآية الكريمة لـ «النظر» في ثمره، فإن أول ما تقع عليه العين هو "تدرج الألوان"، وهو ليس مجرد تغير جمالي، بل هو "بيان كيميائي" صامت يُفصح عما يدور في أعماق الثمرة. تبدأ الرحلة باللون الأخضر الزاهي، حيث تسود "الكلوروفيلات" التي تشرف على عملية البناء وتكوين النسيج الصلب، ثم ينتقل المشهد إلى اللون الأرجواني فـ الأسود الحالك مع ظهور صبغات "الأنثوسيانين" (Anthocyanins).
هنا يتجلى "الاشتباه والاختلاف" في أبهى صوره؛ فبينما "تشتبه" معظم الأصناف في هذا التدرج اللوني، إلا أنها "تختلف" جذرياً في توقيته وأثره:
إن هذا التباين اللوني بين الأصناف هو الذي يمنح المصنع والمستهلك "لوحة خيارات" واسعة، تجعل من الشجرة الواحدة مصنعاً ينتج مذاقات وفوائد متباينة، تخاطب حاجة الجسد للغذاء وحاجته للشفاء.
قد يتساءل القارئ: كيف تختلف الأصناف وهي تملك نفس الجينوم (نوع Olea europaea)؟
تجيب الدراسات الوراثية الحديثة (مثل تحليلات SNPs) بأن السر يكمن في تفاصيل دقيقة تشبه "تغيير حرف واحد في جملة طويلة". هذه التغييرات الطفيفة في الشفرة الوراثية، بالإضافة إلى ما يسمى "التعبير الجيني" (Gene Expression)—أي متى وكيف تعمل الجينات—هي المسؤولة عن جعل صنف "البيكوال" غنياً بالبوليفينول، وصنف "الأربكينا" ذو نكهة فاكهية خفيفة. إنه تشابه في "القاموس الوراثي"، واختلاف في "طريقة القراءة".
حين يوجّهنا القرآن الكريم للنظر في الثمرة عند "إثمارها" و"ينعها"، فهو يرسخ في الوجدان منهجاً معرفياً راقياً: أن الحقيقة والمنفعة لا تتجليان من لقطة واحدة، بل من تتبع دقيق لمسار حيوي يتكشف عبر الزمن والملاحظة.
إن التوازن بين "المتشابه وغير المتشابه" هو المحرك لإثراء العلم والإيمان معاً. ولكن، تتجاوز هذه الرؤية حدود المختبر لتضعنا أمام مسؤولية استراتيجية تحتم على كافة أطراف سلسلة القيمة العمل برؤية موحدة:
وعلى الصعيد الوطني، فإن الدولة المصرية وهي تزرع ملايين الأشجار، تضعنا أمام فرصة تاريخية لتعظيم قيمتنا التصديرية، سواء في زيتون المائدة الذي نعتلي عرشه عالمياً، أو في زيت الزيتون الذي نسعى لتوطين جودته الفائقة.
إن مستقبل الزيتون يكمن في دمج الأصالة المستمدة من الوحي مع الحداثة التي يمليها العلم؛ لتظل دائماً: آيةً تُبصر بالعين، وتُفهم بالعقل، وتُورث يقيناً في القلب، وتنميةً في الواقع.