.png)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
تخيل شحنة ضخمة رست في الميناء، محصنة بـ "دروع" من الشهادات المخبرية التي تعلن كمالها الكيميائي. أرقام الحموضة والبيروكسيد في أدنى مستوياتها، والتحاليل تتناغم بدقة مع معايير "الكودكس" العالمية من ناحية التحاليل الكيميائية. بدا وكأن المختبر قد منحها "صك الغفران" لتعتلي رفوف الفئة العليا بلا منازع.
لكن، لحظة الحقيقة لم تكن لتُحسم في أنابيب الاختبار، بل في "الكأس الزرقاء". فبمجرد أن استنشق خبير التذوق المعتمد عبق الزيت ومرره فوق براعم تذوقه، دوّن في تقريره كلمة واحدة زعزعت أركان تلك الأرقام الصماء: تخمّر (Fusty)!
لم يكن هذا اللغز مجرد حالة فردية، بل هو واقع كشفته دراسة حديثة أجراها المجلس الدولي للزيتون (IOC) عام 2023 على 2000 عينة عالمية، حيث أظهرت النتائج فجوات حرجة في منظومة التقييم المنفرد:
كيف استطاع الزيت "تضليل" أعقد الأجهزة الرقمية وسقط أمام "فراسة" الحاسة البشرية؟ ولماذا تظل الكيمياء عاجزة عن شم رائحة ثمارٍ عانت من العفن (Musty) قبل العصر، في حين تظل الحواس عمياء عن كشف خلط الزيت بزيوت نباتية أخرى دون مساعدة شقيقها الكيميائي؟
في هذا المقال، نكشف الستار عن قصة "التوأم الإلزامي"؛ حيث تلتقي صرامة الكيمياء برهافة الحواس لترسم معاً الخريطة الجينية للجودة المطلقة، وتصيغ شهادة الميلاد الحقيقية لزيت لا يقبل التجزئة.
يُصنف زيت الزيتون في التشريعات الدولية كـ "حالة فريدة" لا تشبه أي منتج غذائي آخر. فهو المنتج الوحيد الذي لم تكتفِ الجهات التنظيمية كالمجلس الدولي للزيتون (IOC) ودستور الأغذية (Codex) بإخضاعه للمعايرة المخبرية، بل اشترطت التقييم الحسي (Sensory Evaluation) كشرط قانوني إلزامي لا غنى عنه للتصنيف التجاري.
هذا المنهج لا يعكس تقاليد تاريخية، بل يستند لكون الجودة "كينونة ثنائية الأبعاد"؛ حيث الكيمياء هي "الحارس الخفي" لنقاء السلالة، والحواس هي "القاضي المعلن" لهوية النكهة وعيوب الصناعة. لا تصنيف حقيقي لزيت بكر ممتاز ما لم يتعانق فيه اليقين الرقمي مع الإدراك الحسي.
إن هذا المقال يتجاوز النظرة السطحية للجودة، ليؤصل للمنهجية المتكاملة التي تعتبر الكيمياء "بوصلة التشريع" والحواس "روح الجودة"، مؤكداً أنه لا تصنيف حقيقي لزيت زيتون بكر ممتاز ما لم يتعانق فيه اليقين الرقمي مع الإدراك الحسي.
يستند التصنيف إلى "مثلث القوة" التنظيمي: المجلس الدولي للزيتون (IOC)، دستور الأغذية (Codex)، والتشريعات الأوروبية (EU). جميعها تنص على أن جودة الزيت هي محصلة اختبارين لا ينفصلان.
وفريق التذوق يمنحه "قيمته الحسية"، وبينهما تُصان أمانة الجودة. لا يتم التقييم الحسي لزيت الزيتون بشكل عشوائي، بل عبر فريق تذوق (Panel) مُعاير بدقة وفق بروتوكولات المجلس الدولي للزيتون (IOC).
يتألف الفريق رسمياً من 8 إلى 12 عضواً من المتذوقين المختارين بعناية بعد اجتيازهم اختبارات "عتبات الإدراك"، ويقودهم رئيس فريق (Panel Leader) يتولى إدارة الجلسة وضبط المعايير.
يخضع الفريق لبرنامج سنوي صارم يشمل "اختبارات الكفاءة" (Proficiency Tests) لضمان اتساق النتائج عالمياً، ويتم احتساب النتيجة النهائية عبر المنهجية الإحصائية (Median)؛ حيث يتم استخراج "الوسيط" لنتائج الخبراء وليس "المتوسط الحسابي"، وذلك لتحييد القيم المتطرفة وضمان أعلى درجات الدقة. يقوم رئيس الفريق بمقارنة وسيط العيوب ووسيط الثمرية مع الانحراف المعياري النسبي لضمان أن النتيجة تعبر عن رأي الجماعة الموحد، وهو ما يمنح هذا التقييم قوته القانونية أمام المحاكم والمختبرات الدولية.
عند وضع آلية التحليل المعملي في كفة، والتقييم الحسي في كفة أخرى، نجد تبايناً جوهرياً في "منطق" القياس:

الخلاصة: إن العلاقة بين الآلية المعملية والتقييم الحسي ليست علاقة منافسة، بل هي علاقة تكاملية؛ فالمعمل يمنح الزيت "شرعيته القانونية"، وفريق التذوق يمنحه "قيمته الحسية"، وبينهما تُصان أمانة الجودة.
ينقسم التقييم الحسي إلى شقين: كشف "العيوب" لضمان السلامة، ورصد "السمات الإيجابية" لتقدير الجودة الفائقة.
وهي الروائح والنكهات التي تخرج الزيت من فئة "البكر الممتاز":

وهي التي تمنح الزيت قيمته العالية وتميزه الفاخر:

يطرح المتخصصون سؤالاً محورياً يحسم الجدل القائم: هل يستطيع خبير التذوق، مهما بلغت درجة حساسيته المعايرة، أن يجزم بنقاء الزيت وخلوه من الغش بمفرده؟
الإجابة العلمية، وبلا مواربة، هي "لا" قاطعة. فرغم أن الحواس البشرية أدوات بيولوجية مذهلة في تحليل المركبات الطيارة، إلا أنها تقف عاجزة أمام "الغش التقني الممنهج". ففي حالات خلط زيت الزيتون بزيوت بذور أخرى (مثل دوار الشمس، الصويا، أو حتى زيت البندق) بنسب مدروسة، قد ينجح المنتج في الحفاظ على السمات الإيجابية مثل الثمرية (Fruitiness) والمرارة (Bitterness)، مما يمنح الزيت "قناعاً حسياً" يخدع أكثر لجان التذوق خبرة وضراوة.
الاعتماد على التذوق وحده هو مغامرة تشريعية وعلمية؛ والسبب يكمن في وجود ما يُعرف بـ "الفساد الكيميائي الصامت"، والذي يتجلى في نقطتين حاسمتين:
إن التقييم الحسي قد يمنح الزيت "صك براءة" من العيوب الطعمية الظاهرة، لكنه يظل قاصراً عن منح "شهادة النسب والنقاء". فبينما يقرر اللسان "جودة المذاق"، يظل المختبر هو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار "حكم النزاهة"، مؤكداً أن الجودة الحقيقية هي التي تصمد أمام المجهر الكيميائي قبل أن تستقر في كؤوس التذوق.
لا شك أن تقنيات التحليل الكيميائي الحديثة—مثل كروماتوغرافيا الغاز (GC)، وGC-MS، والكروماتوغرافيا السائلة عالية الأداء (HPLC)، والتحليل الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية—توفر دقة عالية في القياس الكمي والنوعي. ومع ذلك، فإن الاعتماد عليها وحدها لا يسمح بالحكم الكامل على الجودة، وذلك لعدة أسباب جوهرية.
قد تكون الأرقام المخبرية "صامتة" أمام عيوب المنشأ؛ فالمختبر قد يعطي نتائج حموضة جيدة، لكنه لا يستطيع رصد عيب قش/خشب (Hay/Wood) أو عيب التزنّخ (Rancid) في بداياته الجنينية، بينما المتذوق المحترف يكتشفه فوراً.
"قد تعجز الأرقام المخبرية عن رصد عيوب المنشأ، حيث تظل الحاسة البشرية هي الحكم الفصل في كشف عيب التخمّر (Fusty) الناتج عن سوء تخزين الثمار، أو عيب الحموضة الخلّية (Winey)، وصولاً إلى أخطر العيوب وهو التزنّخ (Rancid) الذي يطيح بتصنيف الزيت من (بكر ممتاز) إلى (زيت وقّاد/Lampante) مهما كانت نسبة الحموضة منخفضة."
كل انطباع حسي له "جذر كيميائي"؛ فالإحساس بـ الحدة (Pungency) هو الترجمة الحسية لوجود البوليفينولات (Polyphenols). أما النكهة الثمرية فهي نتاج تفاعلات إنزيمية سليمة حدثت داخل المعصرة. التكامل بينهما يعني أننا لا نقيم منتجاً، بل نقرأ التاريخ الحيوي لثمرة الزيتون ومسيرة جودتها.
تسعى الأبحاث الحديثة إلى تعميق الربط بين الكيمياء والحواس من خلال:
يبقى التحدي العملي الأبرز هو تكلفة التحاليل والتدريب، ما يستدعي تعزيز التعاون بين المختبرات، والاعتماد على مختبرات مرجعية مركزية، وبرامج تدريب جماعية معتمدة.
في نهاية المطاف، تبرز جودة زيت الزيتون كبنيان مرصوص لا يكتمل إلا بلقاء "دقة المختبر" مع "وعي الحواس". إن الفصل بينهما ليس مجرد خطأ فني، بل هو ثغرة تفتح الباب لتصنيفات مضللة تضر بالمنتج والمستهلك.
الاحترافية تقتضي إدراك أن الكيمياء هي "المؤشر الكمي" الذي يضبط الحدود ويحمى التشريع، بينما التقييم الحسي هو "الكاشف النوعي" الذي يحمي الذائقة من العيوب المنفرة كالتزنخ والتخمر. هما "توأم سيامي" لا يستغني أحدهما عن أخيه.
وبين صرامة الأرقام ورهافة الحواس، ومع بزوغ فجر التقنيات المستقبلية كالذكاء الاصطناعي، تُصاغ شهادة الميلاد الحقيقية لزيت يبقى دوماً "علماً يُقاس بدقة.. وفناً يُذاق بوعي". إن التقييم الكيميائي والحسي في عالم زيت الزيتون هما "توأم سيامي"؛ لا يستغني أحدهما عن أخيه، ولا قيمة قانونية أو اقتصادية لأحدهما بمعزل عن الآخر.