

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
دليل مرجعي شامل يعيد تعريف الغذاء الصحي في ضوء السياسة والاقتصاد ولغة الكيمياء الحيوية
لسنوات طويلة، أُقنعنا بأن الدهون هي العدو الأول للقلب، وأن الزبدة طريق مختصر للنوبات القلبية. لكن الهرم الغذائي الجديد 2026 يقلب الطاولة، ويعلن براءة الدهون الطبيعية المشروطة!
في هذا المقال إكتشف كيف تحول "المتهم" إلى "حارس" للخلايا والدماغ، ولماذا يعد زيت الزيتون اليوم حجر زاوية في معادلة الحياة الصحية . واكتشف لماذا لم تعد السعرات هي المعيار، وكيف تفرق بين "الذهب السائل" والزيوت المهدرجة في أكبر مراجعة علمية للتوصيات الغذائية العالمية.
لم يحدث في تاريخ التغذية انقلابٌ أشد صخباً من التعديل الأخير للهرم الغذائي الأمريكي. فبعد عقود من سياسة "شيطنة الدهون" التي هيمنت على الوعي العالمي، نجد أنفسنا أمام لحظة تاريخية تعيد رسم الخريطة البيولوجية لأجسامنا.
المسألة لم تعد مجرد تغيير في حصص الطعام، بل هي إعادة صياغة فلسفية لفهم الغذاء؛ هل هو مجرد سعرات حرارية؟ أم منظومة إشارات كيميائية وهرمونية تؤثر في الأيض والمناعة والعمر البيولوجي؟ الهرم الجديد لا يكتفي بإعلان براءة الدهون، بل ينصبها كعنصر تنظيمي أساسي لصحة الدماغ ومرونة الخلايا، ناسفاً أسطورة أن "كل الدهون شر مطلق".
الهرم التقليدي (1992) بُني على فرضية مبسطة: "قلّل الدهون.. وأكثر من النشويات". لكن العلم الحديث كشف أن الجسم يتعامل مع الغذاء كرسائل مشفرة لا كأرقام حسابية:
انتقل العلم من مرحلة "الخوف من الدهون" إلى "التمييز النوعي"؛ فلم تعد الدهون مصدراً للطاقة فحسب، بل ضرورة حيوية لبناء أغشية الخلايا وصحة الدماغ.
أثبتت دراسات كبرى (مثل PURE) أن الخطر ليس في الدهون الطبيعية لذاتها، بل في "التحالف القاتل" الذي ينشأ عند دمج الدهون مع النشويات المكررة والسكريات. الدهون الصحية هي وسيلة النقل الوحيدة لامتصاص الفيتامينات الحيوية (A, D, E, K).
التوصيات الحديثة ترفع حصة البروتين (1.2–1.6 جم/كجم) للوقاية من "الساركوبينيا" أو ضمور العضلات.
نصيحة ذهبية: ابدأ وجبتك بالبروتين؛ فهو يخلق "بطانة" في الأمعاء تبطئ امتصاص السكريات، مما يقلل ذروة ارتفاع سكر الدم بنسبة تصل إلى 30%.
إليك جدول يوضح أبرز التبديلات الذكية التي ينصح بها الهرم الغذائي الجديد:

يُحسب لهذا الهرم انتقاله من الكم إلى النوع، وإنصافه للدهون الطبيعية التي ظُلمت لعقود. كما أنه ربط بين التغذية وصحة الأمعاء (الميكروبيوم) وعلم الأعصاب، وقدم حلولاً مستدامة تناسب الميزانيات المحدودة عبر دمج الحبوب والبقوليات (مثل العدس والأرز) لإنتاج بروتين كامل بتكلفة زهيدة.
تتركز الانتقادات في "فجوة الواقع الاقتصادي"؛ فالتوصيات تفترض قدرة شرائية وقدرة على المتابعة الطبية لا تتوفر لغالبية سكان الدول النامية. لذا، يبرز التوجه نحو "الهرم المحلي" الذي يعظم الفائدة من الدهون والمحاصيل الموسمية المتوفرة في بيئة كل مجتمع.
يجب أن ندرك يقيناً أن الهرم الغذائي والتوصيات الغذائية ليست "وحياً من السماء" ثابتاً، بل هي جهد بشري يخضع للدراسة والتطبيق والمراجعة المستمرة. في العلم، لا توجد ثوابت مطلقة؛ العلم يصحح نفسه مع تطور التكنولوجيا الحيوية. الأسس التي نعتمدها اليوم هي أفضل ما وصلنا إليه بناءً على المعطيات الحالية، لكنها تظل قابلة للتعديل والتحسين، مما يعكس مرونة العلم وقدرته على الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار.
يُسدل الهرم الغذائي الجديد الستار على حقبة "الرهاب من الدهون"، ليفتح عهداً جديداً عنوانه "الوعي النوعي". لقد أنصف العلم الدهون الطبيعية مبرئاً ساحتها من تهمة الإضرار بالقلب، بل وجعلها شريكاً لا غنى عنه للصحة.
ولكن هذا الإنصاف ليس شيكاً على بياض؛ فالتمييز بين الغث (الزيوت المهدرجة والمصنعة) والسمين (الدهون الطبيعية المغذية) هو جوهر الصحة الحديثة. العدو لم يكن يوماً في "الدهن" ذاته، بل في "العبث الصناعي" به.
الخلاصة:
"لا تخشَ الدهون.. بل اخشَ رداءة مصدرها." اجعل جودة المصدر بوصلتك، وتذكر أن جسدك يحتاج إلى دهون ذكية تبني خلاياه ولا تهدمها.