.jpg)
رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
مقال مبسط يشرح أنواع دهون الضأن، وتركيبها الكيميائي، ودور الدهن داخل العضلات في الطراوة والعصيرية والمذاق، مع عرض واضح يناسب المتخصص وغير المتخصص.
ما الذي يمنح بعض قطع لحم الضأن طراوةً أعلى، وعصيريةً أوضح، ومذاقًا أعمق من غيرها؟ ولماذا تكون بعض قطعيات الضأن أكثر ثراءً في الإحساس الفموي والرائحة، بينما تبدو قطع أخرى أقل تأثيرًا، رغم أنها من الحيوان نفسه؟
الإجابة لا تكمن في اللحم وحده، بل في تركيب دهون الضأن وتوزيعها ووظيفتها. فدهون الضأن ليست مجرد «شحم» متشابه الكتلة والوظيفة، بل هي منظومة حيوية معقدة، تختلف باختلاف الموقع التشريحي للدهن، وطبيعته الكيميائية، ودوره الفسيولوجي، وتأثيره في جودة اللحم وخصائصه الحسية.
ولهذا فإن فهم أنواع دهون الضأن ليس موضوعًا هامشيًا في علوم اللحوم، بل هو مفتاح أساسي لفهم الطراوة، والعصيرية، والمذاق، والقيمة الغذائية. هذا المقال يفتح الملف من أساسه: ما دهون الضأن؟ وكيف تختلف؟ وما تركيبها العام؟ ولماذا يؤثر هذا التباين في جودة اللحم تأثيرًا مباشرًا؟
إنه مدخل علمي مبسط إلى عالمٍ يتقاطع فيه علم الدهون، وكيمياء اللحوم، والتغذية، وفنون الطهي، وجودة الذبائح.
في الاستعمال اليومي، تُختزل دهون الضأن كلها في كلمة واحدة هي: الشحم. لكن هذا التبسيط يحجب حقيقة علمية مهمة؛ فدهون الأغنام ليست نسيجًا واحدًا، ولا تؤدي وظيفة واحدة، ولا تتطابق في الموضع أو التركيب أو السلوك أثناء الطهي أو حتى في أثرها على الجودة الغذائية والحسية.
فالدهن المخزون في الذيل يختلف عن دهن الأحشاء، والدهن المتخلل داخل العضلات يختلف عن الدهن تحت الجلد، ونخاع العظم ليس مجرد امتداد بسيط لبقية الأنسجة الدهنية. ومن هنا تبدأ قيمة الفهم العلمي: حين ننتقل من النظرة العامة إلى التشريح الدقيق لدهون الضأن، فنربط بين نوع الدهن ووظيفته وأثره في جودة اللحم.
تقرأ علوم اللحوم والتغذية أنواع دهون الضأن على أساس الموقع والوظيفة، لا على أساس المظهر فقط. ومن أهم هذه الأنواع:

وهذا التصنيف ليس ترفًا أكاديميًا، بل هو أساس لفهم الطراوة، والعصيرية، ودرجة الانصهار، وسلوك القطعة أثناء الطهي، وقيمتها النهائية على المائدة.
تتكون دهون الضأن في بنيتها الأساسية من الدهون الثلاثية، وهي المكوّن الأكبر في النسيج الدهني. أما من حيث الأحماض الدهنية، فإن المشهد يغلب عليه ثلاثة مكونات رئيسية:
وغالبًا ما يتصدر حمض الأوليك المشهد في كثير من دهون الضأن، مع حضور معتبر لحمضي البالميتيك والستياريك، بينما توجد أحماض أخرى أقل كمية ولكنها مهمة من الناحية الغذائية والبحثية، مثل:
ملاحظة: تركيب دهون الضأن ليس قالبًا جامدًا، بل يتأثر بوضوح بـ: موضع الدهن، السلالة، العمر، الجنس، نوعية العليقة، المرعى، الحالة الصحية، البيئة، ودرجة الإجهاد قبل الذبح.
لا تتوقف قيمة دهون الضأن عند الدهون الثلاثية وحدها، بل تمتد إلى ما يعرف بـ المكونات الصغرى، وهي بالغة الأثر في الثبات، والمذاق، وجودة التخزين، وتطور النكهة. ومن أهمها:
يحظى دهن الذيل أو "اللية" في السلالات ذات الذيل السمين بمكانة خاصة في الوعي الغذائي العربي. علميًا، هو مخزن تكيفي للطاقة يعكس تاريخ تكيف الأغنام مع البيئات القاحلة. وله قيمة طهوية واضحة لما يمنحه من عمق في المذاق وثراء في القوام، لكن قراءته الغذائية يجب أن ترتبط بنوعية أحماضه الدهنية وسياق الاستهلاك الكلي.
يختلف دهن الأحشاء (كدهن الكلى والثرب) عن الدهن السطحي؛ فهو أكثر اتصالًا بالعمليات الحيوية، وغالبًا ما يكون أكثر صلابة وأعلى في نقطة الانصهار. ومن الحقائق العلمية أن هذا النسيج يكون حيًا ومتغيرًا، حيث يبدأ في الحملان حديثة الولادة بخصائص قريبة من الدهن البني المولد للحرارة ثم يتحول إلى دهن أبيض نضج مع النمو.
إذا كان دهن الذيل هو الأشهر، فإن الدهن داخل العضلات هو الأهم لجودة الأكل، وهو ما يعرف بـ التنقير أو المرمرية. هذا النوع مسؤول عن:
الحقيقة العلمية الأساسية: ليست القطعة الخالية تمامًا من الدهن هي الأفضل دائمًا؛ فالتوازن الدقيق بين الألياف العضلية والدهن المتخلل هو سر الجودة التي يبحث عنها الطهاة والذواقة.
من أكثر ما يميز لحم الضأن ذلك التناغم الخاص؛ فحين يتوزع الدهن داخل العضلات وحولها بدرجة منضبطة، فإنه يثري المذاق ويُكسب الرائحة عمقًا ودفئًا. إن تميز الضأن لا يكمن في وفرة الدهن وحدها، بل في حسن تناغمه مع اللحم تركيبًا، ورائحةً، ومذاقًا، ووظيفةً على المائدة.
دهون الضأن ليست مجرد تفصيل ثانوي، بل عنصر مركزي يفسر الفروق التي يلحظها الذوق ويثبتها العلم. سر التميز يكمن في التوازن الذكي؛ حين يصبح الدهن عنصرًا بنائيًا وحسيًا، لا مجرد كتلة زائدة.
سننتقل من كيمياء التكوين إلى منطق التوظيف:
هناك تكتمل الصورة.. من بنية الدهن… إلى وظيفة القطعة… إلى الرؤية الإنتاجية والغذائية الأوسع.