

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
من زيت يُنتَج… إلى زيت يُروى، ويُذاق، ويُدافع عنه كقيمة حضارية واقتصادية.
لم يعد التحدي في عالم زيت الزيتون هو "كم ننتج؟"، بل كيف نُعرِّف أنفسنا؟
في سوق عالمي يتخم بالوفرة، لم تعد الزجاجة التي تلتزم بالأرقام وحدها قادرة على البقاء، بينما تتقدم تلك التي تحمل قصة، وهوية، وبصمة لا تُنسى.
هذا المقال ليس عن زيت الزيتون بوصفه منتجًا غذائيًا، بل عن زيت الزيتون بوصفه مشروع سيادة حضارية، وعن الفرصة العربية الحقيقية للانتقال من هامش المنافسة إلى مركز القيادة، إذا أحسنا قراءة الأرض، والإنسان، والسوق.
في عالم اليوم، لم يعد زيت الزيتون يُقاس باللترات ولا يُقوَّم بالأرقام التحليلية وحدها، بل أصبح يُقاس بالأثر الحسي الذي يتركه، وبالقصة التي ترويها الزجاجة قبل أن تُفتح.
ففي حوض المتوسط، حيث تنمو قرابة 95% من أشجار الزيتون العالمية، لم تعد المعركة تدور في الحقول فقط، بل انتقلت إلى ساحة أعمق: ساحة الذهنية والرؤية والهوية.
لقد تجاوز العالم مرحلة "الزيت كغذاء"، ودخل عصر "الزيت كهوية حضارية"؛ حيث تتحول الزجاجة من وعاءٍ صامت إلى وثيقة ناطقة تختزل فلسفة الأرض، وعمق التاريخ، والانضباط العلمي، والقدرة على مخاطبة ذائقة عالمية شديدة الحساسية.
تكتفي كثير من التجارب العربية بالإنتاج "المطابق كيميائياً"، لكنها تظل صامتة شعورياً في سوق عالمي لا يشتري الأرقام، بل يتذوق المعاني. هنا يبرز الفارق الجوهري:
رؤية: الزيوت التي تكتفي بالمطابقة المخبرية تشبه "أجساداً بلا أرواح"؛ هي صحيحة تقنياً، لكنها تفتقر للروح التي تمنحها السيادة على الرفوف العالمية.
لا تكتمل سيمفونية التميز دون التوقف أمام "البصمة الجغرافية المصرية". إن مصر لا تمتلك مزارع، بل تمتلك "أراضيَ مقدسة".
تتربع سيناء على عرش هذه الهوية؛ فهي موطن الشجرة التي ذكرتها الكتب السماوية (شجرة الطور). زيت سيناء يمتلك جاذبية عالمية فطرية؛ فالمستهلك لا يشتري زيتاً، بل يشتري "قطعة من البركة والتاريخ". وبجوارها، ترسم مطروح وسيوة والفيوم لوحة من التنوع البيئي الفريد.
ولكن، هل كنا على قدر المسؤولية؟
بكل صراحة إستراتيجية، لقد امتلكنا "المواد الخام للأسطورة"، لكننا تأخرنا في كتابة فصولها، وتركنا العالم يستغل قداسة أسمائنا ليصنع قيمته المضافة. استغلال هذا الوقت لم يعد فرصة، بل هو "أمانة وطنية" لاستعادة حقنا التاريخي في قيادة عرش الذهب السائل.
تمثل سيناء جوهرة هذه الهوية؛ موطن "شجرة الطور" التي ارتبطت بالكتب السماوية والذاكرة الروحية للإنسانية. زيت سيناء لا يُشترى كمنتج، بل يُقتنى كـ قطعة من التاريخ والبركة، حيث تمتزج الجغرافيا بالعقيدة، والمناخ بالرمزية.
لكن سيناء ليست استثناءً وحيدًا في الجغرافيا العربية، فهناك أراضٍ أخرى تحمل بصمات لا تقل تفردًا:
المشكلة لم تكن يومًا في غياب الجغرافيا المميزة، بل في غياب المشروع الذي يحول هذه الجغرافيا إلى قيمة سوقية مستدامة.
لم تُفرض الهيمنة الأوروبية بفعل وفرة الإنتاج وفقط، بل بفعل "الاتحاد ككتلة واحدة". لقد انصهرت جهود إسبانيا وإيطاليا واليونان تحت مظلة معايير موحدة وقوة تفاوضية جعلت "النموذج الأوروبي" مرجعاً عالمياً.
اليوم، يبرز المجلس الدولي للزيتون (IOC) كمنصة استراتيجية لصياغة "تحالف الجودة العربي".
إن تعاون الدول العربية المنتجة ليس خياراً دبلوماسياً، بل ضرورة وجودية. حين نتحدث بصوت واحد، نتحول من "متنافسين على الفتات" إلى "كتلة سيادية" تعيد رسم خارطة السوق، فارضين هوية زيتية عربية تستمد قوتها من خصوبة الأراضي البكر التي لا يملك العالم لها نظيراً.
إن النهوض بالقطاع لا يحققه الآلات، بل يبنيه "الإنسان الواعي" في كل حلقة من حلقات السلسلة. الجودة لا يحرسها المختبر فحسب، بل يحرسها:
لتحويل الفكر إلى واقع، تبرز الحاجة لإنشاء معهد متخصص يكون "عصب الحياة" لهذا القطاع، وفق المحاور التالية:
لا يمكن لزيت أن يغزو العالم ما لم يكن "ملكاً" في موطنه. إن التميز المحلي هو المختبر الحقيقي للطموح العالمي. معركتنا الأولى هي بناء مستهلك عربي "يتذوق ولا يستهلك فقط".
حين يدرك المستهلك المحلي الفرق بين "الزيت التجاري" و"الزيت الفاخر ذو البصمة"، يتحول طلبه إلى ضغط إيجابي يدفع المنتجين للارتقاء. هذا الوعي المحلي هو الذي يحوّل السوق الداخلي من "سوق تصريف" إلى "منصة إطلاق" قادرة على إبهار لجان التحكيم الدولية.
العالم لا يحتاج إلى زيت زيتون إضافي، بل يحتاج إلى زيت له شخصية، ويقف خلفه إنسان يعرف لماذا ينتجه، ولمن، وكيف يُدافع عنه. التحدي الحقيقي لم يكن يومًا في كمية الإنتاج، بل في كفاءة العقل الذي يدير هذه الأرض، وهذه الشجرة، وهذه القصة.
إن المستقبل لا يُبنى على المنافسة العشوائية بين المنتجين داخل البلد الواحد، ولا على التناحر بين الدول العربية، بل على تكامل واعٍ:
الرؤية المستقبلية واضحة:
التميز المحلي هو الجذر،
والتكامل الوطني هو الساق،
والتعاون العربي هو القوة،
أما المنافسة العالمية… فهي الثمرة التي لن تُقطف إلا حين نؤمن أن زيت الزيتون ليس سلعة تُباع، بل هوية تُصان، وسيادة تُستعاد.