
رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
تمهيد
ليس زيت القلي مجرد وسيط ساخن يمنح الطعام لونًا ذهبيًا وقوامًا مقرمشًا، بل هو نظام كيميائي يتغير مع كل دورة تسخين، وكل وجبة تُقلى فيه، وكل دقيقة يتعرض فيها للحرارة والأكسجين والرطوبة.
(مقال علمي مبسط للمتخصصين وعامة المستهلكين)
يبدأ الخطأ في التعامل مع زيوت القلي غالبًا من فكرة بسيطة لكنها مضللة: أن كل زيت نباتي يصلح للقلي، وأن صلاحية الزيت تُعرف فقط من لونه أو رائحته. والحقيقة العلمية أن زيت القلي مادة حساسة ومعقدة، تختلف خصائصها باختلاف تركيبها من الأحماض الدهنية، ودرجة تكريرها، ونقطة تدخينها، وقدرتها على مقاومة الأكسدة.
لذلك فإن أول خطوة في سلامة القلي لا تبدأ عند المقلاة، بل عند اختيار الزيت نفسه. فالزيت المناسب قد يتحمل الحرارة بدرجة أفضل، ويعطي غذاءً أكثر جودة، ويتدهور بمعدل أبطأ. أما الزيت غير المناسب، فقد يتأكسد سريعًا، وتتغير رائحته، ويتحول إلى مصدر لمركبات غير مرغوبة تؤثر في جودة الطعام وسلامته.
تتكون الزيوت والدهون الغذائية أساسًا من الدهون الثلاثية (Triacylglycerols)، وهي جزيئات تتكون من جليسرول مرتبط بثلاثة أحماض دهنية. واختلاف هذه الأحماض الدهنية هو الذي يحدد سلوك الزيت أثناء القلي:
ومن هنا نفهم أن وصف الزيت بأنه “صحي” لا يعني بالضرورة أنه الأفضل للقلي العميق؛ فزيت قد يكون ممتازًا للسلطة أو الاستعمال البارد، لكنه غير مناسب للقلي المتكرر.
يعتمد الاختيار العلمي لزيت القلي على معيارين رئيسيين:
نقطة التدخين هي درجة الحرارة التي يبدأ عندها الزيت في إطلاق دخان مرئي. ويُعد ظهور الدخان علامة على بدء تحلل مكونات الزيت وتكوين مركبات متطايرة تؤثر في الرائحة والطعم والسلامة.
وبما أن درجة القلي العميق غالبًا ما تكون بين 160 و180 درجة مئوية، فإن الزيت المستخدم يجب أن تكون له نقطة تدخين أعلى من هذا النطاق بما يكفي لتوفير هامش أمان. ومع ذلك، لا ينبغي الاعتماد على نقطة التدخين وحدها؛ فقد يكون الزيت عالي التدخين لكنه ضعيف الثبات التأكسدي فيتدهور بسرعة مع الاستخدام المتكرر.
الاستقرار التأكسدي هو قدرة الزيت على مقاومة التفاعل مع الأكسجين أثناء التسخين. وهو معيار بالغ الأهمية في القلي، لأن الزيت لا يتعرض للحرارة فقط، بل يتعرض أيضًا للأكسجين والرطوبة وبقايا الطعام.
خلاصة عملية: الأفضل للقلي ليس الزيت الأعلى سعرًا أو الأكثر شهرة، بل الزيت الأعلى ثباتًا تحت الحرارة، والأكثر قدرة على مقاومة الأكسدة، والمستخدم ضمن درجة حرارة منضبطة.
عند وضع الغذاء في الزيت الساخن، لا يحدث مجرد انتقال حرارة. بل تبدأ سلسلة متداخلة من التفاعلات الكيميائية، أهمها:
تحدث الأكسدة عندما يتفاعل الزيت مع الأكسجين تحت تأثير الحرارة. وتبدأ العملية غالبًا بتكوين مركبات أولية مثل البيروكسيدات والهيدروبيروكسيدات، ثم تتحلل هذه المركبات إلى ألدهيدات وكيتونات وأحماض ومركبات متطايرة.
هذه المركبات مسؤولة عن الرائحة الزنخة، والطعم غير المقبول، وتدهور القيمة الحسية للغذاء المقلي. وتزداد سرعة الأكسدة كلما ارتفعت درجة الحرارة، وزادت مدة التسخين، وارتفعت نسبة الأحماض الدهنية غير المشبعة، وتراكمت بقايا الطعام داخل الزيت.
ينتج التحلل المائي من تفاعل الدهون الثلاثية مع الماء الخارج من الغذاء، خاصة في الأغذية المجمدة أو الرطبة. ويؤدي ذلك إلى تحرير الأحماض الدهنية الحرة (FFA)، وخفض نقطة التدخين، وزيادة احتمالات ظهور الدخان والرائحة الحادة.
ولهذا فإن تجفيف الغذاء قبل القلي ليس مجرد إجراء منزلي بسيط، بل ممارسة علمية تقلل من تلف الزيت وتحد من سرعة تدهوره.
البلمرة تعني اتحاد جزيئات الزيت المتدهورة لتكوين مركبات كبيرة الحجم. وهذه المركبات تزيد لزوجة الزيت، وتجعله داكن اللون، وتؤدي إلى ظهور رغوة مستمرة، وضعف انتقال الحرارة، وزيادة امتصاص الطعام للزيت.
وعندما يصبح الزيت ثقيلاً، عكرًا، شديد الاسمرار، بطيء الحركة، كثير الرغوة، فهذا يعني أن التدهور لم يعد في بدايته، بل وصل إلى مرحلة متقدمة تستدعي التوقف عن استخدامه.
لا يكفي الاعتماد على اللون والرائحة وحدهما. فبعض نواتج التدهور قد تتراكم قبل أن تظهر العلامات الحسية بوضوح. لذلك يستخدم المتخصصون مجموعة من المؤشرات العلمية التي تكمل بعضها بعضًا.
يُعد إجمالي المركبات القطبية (Total Polar Materials) من أهم وأشمل مؤشرات تقييم زيت القلي المستخدم، لأنه يعبر عن تراكم نواتج الأكسدة، والتحلل المائي، والبلمرة في مؤشر واحد.
وتختلف الحدود التنظيمية بين دولة وأخرى، لكن نطاق 24–27% من TPM يُستخدم في عدد من التشريعات أو الإرشادات الدولية كحد رفض أو إنذار قوي لزيت القلي المستعمل.
تُعد الأحماض الدهنية الحرة مؤشرًا مهمًا على التحلل المائي. وكلما ارتفعت زادت حموضة الزيت، وانخفضت نقطة تدخينه، وزادت احتمالات ظهور الدخان والطعم غير المرغوب.
وبصورة استرشادية، تكون FFA في الزيت الطازج المكرر منخفضة جدًا، وغالبًا يُعد تجاوزها نطاق 1% في زيت القلي المستخدم علامة تستدعي الانتباه والمتابعة، بينما قد تمثل القيم الأعلى، خصوصًا قرب 2–2.5%، إنذارًا قويًا بعدم صلاحية الزيت، مع ضرورة عدم الاعتماد عليها وحدها.
تقيس قيمة البيروكسيد (Peroxide Value) نواتج الأكسدة الأولية، وهي البيروكسيدات والهيدروبيروكسيدات. وتفيد هذه القيمة بدرجة كبيرة في تقييم الزيوت الطازجة أو المخزنة؛ لأنها تكشف بدايات الأكسدة قبل ظهور الزنخ بوضوح.
لكن في زيت القلي المستخدم، يجب تفسير PV بحذر؛ لأن البيروكسيدات غير ثابتة عند درجات الحرارة العالية، وقد تتحلل سريعًا إلى نواتج أكسدة ثانوية. لذلك قد نجد قيمة بيروكسيد منخفضة في زيت متدهور، لا لأنه جيد، بل لأن نواتج الأكسدة الأولية تحللت إلى مركبات أخرى.
وبوجه عام، تُستخدم حدود مثل 10 mEq O₂/kg للزيوت المكررة و15 mEq O₂/kg للزيوت البكر أو المعصورة على البارد كقيم جودة للزيوت الصالحة للاستهلاك، لكنها لا تصلح وحدها كحكم نهائي على زيت القلي المستخدم.
بعد تقدير قيمة البيروكسيد كمؤشر لنواتج الأكسدة الأولية، يأتي تقدير رقم الأنيزيدين لتقييم نواتج الأكسدة الثانوية، وخاصة المركبات الألدهيدية الناتجة من تحلل البيروكسيدات.
وهنا تظهر أهمية الجمع بين المؤشرين؛ فقد تكون قيمة البيروكسيد منخفضة لأن البيروكسيدات تحللت بالفعل، بينما يكون رقم الأنيزيدين مرتفعًا بسبب تراكم الألدهيدات المسؤولة عن الرائحة الزنخة والطعم غير المقبول.
وبصورة استرشادية، كلما انخفض رقم الأنيزيدين كان ذلك أفضل، ويُعد ارتفاعه فوق 20 مؤشرًا قويًا على تقدم الأكسدة الثانوية، خاصة إذا صاحبه ارتفاع في TPM أو ظهور رائحة زنخة أو تدهور في نكهة الطعام.
تعطي قيمة الأكسدة الكلية (TOTOX Value) صورة أوسع عن الحالة التأكسدية للزيت، لأنها تجمع بين نواتج الأكسدة الأولية والثانوية وفق المعادلة:
TOTOX = 2 × PV + p-Anisidine Value
ومع أهمية PV وp-AnV وTOTOX، يظل TPM هو المؤشر العملي الأهم في تقييم زيت القلي المستخدم؛ لأنه يعكس تراكم نواتج التدهور المختلفة، بما فيها الأكسدة والبلمرة والتحلل المائي.
يتضح من ذلك أن زيت القلي لا يُحكم عليه بالعين وحدها، ولا بالرائحة وحدها، ولا برقم واحد منفرد. فالزيت الجيد هو نتيجة اختيار صحيح، وتركيب مناسب، ودرجة حرارة منضبطة، ومتابعة علمية وحسية متكاملة.
وفي الجزء الثاني ننتقل من المختبر إلى المطبخ والمطعم: كيف نعرف علامات تلف الزيت؟ ما أفضل أنواع الزيوت عمليًا؟ ما أفضل ظروف القلي والتحمير؟ وكيف نطيل عمر الزيت الآمن دون الإضرار بجودة الطعام أو صحة المستهلك؟
رسالة الجزء الأول: اختيار الزيت المناسب هو نصف السلامة، أما النصف الآخر فيبدأ من فهم سلوك الزيت أثناء التسخين ومراقبة مؤشرات تدهوره قبل أن تخدعنا الحواس.