.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
في عالم الصناعات الغذائية والدوائية، يقف "زيت حبة البركة" كأحد أثمن الكنوز الطبيعية التي تجود بها الأرض، لكنه في الوقت ذاته يمثل تحدياً كيميائياً فريداً يضع النظم الرقابية ومعايير الجودة الدولية أمام اختبار حقيقي. تكمن الإشكالية في أن المقاييس التقليدية لتقييم الزيوت النباتية، التي صُممت في الأصل لزيوت الطهي العادية، غالباً ما تخفق في قراءة الشفرة الكيميائية الخاصة بهذا الزيت، مما يؤدي إلى نتائج مضللة قد تعصف بفرص التصدير وتظلم جودة المنتج وتضلل المستهلك.
يأتي هذا المقال ليطرح رؤية علمية تطبيقية تكسر الجمود التحليلي؛ فنحن لا نناقش مجرد "أرقام مختبرية"، بل نسعى لصياغة إطار علمي عادل وفعّال يفكك التداخلات الكيميائية المعقدة—مثل قضية رقم البيروكسيد وعلاقته بالثيموكينون—ويقدم بدائل منهجية تحمي سمعة المنتج الوطني وتدعم انسيابية الصادرات. هي دعوة للمنتجين، والمصدرين، وجهات الرقابة، ومعامل التحليل، للالتفاف حول لغة علمية مشتركة تضمن أعلى معايير الأمان الحيوي دون المساس بالقيمة الأصيلة لهذا الزيت الفريد.
قد تكون ملتزمًا بأعلى معايير العصر على البارد... ومع ذلك تُرفَض شحنتك بسبب اختبار ورقم واحد! هذا المقال يوضح لماذا قد يعطي رقم البيروكسيد قراءة «وهمية» في زيت حبة البركة، وما هو البروتوكول العادل الذي يثبت الجودة ويُسهِّل التصدير دون ظلم المنتج.
زيت حبة البركة ليس «زيتًا نباتيًا عاديًا»، بل زيت وظيفي ذو تركيبة مزدوجة (جزء ثابت + جزء طيّار فعّال)، ولهذا فإن تطبيق مؤشرات صُمِّمت لزيوت بسيطة أو مكررة قد ينتج أحكامًا غير عادلة. يناقش هذا المقال لماذا لا يصلح رقم البيروكسيد كمؤشر حاسم لجودة زيت حبة البركة الخام/البكر، ويقدم بروتوكولًا عمليًا يعتمد على البصمة الكيميائية والنشاط الحيوي والثبات التأكسدي لحماية الجودة وتعزيز تنافسية المنتج في التصدير.
هل يمكن أن يُقابَل الالتزام بمعايير الجودة بنتيجة تقنية «مضللة» تُعطّل التصدير؟
على مدى سنوات طويلة جرى التعامل مع زيت حبة البركة كأنه زيت نباتي تقليدي، وبالتالي أُخضع لاختبارات جودة صُممت أصلًا لزيوت مكررة وبسيطة التركيب. وهنا بدأ الخلل المنهجي.
يتمتع زيت حبة البركة بطبيعة "هجينة" فريدة؛ فهو ليس مجرد زيت نباتي (ثلاثي جليسريد)، بل هو مزيج معقد يحتوي على زيوت ثابتة، زيوت طيارّة، ومركبات كيميائية نشطة لا توجد في زيوت الطهي التقليدية.
لماذا يهم هذا في التحليل والرقابة؟
لأن المكونات النشطة تؤثر في القياس الكيميائي نفسه. التقييم يجب أن يتوافق مع طبيعة الزيت لا مع قوالب جاهزة لزيوت أخرى.
الحقيقة العلمية الحاسمة: رقم البيروكسيد ليس مؤشرًا مناسبًا للحكم على جودة أو تزنخ زيت حبة البركة الخام/البكر.
اختبار رقم البيروكسيد الأيودومتري يعتمد على توليد يود حر من أيونات اليوديد. لكن في زيت حبة البركة، مركب الثيموكينون (TQ) يمتلك جهداً اختزالياً يسمح له بالقيام بنفس التفاعل الكيميائي:
Peroxides + KI= Iodine
(دليل تزنخ).
Thymoquinone + KI = Iodine
(دليل جودة وتركيز المادة الفعالة).
الاستنتاج التحليلي: النتائج تعكس مجموع (البيروكسيدات الحقيقية + الثيموكينون). الارتفاع هنا هو مؤشر على غنى الزيت بالثيموكينون وليس دليلاً على الفساد.
عند تقييم الثبات ضد الأكسدة، يُفضّل الاعتماد على اختبار الرانسيمات (Rancimat) الذي يقيس فترة الحث (Induction Period). كلما طالت هذه الفترة، كان الزيت أكثر مقاومة للأكسدة واقعياً دون التأثر بتداخلات "رقم البيروكسيد".

بدل الاعتماد على «رقم واحد» قد يظلم المنتج، نقيس المحاور التالية:
المصادر:
Rudzińska, M., et al. (2016). Blends of rapeseed oil with black cumin and rice bran oils for increasing the oxidative stability. Journal of Food Science and Technology.