الزيوت الغذائية ليست درجة واحدة.. التنوع ركيزة الأمن الغذائي

تاريخ النشر:
May 18, 2026
أخر تعديل:
May 18, 2026

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.

الزيوت البكر والمعصورة على البارد والمكررة والدهون الحيوانية بين العلم والاقتصاد وسلامة الغذاء

ليست قضية الزيوت والدهون الغذائية قضية ذوق شخصي فقط، ولا هي معركة بين زيت “فاخر” وآخر “عادي”، أو بين زيت بكر وآخر مكرر، أو بين دهن نباتي وآخر حيواني. إنها قبل كل شيء قضية علم، واقتصاد، وأمن غذائي، وسلامة غذاء، وعدالة في الإتاحة.

فكثير من الناس، بل بعض المتخصصين أحياناً، يخلطون بين ما يفضلونه لأنفسهم وبين ما تحتاجه المجتمعات فعلياً؛ بين قدرة فرد على شراء زيت بكر ممتاز أو زيت معصور على البارد بسعر مرتفع، وبين قدرة دولة على توفير احتياجات ملايين الأسر من زيوت غذائية آمنة ومستقرة ومتاحة طوال العام.

إن التفضيل الشخصي حق لا خلاف عليه؛ فمن حق المستهلك أن يختار زيت الزيتون البكر، أو زيتاً معصوراً على البارد، أو زيتاً مكرراً، أو دهناً حيوانياً تقليدياً، وفق ذوقه، وثقافته الغذائية، وقدرته المالية، وحالته الصحية، وطريقة الطهي التي يستخدمها. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه التفضيلات الفردية إلى أحكام عامة يراد فرضها على المجتمع كله، وكأن العالم يمكن أن يعيش على نوع واحد من الزيت أو درجة واحدة من الدهون.

الحقيقة العلمية والاقتصادية أن العالم لا يستهلك الزيوت والدهون في صورة واحدة، ولا يحتاج إليها لغرض واحد. فهناك زيوت تؤكل على البارد، وزيوت تصلح للطهي، وزيوت تتحمل القلي بدرجات مختلفة، وزيوت تدخل في التصنيع الغذائي، ودهون تستخدم في المخبوزات والحلويات، ودهون حيوانية لها حضور ثقافي وغذائي في مجتمعات كثيرة. ولكل نوع خصائصه، واستخداماته، وسعره، وسوقه، وحدود سلامته.

أنواع الزيوت الغذائية.. شبكة وظائف لا سلم طبقي

من الخطأ أن نقسم الزيوت الغذائية إلى “قمة” و“قاعدة” بمعنى طبقي أو دعائي. فزيت الزيتون البكر الممتاز له مكانته وقيمته، خاصة في الاستخدامات الباردة أو الطهي الهادئ، حيث يحتفظ بجزء من مكوناته الطبيعية ونكهته وخواصه الحسية. والزيوت المعصورة على البارد لها جمهورها وقيمتها التسويقية، لأنها تنتج بتدخل حراري محدود وتحافظ على بعض المركبات الطبيعية المرتبطة بالمصدر النباتي.

لكن هذا لا يعني أن الزيوت المكررة أقل قيمة من حيث الوظيفة العامة أو الأمن الغذائي. فالزيت المكرر، متى أنتج وفق المواصفات والرقابة الجيدة، يؤدي دوراً أساسياً في إتاحة الزيت للملايين بسعر مناسب، وبصفات ثابتة، ونكهة محايدة، وصلاحية أطول، وقدرة أفضل على الدخول في الاستخدامات اليومية والتصنيع الغذائي.

وبغير الزيوت المكررة، لا يمكن تلبية جانب ضخم من الاستهلاك العالمي، ولا تشغيل قطاعات واسعة من الصناعات الغذائية، ولا استقرار الأسواق في مواجهة تقلبات الإنتاج والتجارة. إذن ليست القضية: أي زيت هو “الأفضل” بإطلاق؟ بل السؤال الأدق: أي زيت هو الأنسب لأي استخدام؟ هل هو للسلطة؟ للطهي الخفيف؟ للقلي؟ لصناعة المخبوزات؟ للتخزين؟ للتصنيع؟ للأسر محدودة الدخل؟ للمطاعم؟ للمدارس والمستشفيات؟ أم لسلاسل الإمداد الطويلة؟

الزيوت البكر والزيوت المعصورة على البارد.. قيمة عالية وحدود واقعية

لا شك أن الزيوت البكر والمعصورة على البارد تمثل شريحة مهمة في منظومة الزيوت الغذائية. فهي تعكس جودة المادة الخام، وطبيعة المصدر النباتي، وحرصاً أكبر على تقليل المعاملة الحرارية والكيميائية. ولذلك ترتبط غالباً بصورة ذهنية إيجابية لدى المستهلك، خاصة عندما تكون منتجة ومعبأة ومخزنة بطريقة سليمة.

لكن هذه الزيوت ليست حلاً عاماً لكل البشر ولا لكل الاستخدامات. فهي غالباً أعلى سعراً، وأقل قدرة على تلبية الطلب الكمي الضخم، وأكثر تأثراً بجودة الخام، وظروف التخزين، والضوء، والحرارة، والأكسجين. كما أن بعض الزيوت البكر أو المعصورة على البارد قد لا تكون الأنسب لعمليات القلي الشديد أو التصنيع واسع النطاق.

وهنا تظهر أهمية الرؤية العلمية الرشيدة: احترام هذه الزيوت وتقدير قيمتها دون تحويلها إلى معيار وحيد للحكم على بقية الزيوت. فالمنتج الممتاز في سياق معين قد لا يكون عملياً في سياق آخر. وما يناسب مستهلكاً قادراً في مدينة قريبة من الأسواق المنظمة، قد لا يناسب أسرة محدودة الدخل، أو مؤسسة إطعام جماعي، أو دولة تبحث عن تأمين احتياجات ملايين المواطنين.

الزيوت المكررة.. عمود الإتاحة لا عنوان الرداءة

من أكثر الأخطاء شيوعاً النظر إلى كلمة “مكرر” بوصفها حكماً سلبياً مطلقاً. والحقيقة أن التكرير في صناعة الزيوت ليس تهمة، بل عملية تكنولوجية تهدف إلى إزالة الشوائب، وخفض المركبات غير المرغوبة، وتحسين اللون والرائحة والطعم والثبات، وجعل الزيت أكثر ملاءمة للاستخدامات الواسعة.

الزيت المكرر الجيد ليس زيتاً رديئاً، بل زيت مطابق للمواصفات، يخضع لعمليات ضبط ومراقبة، ويؤدي وظيفة مختلفة عن الزيت البكر. فبينما يحتفظ الزيت البكر بخصائص حسية وطبيعية معينة، يوفر الزيت المكرر ثباتاً وتجانساً وصلاحية وسعراً وقدرة على التداول والتصنيع لا يمكن الاستغناء عنها في السوق العالمي.

ولولا الزيوت المكررة من فول الصويا، وعباد الشمس، والذرة، والكانولا، والنخيل، وبذرة القطن وغيرها، لما استطاعت كثير من الدول تلبية احتياجاتها اليومية من الزيوت. فهي زيوت تدخل في طهي البيوت، وصناعة المعلبات، والمخبوزات، والصلصات، والأغذية الجاهزة، وسلاسل الإمداد الطويلة. وبذلك فهي جزء أصيل من الأمن الغذائي، لا مجرد بديل منخفض الدرجة.

الدهون الحيوانية في الغذاء.. بين التراث والاستخدام الرشيد

لا تكتمل صورة الدهون الغذائية دون الحديث عن الدهون الحيوانية، مثل السمن البلدي والزبد وبعض الدهون المستخدمة تقليدياً في الطهي. هذه الدهون ليست مجرد مواد غذائية، بل جزء من ثقافات غذائية وتراث طهي في مجتمعات كثيرة. ولها خصائص حسية ووظيفية تختلف عن الزيوت النباتية، خاصة في النكهة والقوام وبعض تطبيقات الطهي والمخبوزات.

لكن التعامل العلمي معها يجب أن يكون متوازناً؛ فلا شيطنة مطلقة ولا تمجيد مطلق. الدهون الحيوانية قد تكون مناسبة في حدود معينة وضمن نظام غذائي متوازن، لكنها ليست بديلاً عاماً لكل الزيوت، كما أن ارتفاع محتواها من الدهون المشبعة يستدعي وعياً بالاستخدام والكميات، خاصة لدى بعض الفئات الصحية.

ومن هنا يكون دور المتخصص هو الإرشاد لا التخويف، والتوازن لا التعميم. فالمجتمع لا يحتاج إلى خطاب غذائي يقوم على المنع المطلق أو التمجيد المطلق، بل إلى فهم علمي يضع كل دهن في مكانه الصحيح، ووفق استخدامه المناسب، وبما يحقق السلامة الغذائية ويحترم العادات الغذائية دون الإضرار بالصحة العامة.

التنوع في الزيوت والدهون ضرورة للأمن الغذائي العالمي

العالم يحتاج إلى مزيج واسع من الزيوت والدهون:

  • زيوت بكر: للغذاء عالي القيمة والاستخدامات الخاصة.
  • زيوت معصورة على البارد: لمن يطلبون خصائص طبيعية معينة.
  • زيوت مكررة: للإتاحة الواسعة والطهي والتصنيع.
  • دهون حيوانية: لبعض الاستخدامات التراثية والوظيفية.

هذا التنوع ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية وغذائية. فالأمن الغذائي لا يتحقق بزيت واحد، ولا بمحصول زيتي واحد، ولا بمصدر واحد للاستيراد أو الإنتاج. الاعتماد على نوع واحد يجعل السوق هشاً أمام تقلبات المناخ، والأمراض النباتية، واضطرابات التجارة، وارتفاع أسعار الشحن، والحروب والأزمات. أما تنويع مصادر الزيوت بين عباد الشمس، وفول الصويا، والذرة، والكانولا، والنخيل، والزيتون، والسمسم، والكتان، وبذرة القطن، وغيرها، فيمنح الدول مرونة أكبر وقدرة أفضل على تأمين احتياجاتها، كما يفتح الباب أمام تكامل غذائي ووظيفي بين زيوت تختلف في أحماضها الدهنية ومكوناتها الصغرى.

والأمر لا يتوقف عند الاستيراد، بل يمتد إلى ضرورة تشجيع زراعة المحاصيل الزيتية محلياً، وتحسين إنتاجية الفدان، وتطوير منظومات العصر والاستخلاص والتكرير والتعبئة، والاستفادة من الكسب الناتج في صناعة الأعلاف، وربط الزراعة بالصناعة والبحث العلمي.

تكامل الأحماض الدهنية في الزيوت.. من أوميجا 6 إلى أوميجا 3

ولا يقتصر التنوع بين الزيوت الغذائية على اختلاف مصادرها وأسعارها واستخداماتها، بل يمتد إلى تكاملها العلمي في التركيب والقيمة الحيوية. فالزيوت لا تتشابه في نسب الأحماض الدهنية؛ فبعضها يتميز بارتفاع محتواه من الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، وبعضها الآخر يحتوي على نسب أعلى من الأحماض الدهنية العديدة غير المشبعة، بينما تحتوي زيوت ودهون أخرى على نسب مختلفة من الأحماض الدهنية المشبعة.

ومن هنا تأتي أهمية التوازن بين الأحماض الدهنية المشبعة، والأحادية غير المشبعة، والعديدة غير المشبعة، وكذلك تحسين العلاقة بين أحماض أوميجا 6 وأوميجا 3 في الغذاء اليومي. فليست كل الزيوت متطابقة في أثرها الغذائي أو تركيبها الكيميائي، ولا ينبغي النظر إليها كبدائل متساوية في كل الظروف، بل كعناصر يمكن أن تتكامل وفق الاستخدام والاستهلاك العام ونمط الغذاء السائد.

وهذا التكامل لا يعني خلط الزيوت عشوائياً أو إطلاق ادعاءات صحية غير منضبطة، بل يعني أن تنوع مصادر الزيوت داخل المنظومة الغذائية يساهم في تحسين التوازن العام للغذاء، ويقلل الاعتماد على نمط دهني واحد قد يطغى فيه حمض دهني معين على حساب آخر.

المكونات الصغرى في الزيوت.. قيمة تتجاوز الأحماض الدهنية

لكن التكامل الحقيقي بين الزيوت لا يقف عند حدود الأحماض الدهنية وحدها، بل يشمل أيضاً ما تحتويه من مكونات صغرى ذات قيمة وظيفية وحيوية، مثل التوكوفيرولات، والإستيرولات النباتية، والمركبات الفينولية، والصبغات الطبيعية كالكاروتينات والكلوروفيل، وغيرها من المركبات المصاحبة التي تختلف من زيت إلى آخر تبعاً للمصدر النباتي وطريقة الاستخلاص والتخزين والتصنيع.

وهذه المكونات، رغم وجودها بكميات صغيرة، تسهم في رفع جودة الزيت وكفاءته وثباته وقيمته الغذائية والحسية، وقد تمنح بعض الزيوت مزايا طبيعية لا تتوافر بالقدر نفسه في زيوت أخرى. فبعض الزيوت تتميز بمحتواها من مضادات أكسدة طبيعية، وبعضها يرتبط بقيمة حسية أو لون أو نكهة مميزة، وبعضها يحتوي على مركبات تسهم في ثبات الزيت أو تميزه الوظيفي.

لذلك فإن النظرة العلمية الراقية لا تضع الزيوت في حالة صراع دائم، بل تنقلها من منطق التنافس إلى منطق التكامل؛ فكل زيت يمكن أن يضيف جانباً من التوازن، سواء في تركيب الأحماض الدهنية أو في محتواه من المكونات الصغرى، بما يجعل تنوع الزيوت أداة لتحسين جودة الغذاء وكفاءته، لا مجرد تنويع تجاري في الأسواق.

سلامة الزيوت الغذائية والآمان الغذائي.. مفهومان متكاملان

في ملف الزيوت والدهون، يجب التمييز بين مفهومين متكاملين: السلامة الغذائية والآمان الغذائي.

  • السلامة الغذائية: تعني أن يكون الزيت أو الدهن آمناً للاستهلاك، خالياً من الملوثات في الحدود المسموح بها، مطابقاً للمواصفات، محفوظاً ومعبأً ومتداولاً بطريقة سليمة.
  • الآمان الغذائي: فيعني قدرة المجتمع على توفير احتياجاته من الزيوت والدهون بصورة مستقرة ومستمرة وبأسعار مناسبة.

وقد يكون الزيت عالي الجودة من الناحية الحسية، لكنه غير متاح لغالبية الناس بسبب السعر أو الندرة. وقد يكون الزيت واسع الإتاحة ومناسباً اقتصادياً، لكنه يحتاج إلى رقابة صارمة لضمان سلامته وجودته. لذلك فإن الرؤية المسئولة لا تنحاز للشكل أو الاسم التجاري، بل تجمع بين السلامة، والإتاحة، والسعر، والصلاحية، والاستخدام المناسب.

وهنا تبرز أهمية المواصفات القياسية، وتحليل الجودة، والرقابة على التخزين والنقل والتعبئة، ومتابعة مؤشرات التلف والأكسدة، ومنع الغش التجاري، وضبط الادعاءات التسويقية. فالزيت لا يكون جيداً بمجرد اسمه أو صورته الذهنية، بل بمدى مطابقته للمعايير العلمية والرقابية التي تضمن سلامته للمستهلك.

التفضيل الشخصي لا يصنع سياسة للزيوت والدهون

من حق فرد أن يقول: أفضل زيت الزيتون البكر. ومن حق آخر أن يختار زيت عباد الشمس، أو الذرة، أو السمن البلدي، أو زيتاً معصوراً على البارد. لكن ليس من حق أحد أن يحول اختياره الشخصي إلى قاعدة عامة تصلح لكل الناس. فاختيارات الغذاء ترتبط بالدخل، والعادات، والصحة، والتوافر، والموقع الجغرافي، وطبيعة الطهي، وحجم الأسرة، والقدرة على التخزين.

المتخصص الحقيقي لا يسأل فقط: ما الزيت الذي أفضله؟ بل يسأل:

  • ما الزيت المناسب لهذا الاستخدام؟
  • وما المنتج الآمن لهذه الفئة؟
  • وما المصدر القادر على تغطية الطلب؟
  • وما السعر العادل؟
  • وما درجة الثبات المطلوبة؟
  • وما أثر ذلك على الاقتصاد الوطني؟
  • وما دور الصناعة المحلية في تقليل الاستيراد وتعظيم القيمة المضافة؟

وبهذا المعنى، فإن سياسة الزيوت والدهون لا تُبنى على الذوق الشخصي، ولا على الدعاية، ولا على الانطباعات العامة، بل على بيانات الاستهلاك، واحتياجات السكان، وقدرات الإنتاج، وسلاسل الإمداد، ومواصفات السلامة، والتوازن بين الجودة والسعر والإتاحة.

صناعة الزيوت في مصر والعالم.. قيمة مضافة لا مجرد عبوات

صناعة الزيوت لا تبدأ عند الزجاجة أو العبوة، بل من البذرة والحقل والمعصرة والمصنع والمعمل وسلسلة النقل والتخزين. فكل بذرة زيتية هي مخزن غذائي وصناعي كامل: منها الزيت، ومنها الكسب المستخدم في الأعلاف، ومنها مكونات ثانوية يمكن الاستفادة منها في صناعات متعددة.

ومن هنا فإن تطوير صناعة الزيوت يمثل فرصة اقتصادية كبرى. فبدلاً من بيع الخام بسعر محدود أو استيراد المنتج النهائي بتكلفة مرتفعة، يجب بناء منظومة متكاملة تشمل زراعة المحاصيل الزيتية، والتجميع، والتجفيف، والتخزين، والعصر، والاستخلاص، والتكرير، والتعبئة، وتحليل الجودة، والاستفادة من المخلفات.

هذه المنظومة توفر فرص عمل، وتحسن دخل المزارع، وتدعم صناعة الأعلاف، وتخفف الضغط على العملة الصعبة، وتزيد قدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسعار العالمية. وكلما قويت الصناعة المحلية، زادت قدرة المجتمع على توفير زيوت آمنة ومتنوعة ومستقرة، بدلاً من الاعتماد المفرط على الخارج.

من الزيوت الطبيعية إلى الزيوت المصنعة.. العبرة بالمواصفات

تنتشر في الأسواق تعبيرات مثل “زيوت طبيعية”، و“زيوت نقية”، و“زيوت صحية”، و“زيوت ممتازة”، وهي تعبيرات قد تكون صحيحة أحياناً، وقد تستخدم أحياناً بطريقة تسويقية تحتاج إلى ضبط. فالطبيعي ليس آمناً دائماً لمجرد أنه طبيعي، والمكرر ليس ضاراً لمجرد أنه مكرر، والبكر ليس مناسباً لكل استخدام لمجرد أنه بكر.

العبرة الحقيقية ليست في الشعار المكتوب على العبوة، بل في مصدر الزيت، وطريقة استخلاصه، ونقله، وتخزينه، وتعبئته، وصلاحيته، ومؤشرات جودته، ومدى مطابقته للمواصفات. فزيت بكر سيئ التخزين قد يفقد كثيراً من مزاياه، وزيت مكرر جيد التصنيع والتداول قد يكون أكثر ملاءمة لاستخدامات معينة من زيت أعلى سعراً لكنه غير مناسب للغرض المطلوب.

ومن هنا يحتاج المستهلك إلى وعي، ويحتاج السوق إلى رقابة، وتحتاج الصناعة إلى شفافية، ويحتاج الخطاب العلمي إلى دقة تمنع التهويل والتضليل في آن واحد.

خاتمة: لا أمن غذائي بزيت واحد

إن معيار الرشد في قضايا الزيوت والدهون ليس أن نفرض نوعاً واحداً على الجميع، ولا أن نختزل العلم في تفضيل شخصي أو دعاية تجارية. الرشد الحقيقي أن نبني منظومة زيوت ودهون آمنة، متنوعة، متاحة، ومناسبة لاستخدامات الناس المختلفة وقدراتهم الاقتصادية وظروفهم الصحية والغذائية.

فالزيوت البكر والمعصورة على البارد لها مكانتها، والزيوت المكررة لها ضرورتها، والدهون الحيوانية لها سياقها واستخدامها الرشيد. وما يجمع بينها جميعاً هو شرط لا تنازل عنه: السلامة، والمطابقة للمواصفات، والرقابة، وحسن التداول، والاستخدام المناسب.

ولن يتحقق الأمن والآمان الغذائي في ملف الزيوت والدهون إلا إذا انتقلنا من منطق المفاضلة العاطفية إلى منطق المنظومة العلمية؛ من سؤال “أي زيت أحب؟” إلى سؤال “كيف نوفر زيوتاً ودهوناً آمنة ومتنوعة ومناسبة لكل الناس؟”. فالعالم لا يطعم سكانه بالاختيارات الفردية وحدها، بل بالعلم، والإنتاج، والتصنيع، والتنوع، والرقابة، والعدالة في الإتاحة.

والرسالة إلى المتخصصين والعامة معاً أن الزيوت الغذائية ليست خصوماً في معركة، بل مكونات في منظومة. وكلما أحسنا فهم خصائصها، وتكامل أدوارها، وضبطنا جودتها، ووجهنا استخدامها، انتقلنا من سوق يقوم على التنافس الدعائي إلى غذاء يقوم على التكامل العلمي والرقي الحضاري.

مقالات آخرى للكاتب

النشرة البريدية

تواصل معانا وتابعنا على منصات التواصل الإجتماعي

Tiktok logolinkedin logoinstagram logofacebook logoyoutube logoX logoEmail icon
.Copyright Zyotwdhon. All Rights Reserved ©