
تمثل زيوت الطعام المستعملة موردًا للاقتصاد الدائري عندما تُجمع بصورة منظمة، وتُفصل عن السلسلة الغذائية، وتُحوّل في منشآت مؤهلة إلى منتجات مطابقة للمواصفات. وتبدأ القيمة الحقيقية لهذا المورد من سلامة الجمع، وتوثيق المصدر، وتحليل الزيت، واختيار مسار التحويل المناسب.
هي الزيوت والدهون الناتجة عن عمليات الطهي والقلي في المنازل والمطاعم والفنادق ومصانع الأغذية. وتتباين خصائصها بحسب نوع الزيت الأصلي، ومدة الاستخدام، ودرجة الحرارة، وطبيعة الغذاء، وكميات الماء وبقايا الطعام المختلطة بها.
أثناء التسخين تتغير مكونات الزيت، وتحدث تفاعلات أكسدة وتحلل وبلمرة؛ لذلك تُستخدم مؤشرات تحليلية، منها المركبات القطبية الكلية، لتقييم تدهور زيت القلي. ولون الزيت وحده لا يكفي لتحديد صلاحيته أو درجة تدهوره.
ويجب الفصل بين قرارين مختلفين: انتهاء صلاحية الزيت للاستخدام الغذائي، وقبوله مادةً خامًا للتحويل الصناعي؛ فلكل قرار اختبارات ومتطلبات مستقلة.
تتيح منظومة الجمع الموثقة إخراج الزيوت المستبعدة من التداول الغذائي وتوجيهها إلى استخدامات صناعية محددة. ويقدم برنامج RUCO الهندي مثالًا تنظيميًا يربط جمع الزيت المستعمل بتحويله إلى ديزل حيوي والحد من إعادته إلى السلسلة الغذائية.
وتحدد الهند حدًا للمركبات القطبية الكلية يبلغ 25%، تتوقف بعده صلاحية الزيت للاستعمال الغذائي. وهذه قيمة تنظيمية هندية، ولا تُعرض باعتبارها حدًا قانونيًا موحدًا في العراق أو جميع الدول؛ إذ تُراجع المتطلبات المحلية المعمول بها. ومن منظور الجودة، لا يُعد ترشيح الزيت المتدهور أو إزالة رائحته إثباتًا لاستعادة صلاحيته الغذائية.
وتُدرج منظمة الطيران المدني الدولي زيوت الطهي المستعملة ضمن خامات مسار HEFA وفق الملحق A2 من ASTM D7566، بنسبة مزج تصل إلى 50% لهذا المسار، مع استيفاء متطلبات الوقود. وهذه نسبة مزج معتمدة، وليست نسبة مردود تحويل الزيت إلى وقود طائرات.
يُقترح إنشاء مسار موثق يبدأ عند استبعاد الزيت من القلي وينتهي بتسليمه إلى جهة مؤهلة، ويتضمن:
هذه إجراءات مقترحة لتصميم النظام، وتُكيَّف مع متطلبات الترخيص البيئي وإدارة المخلفات في بلد التطبيق.
كما تُستخدم الموازنة الكمية للتحقق من معقولية السجلات؛ إذ تُقارن كميات الزيت المشترى والمضاف إلى القلايات والمستهلك مع الغذاء والمتبقي والمسلَّم لإعادة التدوير.
قبل التحويل، تُؤخذ عينات ممثلة لتحديد خصائص كل دفعة. ويُقترح أن تشمل المعالجة الأولية فصل بقايا الطعام والمواد العالقة والماء، ثم تجهيز الزيت وفق مواصفة جهة التحويل. ولا تصلح وصفة تشغيل واحدة لجميع الزيوت المستعملة؛ فالاختلاف في الحموضة والماء والشوائب قد يغير متطلبات المعالجة. وتوضح الأبحاث إمكان استخدام معالجة مسبقة للأحماض الدهنية الحرة قبل إتمام تحويل زيت الطهي المستعمل إلى ديزل حيوي.
أما إنتاج وقود الطيران فيحتاج إلى منشآت معالجة متخصصة، وإمدادات هيدروجين، ومحفزات، وفصل للمنتجات، واختبارات اعتماد؛ ولذلك لا يُعامل بوصفه امتدادًا بسيطًا لترشيح الزيت.
يُقترح فصل برنامج تحليل الزيت المستلم عن برنامج اختبار الوقود النهائي. وبالنسبة إلى الزيت المستعمل، تشمل الاختبارات الأساسية الرقم الحمضي، ومحتوى الماء، والشوائب غير الذائبة، مع إضافة فحوص أخرى بحسب متطلبات المصنع، مثل تركيب الأحماض الدهنية والعناصر أو الملوثات المؤثرة في العملية.
يحدد ISO 660:2020 طرق قياس الرقم الحمضي والحموضة في الزيوت والدهون. ويُعبَّر عن الرقم الحمضي عادةً بكمية هيدروكسيد البوتاسيوم اللازمة لمعادلة الأحماض في غرام من العينة.
وتشمل طرق التحليل المرجعية للزيوت قياس الشوائب غير الذائبة وفق ISO 663، والمركبات القطبية وفق ISO 8420. وتُختار الطريقة المناسبة لغرض القياس ونوع العينة. ولا تُستنتج أصالة المصدر من اختبار واحد؛ بل تُربط النتائج بالسجلات وسلسلة التتبع والموازنة الكمية.
إتمام التفاعل الكيميائي لا يكفي للإفراج عن الوقود. ويشمل تقييم الديزل الحيوي اللزوجة، والرقم الحمضي، والماء والرواسب، والجلسرين الحر والكلي، والتحكم في الميثانول، ونقطة الوميض، وثبات الأكسدة، والعناصر المتبقية.
ومن الأمثلة الواردة في ملخص وزارة الطاقة الأمريكية لمتطلبات B100: حد أقصى للرقم الحمضي 0.50 ملغ KOH/غرام، وللجلسرين الحر 0.020% كتلة، وللجلسرين الكلي 0.240% كتلة. وتُراجع المواصفة الكاملة والإصدار المعتمد عند إعداد حدود الإفراج؛ فالملخص لا يغطي جميع متطلباتها. ولا يُستخدم زيت الطعام المرشح مباشرةً باعتباره ديزلًا حيويًا؛ إذ تختلف لزوجته وخصائصه، وقد يسبب ترسبات ومشكلات تشغيلية في المحركات.
المطابقة الفنية للوقود والاستدامة موضوعان مترابطان، لكنهما يحتاجان إلى أدلة مختلفة؛ فالأهلية ضمن CORSIA تتطلب استيفاء معايير الاستدامة وتقييم انبعاثات دورة الحياة، إضافةً إلى توثيق الخام وسلسلة التوريد. ويتأثر الأثر البيئي بمصدر الطاقة والهيدروجين، ومسافات الجمع والنقل، وكفاءة التحويل، وإدارة المنتجات الجانبية؛ لذلك لا تُنسب نسبة خفض انبعاثات واحدة إلى جميع مشروعات الزيوت المستعملة.
وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن التنافس بين منتجي الديزل الحيوي والديزل المتجدد ووقود الطيران يضغط على إمدادات الزيوت والدهون المتاحة؛ لذا ينبغي بناء دراسة الجدوى على خام يمكن جمعه فعليًا وباستمرار، مع احتساب تكاليفه وجودته.
يمكن أن يبدأ مصنع الأغذية ببرنامج جمع وتسليم موثق قبل التفكير في إنشاء وحدة تحويل. ويُقترح تقييم الكمية الشهرية المتاحة، ونسبة الماء والشوائب، وتكلفة التخزين والنقل، ومواصفة المشتري، وحالات الرفض.
وللتوضيح الحسابي فقط: إذا جُمع 1000 كغ زيت وفُصل منها 5% ماء وشوائب، تبقى 950 كغ مادة خام معالجة. وهذه الكمية لا تعني إنتاج 950 كغ وقود طيران؛ إذ يختلف المردود باختلاف التقنية وتوزيع المنتجات.
وفي مصر، تعرض منصة تابعة لوزارة البيئة فرصة استثمارية لجمع 10,000 طن سنويًا من زيت الطهي المستعمل بواسطة شركة مرخصة، مع خيارات للتصدير أو إنتاج الديزل الحيوي. وهذا وصف لمشروع مقترح، وليس إثباتًا للكمية المنفذة فعليًا.
تُقاس جودة المنظومة بقدرتها على إخراج الزيت من الاستخدام الغذائي، والحفاظ على تتبعه، وتسليمه بمواصفات معلومة، وتحويله إلى منتج معتمد ذي قيمة اقتصادية وأثر بيئي موثق.