
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون وعضو الجمعية العلمية -جامعه الاسكندرية
لم تعد التوصيات الغذائية محصورة في القواعد التقليدية أو الهرم الغذائي الصارم الذي سيطر لعقود. برزت مؤخراً شخصيات وتيارات تتحدى السائد، وتحديداً فيما يخص استهلاك الزيوت والدهون. وبينما ظهر في مصر نموذج محلي يقدّم رؤية تقلب مفاهيم استهلاك الدهون رأساً على عقب، شهدت الولايات المتحدة نموذجاً صاخباً وموجة شعبية وضعت "زيوت البذور" في قفص الاتهام أمام المؤسسات الصحية الكبرى.
أولاً: د. ضياء العوضي بنظام الطيبات في مصر، ظهر الدكتور ضياء العوضي ليقدّم نظاماً غذائياً أطلق عليه اسم "الطيّبات"، والذي أثار جدلاً كبيراً لتصادمه مع القواعد التغذوية المتعارف عليها. النقطة المحورية في هذا النظام هي نسف "فوبيا الدهون" التي سيطرت على الطب لعقود، في حين يمنع أطعمة كانت تُعتبر تقليدياً "صحية". هذا التوجه جعل من "الطيّبات" ساحة لانقسام حاد؛ بين مجتمع طبي يحذر من التخلي عن التوصيات الكلاسيكية نظراً لغياب الدراسات السريرية المعتمدة التي تدعم هذا النظام، وبين متبعين يرون فيه علاجاً لأمراضهم.
ثانياً: روبرت ف. كينيدي جونيور… الحرب السياسية على المؤسسات والأغذية المعالجة على الجانب الآخر من العالم، أخذ التمرد طابعاً سياسياً مؤسسياً مع روبرت ف. كينيدي جونيور، وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي (2025–2026). وجه كينيدي سهامه المباشرة نحو إدارة الغذاء والدواء (FDA) وسياساتها تجاه الأغذية المصنعة عبر حملته الشهيرة "جعل أمريكا صحية مجدداً".
أبرز مواقفه في قطاع الغذاء والدهون:
سجل حافل بالآراء الطبية المثيرة للجدل:لم يقتصر تمرد كينيدي على أرفف السوبر ماركت، بل هو في الأساس امتداد لسجل طويل من التصادم مع المؤسسات الطبية الكبرى (مثل CDC). فقد عُرف بتشكيكه المستمر في اللقاحات (حتى أن مجلة Nature وصفته بأبرز ناشري المعلومات المضللة)، واتهامه لشخصيات مثل بيل غيتس وأنتوني فوتشي بإدارة "كارتل لقاحات" أثناء الجائحة. كما أثار زوابع بتصريحاته حول احتمالية تصميم فيروس كورونا لاستهداف أعراق معينة، وتلميحه إلى أن فيروس (HIV) قد لا يكون المسبب الوحيد للإيدز، بالإضافة إلى اعترافاته العلنية الصادمة للرأي العام بتعاطي المخدرات في شبابه. هذا السجل جعل حربه الحالية على زيوت البذور والأغذية المصنعة تأخذ صدىً مضاعفاً.
ثالثاً: الزيوت النباتية الصناعية… معركة الـ (Seed Oils) في أمريكا تصريحات كينيدي لم تأتِ من فراغ، بل ركبت موجة تصاعدت في الولايات المتحدة من 2024 إلى 2026 بقيادة مؤثرين حذروا من الزيوت النباتية الصناعية التي يصفها هذا التيار بـ"السامة".
تركز الهجوم على ما سُمي بـ "الزيوت الثمانية المكروهة" (Hateful Eight)، وهي: (زيت الصويا، الذرة، الكانولا، بذور القطن، دوار الشمس، العصفر، بذور العنب، وزيت النخيل المعالج). وهنا يبرز صراع آخر بين التيارات الشعبية والجهات الرسمية؛ فبينما تدافع جهات دولية كبرى متخصصة عن معايير جودة واستدامة الزيوت غير المهدرجة وتطويرها، يرفض المتمردون الجدد هذه التطمينات ويهاجمون آليات التكرير الحديثة ذاتها.
لماذا هذا الهجوم على هذه الزيوت؟
الخيط المشترك: ثورة الوعي بالدهون سواء في مصر أو أمريكا، هناك قاسم مشترك يحرك هذه الظواهر: فقدان الثقة في التوجيهات الغذائية القديمة، ورغبة الجماهير في فهم ما يدخل أجسادهم بعيداً عن المصالح التجارية.
لم يعد قطاع الزيوت والدهون مجرد صناعة غذائية، بل تحول إلى ساحة صراع كبرى بين "العلم المؤسسي الرسمي" والتيارات "المتمردة". هذا الحراك —سواء اتفقنا أو اختلفنا معه— يدفع المستهلكين نحو قراءة الملصقات الغذائية بعناية، ويفرض على الصناعة بأكملها البحث عن حلول أكثر طبيعية وشفافية لسنوات قادمة.