
قد تبدأ الحكاية بمعلومة صحيحة، ثم تنتهي بصورة مضللة: يُقال إن الهكسان يُستخدم في استخلاص الزيت، وتُختصر رحلة التصنيع كلها في هذه العبارة، حتى يتصور المستهلك أن ما يصبّه في طعامه هو المذيب الذي دخل المصنع!
تظهر المشكلة حين تتحول المعرفة الجزئية إلى حكم كامل. يختار بعض هواة الشهرة، أو المتحدثين خارج حدود اختصاصهم، زاوية مثيرة من موضوع علمي، ويجمعون حولها كلمات من دراسة وعبارات من تقرير، دون توضيح ظروف التجارب أو مقدار التعرض أو مدى انطباق النتائج على الغذاء النهائي.
وفي الحديث عن الزيوت، قد يُستخدم تشبيه الهكسان بوقود السيارات لإثارة الخوف، بينما تُغفل مراحل فصل المذيب واسترجاعه والتحقق من متبقياته. وهكذا يختلط استخدام مادة أثناء التصنيع بوجودها في الغذاء بالكمية والصورة نفسيهما.
ومن حق المستهلك معرفة الحقيقة كاملة، بما فيها ضوابط السلامة والمسائل التي ما زالت تحتاج إلى بحث. فالطمأنة المسؤولة تحتاج إلى دليل، كما يحتاج التحذير المسؤول إلى دليل.
فرفقًا بعامة المستهلكين؛ لا تجعلوا مائدتهم ساحةً للتخويف بمعلومات ناقصة. ولنجعل هداية السؤال قول الله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ». نسأل أهل الاختصاص، ونطلب المصدر، ونقرأه في سياقه.
الهكسان التجاري المستخدم في الاستخلاص خليط هيدروكربوني، يعرّفه التشريع الأوروبي بأنه يتكون أساسًا من هيدروكربونات مشبعة غير حلقية ذات ست ذرات كربون، تُقطَّر بين 64 و70 درجة مئوية. وهذا وصف لنطاق تقطير المنتج التجاري، وليس حصرًا لدرجات غليان جميع مكوناته المحتملة. [5]
أما n-Hexane فهو مركب محدد، ويُعد من المكونات الرئيسية للهكسان التجاري. [2]
لذلك، فإن مساواة مذيب الاستخلاص بوقود السيارات لا تقدم وصفًا علميًا صحيحًا. وفي المقابل، فإن عبارة «هكسان مخصص للاستخلاص الغذائي» تحتاج إلى مواصفات وفحوص تثبت التركيب والنقاء وضبط الشوائب؛ فالاسم التجاري وحده لا يكفي.
الفارق بين المذيب ووقود السيارات مهم، والتحقق من جودة المذيب مهم أيضًا.
يوجد الزيت داخل الأنسجة النباتية، وتختلف وسيلة استخراجه بحسب المادة الخام ومحتواها من الزيت والمنتج المطلوب.
فالعصر الميكانيكي يستخدم الضغط لتحرير الزيت. أما الاستخلاص بالمذيب فيستخدم قدرة الهكسان على إذابة الزيت، وقد يُجرى مباشرة أو لاسترداد الزيت المتبقي بعد العصر. ومن أمثلته استخلاص زيت الصويا. أما الزيتون فهو ثمرة زيتية يُستخرج الزيت من لبها بعمليات ميكانيكية مناسبة. [1، 3]
ويتكون أثناء الاستخلاص خليط سائل من الزيت والمذيب يُسمى «الميسلا»، ثم تبدأ مرحلة فصل المذيب واسترجاعه.
تتفرع العملية إلى مسارين، يحتاج كل منهما إلى معالجة مستقلة:
وقد تتضمن معالجة الكسب التجفيف والتبريد. وتختلف الشروط المطلوبة للكسب العلفي عن بعض المنتجات البروتينية المخصصة للغذاء. [1]
ولهذا، لا يُستدل من مطابقة الزيت على مطابقة الكسب، ولا تُنقل الحدود الخاصة بزيت الطعام تلقائيًا إلى الأعلاف أو المنتجات الصلبة.
كما أن استرجاع المذيب عملية صناعية تُراقب كفاءتها؛ فلا يصح وصفها بأنها تضمن استعادة كل كمية المذيب أو غياب متبقياته غيابًا مطلقًا.
الاستخلاص يُخرج الزيت من مادته الخام. أما التكرير فيعالج الزيت الخام لخفض مكونات غير مرغوبة وتحسين خصائصه.
وتشمل العمليات المعتادة، بحسب الزيت والمسار المستخدم:
وقد تساعد المعاملات اللاحقة على خفض متبقيات المذيب المتطايرة. لكن تبخير الهكسان لا يثبت إزالة كل شائبة أقل تطايرًا قد تصاحبه. [2]
لذلك، لا تكشف كلمة «مكرر» وحدها طريقة الاستخلاص، ولا تمنح خطوات التكرير ضمانًا تلقائيًا دون ضبط وتحقق.
للـ n-Hexane سمية عصبية معروفة عند التعرض الكافي، خاصة المتكرر. لكن تقدير الخطر الغذائي يحتاج إلى النظر في عناصر مترابطة، منها:
فالتعرض المهني بالاستنشاق يختلف عن التعرض الغذائي، ولا تُنقل نتائج أحدهما مباشرة إلى الآخر دون تقييم مناسب. كذلك، لا يصح افتراض أن الجسم يعطل المادة تلقائيًا لمجرد دخولها عن طريق الغذاء؛ فالامتصاص والتحول الحيوي جزء من التقييم السمي. [4]
وجود خاصية سمية للمادة يستدعي ضبط التعرض، والحكم على منتج غذائي محدد يستدعي بيانات عن متبقياته واستهلاكه.
ينص الملحق الأول، الجزء الثاني، من التوجيه الأوروبي 2009/32/EC على حد أقصى قدره 1 ملجم/كجم في الدهن أو الزيت أو زبدة الكاكاو الناتجة، عند استخدام الهكسان في إنتاج أو تجزئة الدهون والزيوت وإنتاج زبدة الكاكاو. [5]
وهذا الحد:
أما المتبقي الفعلي في عبوة أو تشغيلة معينة، فيُعرف بالتحليل المناسب.
يعادل 1 ملجم/كجم جزءًا واحدًا في المليون على أساس الكتلة، أو جرامًا واحدًا في طن متري من الزيت. ولا يصلح تشبيه ذلك بقطرة موزعة على حجم معين دون تحديد حجم القطرة وكثافة المادة.
وللتوضيح الحسابي فقط، إذا كانت نتائج القياس الموثوقة لمتبقي الهكسان في زيت خاضع للحد الأوروبي المذكور كما يأتي:
هذه أمثلة حسابية، وليست نتائج مسح لزيوت السوق. كما أن تجاوز الحد لا يحدد وحده سبب الخلل أو النتيجة الصحية المتوقعة.
تُستخدم طرق تحليل مناسبة، منها كروماتوجرافيا الغاز، وقد تعتمد على تحليل الحيز الغازي فوق العينة. وتحتاج الطريقة إلى إثبات صلاحيتها للعينة والمستوى المطلوب قياسه.
ومن المراجع المعيارية:
والنطاق المعلن لـ ISO 9832:2002 هو 10–1500 ملجم/كجم. لذلك، لا يكفي ذكر رقمها وحده لإثبات المطابقة عند 1 ملجم/كجم؛ يلزم إثبات أداء الطريقة المستخدمة عند المستوى المطلوب، مع معايرة وضبط جودة مناسبين. [6]
وترتبط هذه الحدود بالطريقة كاملة وظروف تطبيقها، وليس باسم الجهاز وحده.
تتكامل الأدوار، لكنها تختلف:
ولا يُنسب حد قانوني أوروبي تلقائيًا إلى منظمة الصحة العالمية أو الكودكس. كما لا يعني السماح باستخدام مذيب ضمان مطابقة كل منتج يُصنع به. [10‑12]
خلص تقرير EFSA لعام 2024 إلى الحاجة لإعادة تقييم سلامة الهكسان التقني، وتوضح صفحتها الرسمية أن العمل جارٍ. [2، 10]
ومن المسائل المطروحة:
هذه مراجعة علمية لها أسباب محددة. فلا تختزل في إجراء شكلي، ولا تُحوَّل إلى حكم بأن جميع الزيوت الحالية غير آمنة. كما لا يجوز ملء فجوات المعرفة بأرقام أو استنتاجات لا تسندها بيانات.
يعرض الفهرس الرسمي للهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة المواصفة 7985/2021: الزيوت النباتية الغذائية المسماة، مع تعديل جزئي لعام 2024، بوصفها إلزامية. ويورد القرارات 693/2015 و403/2018 و447/2024. [13]
أما 51-17/2021 فهي طريقة اختبار لتقدير متبقي الهكسان التجاري، متبناة من ISO 9832:2002، ويعرضها الفهرس بوصفها غير إلزامية، دون قرار إلزام محدد. [14]
ويجب التمييز بين مواصفة المنتج وطريقة الاختبار. ولا تكفي بيانات الفهرس وحدها لنسبة حد رقمي مصري للهكسان؛ يلزم الرجوع إلى النص الكامل والتعديل والقرارات ذات الصلة.
وتتولى الهيئة القومية لسلامة الغذاء الرقابة على تداول الغذاء وفق اختصاصاتها القانونية. ويظل المصنع مسؤولًا عن ضبط المدخلات والتشغيل والصيانة والتتبع، والتحقق من فاعلية إجراءات التحكم. [15، 16]
وقد تضيف الشركات متطلبات داخلية أشد من الحدود التنظيمية؛ وتظل قيمتها في التطبيق والتوثيق، لا في شهرة الاسم أو حجم المنشأة.
ويستند هذا التصحيح إلى وظائف التصنيع وحدود التقييم؛ فلا تُستبدل مبالغة التخويف بمبالغة الطمأنة. [1‑4، 16]
عند الشراء، اختر مصدرًا معلومًا، وافحص سلامة العبوة ووضوح بيانات المنتج والتواريخ والتشغيلة. وتجنب المنتجات مجهولة المصدر، واحتفظ بإثبات الشراء عند الحاجة. [17]
واختر الزيت وفق استعماله وخصائصه؛ فلا يكفي وصف «مكرر» أو «معصور على البارد» للحكم بأنه الأفضل لكل أنواع الطهي أو لكل المستهلكين.
وعند الاشتباه في عبوة، لا تحاول تصحيحها بالتسخين. احتفظ بها وببياناتها، وتواصل مع الجهة المختصة. وتعلن بوابة الهيئة القومية لسلامة الغذاء الخط الساخن 19565 للتواصل، كما تتيح منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة تقديم الشكاوى وتوجيهها. [18، 19]
قبل تصديق محتوى غذائي أو مشاركته، اسأل:
هذه علامات جودة للمعلومة، وليست اختبارًا شكليًا للألقاب؛ فالمصداقية تُبنى بصحة الدليل وأمانة عرضه.
سلامة الغذاء حق للمستهلك، ومسؤولية على المنتج، واختصاص للرقابة، وأمانة في عنق من يشرح العلم للناس.
وتبسيط العلوم يقتضي تقريب الفكرة دون اقتطاع ما يغيّر معناها. فمن إنفاق العلم أن نشرح وظيفة المذيب، وكيف يُفصل، وما الذي يقيسه المختبر، وما الذي يحتاج إلى متابعة علمية؛ وأن نمنح الناس أدوات السؤال بدل الاكتفاء بعبارات الاطمئنان أو الخوف.
المائدة الآمنة تحتاج إلى تصنيع منضبط، وتحليل مناسب، ورقابة تتحقق. والكلمة الأمينة تجعل هذه المنظومة مفهومة، وتمنح المستهلك معرفة يختار بها، ويسأل بها، ويحمي حقه بها.
تاريخ الاطلاع على المصادر الإلكترونية: 13 أكتوبر 2026.