

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
حينما تصبح "الثلاجة" قاضياً و"الكشاف" مختبراً!
في كل مرة يُفتح فيها باب الثلاجة أو يُسلط كشاف الهاتف على زجاجة زيت زيتون، يطلّ علينا جدلٌ شعبي يخلط بين الظواهر الفيزيائية ومعايير الجودة. لقد تحول الوعي الاستهلاكي إلى "محكمة منزلية" تُصدر أحكاماً قاطعة بالبراءة أو الإدانة بناءً على "اختبار التجميد" أو "انعكاس الضوء".
ليس كل ما يتجمد نقيًا، ولا كل ما يبقى سائلًا مغشوشًا، ولا كل ما يلمع ذهباً.
بين خرافة شائعة وحقيقة علمية، يكشف هذا المقال لماذا فشل «اختبار الثلاجة» و ضوء الكشاف في أن يكونا دليلًا على جودة زيت الزيتون، وكيف نحمي وعينا الغذائي من أحكام متسرعة لا أساس لها من العلم.
وبصفتي متخصصاً قضى عقوداً في سبر أغوار الزيوت والدهون ومشتقاتها، أعلنها بوضوح: هذه الاختبارات المنزلية أصبحت اليوم سلاحاً في يد الغشاشين لا المستهلكين! إن تجمّد الزيت أو تشتت الضوء عبره هي ظواهر فيزيائية طبيعية، لكنها في عصر "الهندسة العكسية للغش" ليست أدوات حاسمة ولا قطعية الدلالة. فالعلم لا يُقاس بانطباعات بصرية عابرة، بل بميزان التحليل الدقيق وبصمة الإستيرولات التي لا تعرف التزييف.
لكي نفهم حقيقة ما يحدث تحت درجة الصفر، يجب أن ننظر لزيت الزيتون كـ "لوحة فسيفساء" كيميائية معقدة، تتكون من أحماض دهنية "سائلة" وأخرى "صلبة" (مشبعة).
وبحسب معايير هيئة الدستور الغذائي العالمي (Codex Alimentarius)، يحتوي زيت الزيتون النقي طبيعياً على:
هذه النسب هي "دينامو التجمد"؛ فعند انخفاض الحرارة، تبدأ هذه الجزيئات في التكتل، مما يخلق المظهر الصلب. لكن الخديعة تكمن في أن المحتالين (كما رصدنا في فضائح "Agromafia" الدولية) أصبحوا يصنعون خلطات من زيوت رخيصة تملك نفس "بروفيل" الأحماض المشبعة.
والسؤال الذى يطرح نفسه هو: لماذا لم يعد التجمد كافياً لإثبات النقاء؟
الإجابة في تطور أساليب "غش الهندسة العكسية". لقد فطن المحتالون (كما تم رصد فضائح دولية كبرى مثل "الأجرومافيا" Agromafia في إيطاليا) إلى ثقة الجمهور في اختبار الثلاجة، فصنعوا زيتاً مغشوشاً "على المقاس":
النتيجة: سائل يتجمد في ثلاجتك تماماً مثل الزيت الأصلي! لقد مر "حصان طروادة" المغشوش بسلام من بوابة ثلاجتك، وحصل على براءة وهمية بينما هو لا يمت لشجرة الزيتون بصلة.
يلجأ الكثيرون لاستخدام كشاف الهاتف المحمول، بحثاً عن "هالة حمراء" أو انعكاس أخضر معين، ظناً منهم أن هذا هو البصمة القاطعة. وللأسف، يقع هذا تحت طائلة "الخداع البصري الكيميائي".
ما تراه هو تفاعل الضوء مع صبغات (الكلوروفيل)؛ والمزورون اليوم يضيفون صبغات كلوروفيل صناعية أو طبيعية مستخلصة من أوراق نباتات رخيصة لزيوت عباد الشمس، لتعطي نفس الاستجابة الضوئية تماماً.
هذا الاختبار مضلل؛ لأن كثافة اللون تختلف باختلاف صنف الزيتون (شملالي، بيكوال، كورونيكي) ودرجة نضج الثمار، مما قد يجعل زيتاً بكراً ممتازاً "يفشل" في اختبار الكشاف، بينما ينجح فيه زيتٌ مغشوش صُمم للتلاعب بالأطوال الموجية للضوء!
إن رفع زجاجة مجمدة أو تسليط ضوء عليها في فيديو دعائي هو نوع من التدليس الإعلاني. هذا المنطق يماثل من يقول:
"بما أن هذا الحيوان يسبح، فهو بالضرورة بطة!".. متجاهلاً أن التمساح أيضاً يسبح!
اشتراك الزيت المغشوش مع الأصلي في "ظواهر فيزيائية" لا يعني تساويهما في القيمة، وأبحاث مركز (UC Davis) أكدت سقوط عينات "متجمدة ومبهرة ضوئياً" في اختبارات النقاوة الكيميائية.
الحكم هو "المختبر المعتمد" الذي لا يبحث عن اللون أو التجمد، بل عن "الهوية الكيميائية" التي لا تُزوّر:
أ.د عادل جبر نضع العلم في خدمة صحتكم