.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
حين ينطق الصمت البصري في قاعات التقييم الحسي الرسمية، يُحجَب لون زيت الزيتون خلف جدران الكؤوس الداكنة؛ هناك يتعمّد الخبراء إبعاد العين حتى لا تقع في فخ الإغراء البصري، فلا ينجرف الحكم وراء أخضر يانع يوحي بالطزاجة، ولا يخدعه ذهبي هادئ قد يُساء فهمه. فليس كل أخضر بالضرورة زيتًا بكرًا ممتازًا، وليس كل ذهبي علامة على تقادم أو ضعف. في تلك اللحظة، يُستبعَد اللون من الحكم الحسي لا انتقاصًا من قيمته، بل حمايةً للموضوعية، حتى يبقى القرار وفيًّا للرائحة والطعم والتوازن وخلوّ الزيت من العيوب.
لكن ما إن نغادر غرفة التذوق إلى رحاب الكيمياء التحليلية، حتى يسترد اللون اعتباره كاملًا. هنا لا يعود مجرد عنصر بصري يُرى، بل يتحول إلى شاهد علمي بليغ، وإلى نص كيميائي يروي سيرة الزيت ومسيرته: من الشجرة، إلى الثمرة، إلى المعصرة، إلى العبوة، ثم إلى مائدة المستهلك. إن الأصباغ الطبيعية في زيت الزيتون ليست زينة مستعارة، بل ذاكرة حية تحمل آثار الصنف، ومرحلة النضج، وحرارة المعاملة، وأثر الضوء، ولمسات الزمن. ولهذا فإن السؤال الذكي لا يكون: ما لون هذا الزيت؟ بل: ماذا يقول هذا اللون عن تاريخ الزيت وجودته واستقراره؟
تقوم المنظومة الصبغية في زيت الزيتون أساسًا على جناحين كبيرين:
وهذه المنظومة ليست جامدة، بل هي حالة من السيولة الكيميائية المتحركة؛ فالزيت الطازج لا يحتفظ بخريطة لونية ثابتة، بل تتبدل ملامحها تدريجيًا تحت تأثير النضج، وعمليات التصنيع، والتخزين، والتعرض للضوء والحرارة. ولذلك فاللون في زيت الزيتون ليس صورة جامدة، بل سجل متحرك.
إذا كانت المعصرة تصوغ الشخصية النهائية للزيت، فإن الشجرة هي المصنع الأول الذي تبدأ فيه كتابة هذه السيرة. فالصنف الوراثي، ودرجة نضج الثمار، والبيئة الزراعية، والمناخ، وسلامة الثمار وقت الحصاد، كلها عوامل تشارك مبكرًا في رسم البصمة الصبغية للزيت.
في الثمار المبكرة النضج، يكون حضور الكلوروفيل أوضح، فتبدو الزيوت أكثر خضرة وحيوية في مظهرها. ومع تقدم النضج تتغير هذه الخريطة تدريجيًا، وتميل بعض الزيوت إلى هدوء الخضرة أو إلى اتساع الطيف الذهبي. ومن هنا تتأكد قاعدة دقيقة كثيرًا ما يُساء فهمها: اللون رسالة، لكنه ليس حكمًا منفردًا. فلا فضل لأخضر على ذهبي إلا بما تقوله المنظومة الكيميائية والحسية مجتمعة عن الجودة والاستقرار.
من الإنصاف العلمي أن نبدأ بالوجه المشرق قبل الوجه القلق. فالأصباغ الطبيعية لا تمنح زيت الزيتون جاذبيته البصرية فحسب، بل تمنحه أيضًا هوية وبصمة وقيمة تفسيرية. فالكلوروفيلات والكاروتينات تسهم في:
والكاروتينات، على وجه الخصوص، تؤدي دورًا إيجابيًا مهمًا؛ إذ تستطيع أن تسهم نسبيًا في إخماد بعض صور الأكسجين النشط، فتخفف من سرعة بعض مسارات الأكسدة الضوئية. ولهذا يمكن القول إن هذه الأصباغ، في جانبها الإيجابي، تشبه الحارس الهادئ: تعرّفنا بهوية الزيت، وتمنح المختص مفاتيح أولية لفهمه، وتساعد — ضمن حدود — في دعم اتزانه.
ومن زاوية أكثر عمقًا، فإن اللون هنا ليس زخرفًا، بل هوية مرئية لرحلة غير مرئية. فحين يقرأ المتخصص بروفايل الأصباغ، لا يقرأ جمال اللون فحسب، بل يقرأ قرائن عن الشجرة، والثمار، ودرجة النضج، وظروف العصر، وما إذا كان الزيت لا يزال يحتفظ بشيء من شبابه الكيميائي.
هنا تكمن المفارقة الكيميائية الأجمل والأدق. فالكلوروفيل الذي يمنح الزيت خضرته اليافعة، قد يتحول في حضور الضوء إلى خصم داخلي.
فعندما يتعرض الزيت للضوء، يعمل الكلوروفيل ومشتقاته كمحسّسات ضوئية؛ تمتص الطاقة الضوئية ثم تنقلها إلى الأكسجين، فيتكوّن الأكسجين الأحادي شديد النشاط. وهذا الشكل من الأكسجين ليس عابر الأثر؛ إذ يهاجم الروابط الدهنية غير المشبعة داخل الزيت، فتبدأ سلسلة من التفاعلات التأكسدية التي تنتهي إلى تراجع الفاكهية، وفقد النضارة، ثم ظهور نغمات التزنخ والعيوب الحسية مع الوقت.
بمعنى آخر: الصبغة التي كانت عنوانًا للحيوية قد تصبح، في ظروف خاطئة، بوابةً لتسارع التدهور.
أما الكاروتينات، فتدخل هنا بما يشبه دور رجل الإطفاء؛ تحاول إخماد بعض هذه الحرائق الكيميائية، لكنها تستهلك نفسها تدريجيًا تحت سطوة الضوء. ولهذا فإن العبوة الداكنة ليست تفصيلًا شكليًا، ولا مجرد رفاهية تسويقية، بل هي درع واقٍ يحمي الكيمياء الداخلية للزيت من مسار التدهور الضوئي.
التفسير يبدأ من أن الأكسدة في الزيت ليست نوعًا واحدًا. فهناك أكسدة ذاتية ترتبط بالأكسجين والحرارة والزمن، وهناك أكسدة ضوئية يكون الضوء فيها عنصرًا نشطًا، وتلعب الصبغات فيها دور الوسيط أو المحفز.
في هذا المسار، لا يبقى الضوء عاملًا خارجيًا محايدًا، بل يتحول إلى طاقة كيميائية بواسطة الصبغة نفسها. وهنا يصبح اللون، الذي كان في البداية دليل حياة وهوية، بوابة محتملة لتلف أسرع إذا اجتمع مع عبوة شفافة أو رف مضاء أو تخزين سيئ. ومن هنا نفهم لماذا تكون بعض الزيوت الجميلة لونًا أكثر حساسية في الوقت نفسه، ولماذا لا يكفي أن يكون الزيت “مبهرًا بصريًا” لكي يكون “آمنًا كيفيًا” على المدى التخزيني.
إنها مفارقة دقيقة، لكنها واضحة في معناها: الصبغة نفسها قد تكون علامة حياة في الظلام، وعامل تدهور تحت الضوء.
رغم أن الكلوروفيلات والكاروتينات تمثلان العنوان الأشهر عندما يُذكر لون زيت الزيتون، فإن المشهد الصبغي في هذا الزيت الطبيعي أكثر ثراءً وتعقيدًا من ذلك بكثير. فزيت الزيتون قد يحتوي على مجموعة متنوعة من المركبات الصبغية الطبيعية بنسب متفاوتة، من أبرزها الكلوروفيل a والكلوروفيل b، إضافة إلى مشتقاتهما مثل الفيوفيتين a والفيوفيتين b الناتجة عن تحولات طبيعية في بنية الكلوروفيل.
كما توجد عدة صبغات من عائلة الكاروتينات، مثل اللوتين (lutein) والبيتا-كاروتين (β-carotene) والفيولاكسانثين (violaxanthin) والنيوكسانثين (neoxanthin) والأنثراكساثين (antheraxanthin) والبيتا-كريبتوكسانثين (β-cryptoxanthin). ومع مرور الزمن أو أثناء عمليات المعالجة والتخزين قد تتكون مشتقات وتحولات إضافية لهذه المركبات، فتضيف طبقات جديدة إلى ما يمكن وصفه بـ"لغة اللون" في زيت الزيتون.
ولا يمثل هذا التنوع الصبغي مجرد تفصيل أكاديمي، بل يحمل قيمة تطبيقية مهمة؛ إذ يساعد في تفسير الفروق الدقيقة بين الزيوت المختلفة، ويمكّن المختبرات من تكوين صورة أكثر عمقًا عن أصالة الزيت ودرجة طزاجته وتاريخه التصنيعي وظروف تخزينه. بل إن بعض المختبرات الرقابية قد تمتد في تحليلاتها إلى البحث عن مركبات صبغية غير طبيعية أو غير مسموح باستخدامها، لأن ظهورها قد يشير إلى محاولة للتلاعب بالمظهر أو إخفاء حقيقة الجودة خلف لون مُصطنع. ومن هنا يتضح أن ملف اللون في زيت الزيتون ليس مجرد مسألة جمالية، بل هو في جوهره ملف جودة وأصالة ونزاهة علمية.
لأن البيروفيوفيتين a ليس مجرد صبغة إضافية، بل هو في كثير من الأحيان أثر تحوّل أصاب جزءًا من منظومة الكلوروفيل مع الزمن أو مع التأثير الحراري. ولهذا ينظر إليه المختصون بوصفه خيطًا تحليليًا مهمًا في تتبع الأثر الحراري أو الزمني الذي مر به الزيت.
وقد تبنت بعض الأطر التنظيمية المحلية، مثل معيار كاليفورنيا، حدًا أقصى له في زيت الزيتون البكر الممتاز، وهو ما يعكس أهميته العملية في قراءة حداثة الزيت وتاريخه. لكن الدقة العلمية تقتضي ألا نرفعه إلى مقام القاضي المنفرد. فارتفاعه قد يرفع درجة الاشتباه، لكنه لا يكفي وحده للحكم النهائي على الزيت من دون قراءة بقية المؤشرات الكيميائية والحسية مجتمعة، مثل الحموضة، والبيروكسيد، والامتصاصية فوق البنفسجية، والتقييم الحسي، وسياق العينة ككل.
ولهذا يمكن تشبيهه بـ شاهد موثَّق في ملف الزيت: شهادته مهمة، لكنها لا تعمل وحدها خارج القضية الكاملة.
هنا تظهر المسافة بين رحابة العلم وصرامة التشريع. فالمعايير الدولية الأساسية، مثل مواصفات المجلس الدولي للزيتون والدستور الغذائي، لا تجعل الأصباغ الطبيعية حتى الآن حدودًا رقمية فئوية عامة على النحو الذي نجده في الحموضة الحرة أو رقم البيروكسيد أو معاملات الامتصاصية فوق البنفسجية.
فالتصنيف التجاري لزيت الزيتون ما يزال قائمًا أساسًا على:
لكن التشريعات، رغم ذلك، لا تتجاهل أثر الضوء والحرارة؛ فاشتراط الحفظ بعيدًا عن الضوء والحرارة على بعض العبوات ليس مجرد نص توجيهي، بل انعكاس واضح لحقيقة علمية: أن منظومة الصبغات، وخاصة الكلوروفيل ومشتقاته، تجعل الزيت حساسًا لمسار التدهور الضوئي إذا أسيء التعامل معه.
ومن هنا يبرز الدور الحاسم لـ القراءة التركيبية: العلم يملك المؤشرات، والتشريع يوفر الأطر، لكن الحكم الرشيد يبقى في يد الخبير، والمختبر الرصين، والفهم الذي لا يختزل الحقيقة في رقم واحد.
تعني أن ملف الأصباغ ليس ملفًا جانبيًا أو تجميليًا، بل طبقة تفسيرية رفيعة في برامج الجودة. فهي لا تلغي التحاليل الأساسية، لكنها تضيف إليها أفقًا أعمق، وتساعد على فهم تاريخ العينة، وأثر الحرارة والضوء عليها، ومدى انسجام ظاهر الزيت مع حقيقته الكيميائية.
كما تؤكد أهمية وجود خبير أو استشاري مع فريق الجودة والبحث والتطوير؛ لأن تفسير هذه المؤشرات يحتاج إلى علم وخبرة وربط بين المعطيات، لا إلى قراءة مجزأة أو أحكام متعجلة. فاللون وحده لا يكفي، لكنه حين يوضع في سياقه الصحيح، يصبح من أذكى ما يقوله الزيت عن نفسه.
في النهاية، يظل زيت الزيتون كائنًا حيًّا في كيميائه، حتى وإن بدا ساكنًا في زجاجته. وإذا كانت الكأس الداكنة تحجب اللون حمايةً للموضوعية الحسية، فإن العقل العلمي لا يجوز أن يحجب دلالات هذا اللون عند قراءة الجودة. فالأصباغ الطبيعية ليست مجرد ألوان، بل ترمومتر الصحة الكيميائية للزيت، ورسائل دقيقة عن مدى احترام المنتج لثمار الشجرة، وعن أمانة العصر والتعبئة والتخزين، وعن مقدار ما حُفظ من هذا الذهب السائل أو أُهدر تحت سطوة الضوء والحرارة والزمن.
حين ترفع زجاجة الزيت أمام الضوء لتتأملها، تذكّر أنك لا تنظر إلى مظهر عابر، بل تقرأ فصلًا بليغًا من سيرة الوفاء بين الشجرة والمائدة. فالكلوروفيل يمنح الزيت شبابه اللوني، والكاروتينات تضيف إليه دفئه وتوازنه، ثم تأتي الأيام لتختبر صدق هذه المنظومة كلها. والجودة الحقيقية ليست في درجة اللون التي تسر الناظرين، بل في صدق اللون الذي يحفظ للزيت قيمته وخصاله.
وكما يبدأ الزيت من مصنع الشجرة صامتًا، ينتهي في جوف الإنسان أثرًا وغذاءً وعافية. وما اللون، في هذه الرحلة كلها، إلا الرسول الواصل بين البداية والنهاية؛ بين ما صنعته الطبيعة أولًا، وما حفظه العلم أو أضاعه الإهمال أخيرًا.
تلك هي لغة اللون: ذاكرة زيت الزيتون الكيميائية، وسيرة جمال، وعلم، وأمانة ممتدة من الشجرة إلى المائدة.