
رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
إذا كان مالك السيارة الفاخرة لا يضع في محركها إلا أفضل الزيوت، ولا يتهاون في صيانتها، ولا يخرج عن تعليمات الشركة المصنّعة حفاظًا على كفاءتها وعمرها، فمن باب أولى أن يكون هذا الوعي أشد حضورًا حين يتعلق الأمر بأجسادنا؛ فهي أثمن من كل آلة، وأعقد من كل محرك، وأغلى من كل ما نملك.
فالقلب، والدماغ، والكبد، وسائر الأعضاء الحيوية لا تعمل بعشوائية، ولا تحتمل الإهمال طويلًا، بل تحتاج إلى حسن اختيار ما نغذّيها به، وإلى فهم دقيق لما يدخل إليها من زيوت ودهون. ومن هنا لا يعود الحديث عن الدهون حديثًا عن زيادة الوزن وحدها، بل عن الصيانة الداخلية للجسد، وعن جودة الوقود الذي ينعكس أثره على الصحة، والطاقة، وكفاءة الحياة كلها.
كثيرًا ما جرى اختزال الدهون في الذهن العام إلى صورة واحدة: زيادة في الوزن، أو رقم مقلق في تحليل الدم، أو تهمة جاهزة تُلقى على الطعام كلما اختلّ الميزان الصحي. غير أن الحقيقة العلمية أوسع من هذا بكثير. فالدهون ليست مجرد عبء يُختزن تحت الجلد، بل هي جزء من بنية الحياة نفسها؛ تدخل في تكوين الخلايا، وتزويد الجسم بالطاقة، ودعم الأعصاب والدماغ، والمساعدة على امتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون، كما تتصل بوظائف دقيقة تخص الهرمونات والعينين والجلد وسلامة الأنسجة.
لهذا فإن السؤال الأكثر نضجًا ليس: هل نتخلص من الدهون؟ بل: ما نوع الدهون التي نختارها؟ وكم نستهلك منها؟ وفي أي سياق غذائي ونمط حياتي نضعها؟ هنا يبدأ الفهم الحقيقي، وهنا تتحول الثقافة الغذائية من خطاب المنع والتخويف إلى خطاب الإدارة الذكية والاختيار الواعي.
الدهون، أو الليبيدات، ليست مركبًا واحدًا، بل عائلة واسعة من المواد الحيوية التي يؤدي كل منها دورًا مختلفًا. وفي أبسط صورة يمكن النظر إليها من خلال أربع دوائر رئيسية: الدهون الثلاثية، والفوسفوليبيدات، والكوليسترول، والأحماض الدهنية الأساسية.
فـ الدهون الثلاثية تمثل الصورة الأشهر لتخزين الطاقة. حين يحتاج الجسم إلى وقود سريع أو احتياطي، يعود إليها بوصفها خزانًا حيويًا. لكنها حين ترتفع فوق الحاجة تتحول من رصيد نافع إلى عبء فى عملية التمثيل الغذائى قد يضغط على القلب والأوعية والكبد.
أما الفوسفوليبيدات فهي من أعمدة البناء الخلوي؛ فهي تدخل في تكوين أغشية الخلايا، ذلك الحاجز الذكي الذي ينظّم دخول المواد وخروجها ويحفظ للخلية هويتها ووظيفتها. ومن دون هذا البنيان الدهني الدقيق لا يمكن للخلية أن تحافظ على استقرارها ولا أن تؤدي مهمتها في الاتصال والحماية والتبادل الحيوي.
ويأتي الكوليسترول في المرتبة الثالثة بوصفه مادة ضرورية لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها شرًا مطلقًا. فالجسم يحتاج إليه في بناء الخلايا وصناعة عدد من الهرمونات الحيوية. غير أن المشكلة لا تكمن في وجوده، بل في اختلال توازنه، وخصوصًا عندما ترتفع بعض أنماطه في الدم على نحو يهدد سلامة الشرايين.
أما الأحماض الدهنية الأساسية، وعلى رأسها أحماض أوميجا-3 وأوميجا-6، فهي دهون لا يستطيع الجسم تصنيعها بالكفاية المطلوبة، لذلك لا بد من الحصول عليها من الغذاء. وهنا تظهر قيمة الاختيار الغذائي، لأن جودة هذه الدهون لا تنعكس فقط على التحاليل، بل على البنية العصبية والبصرية والهرمونية والالتهابية في الجسم كله.
من أكثر الأخطاء شيوعًا النظر إلى الدهون باعتبارها مجرد مصدر مرتفع للطاقة. نعم، الدهون غنية بالسعرات، لكن حصرها في هذا الجانب يُفقد الصورة معظم معناها. فالدهون تؤدي أدوارًا أعمق بكثير من الحساب الحراري؛ فهي مادة بناء، ووسيط امتصاص، وبيئة تشغيل حيوية لمجموعة واسعة من الوظائف الدقيقة.
إن امتصاص الفيتامينات A وD وE وK يعتمد على وجود الدهون؛ فهي فيتامينات ذائبة في الدهون، ما يعني أن اضطراب تناول الدهون الصحية أو اضطراب امتصاصها لا ينعكس فقط على الوزن، بل قد يمتد إلى الرؤية، وصحة العظام، والجلد، والوظائف العصبية، والتوازن بين تجلط أو سيولة الدم فى الجسم.
وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في العلاقة بين الدهون وفيتامين D والكالسيوم. فالدهون لا تبني العظام مباشرة، لكنها تسهم في تهيئة الطريق لامتصاص فيتامين D والاستفادة منه. ثم يأتي دور هذا الفيتامين في دعم امتصاص الكالسيوم والمساعدة في تمعدن العظام والمحافظة على بنيتها. ومن هنا يتضح أن الحديث عن الدهون لا يجوز أن يبقى حبيس لغة السمنة والنحافة، لأنه في جوهره حديث عن التمثيل الحيوي ووظائف البقاء.
ينبغي التمييز بين دور الدهون حين تُؤكل، ودورها حين تُستخدم على الجلد أو في المستحضرات الموضعية. فالدهون الغذائية تدخل الجهاز الهضمي، ثم تُهضم وتُمتص وتشارك في إنتاج الطاقة وبناء الأغشية الخلوية ودعم أعضاء الجسم المختلفة. وهذا هو معناها الاستقلابي الحقيقي.
أما في الاستخدام الخارجي، مثل الزيوت الموضعية والمرطبات والمطريات، فهي لا تُغذي الجسم بالمعنى الداخلي نفسه، لكنها تؤدي دورًا مهمًا في تقليل فقد الرطوبة، وتخفيف الجفاف والخشونة، ودعم سلامة الحاجز الجلدي. وهكذا تتكامل الصورة: غذاء من الداخل، وصيانة من الخارج، ولكل منهما مجاله وحدوده ووظيفته.
الكوليسترول من أكثر المفاهيم التي أسيء تقديمها في الثقافة الصحية العامة. فالمطلوب ليس شيطنته، بل فهمه. إنه مادة ضرورية لبناء الخلايا وصناعة بعض الهرمونات، لكن ضرره يظهر عندما يختل توازنه في الدم.
ومن هنا جاء التفريق الشائع بين LDL و HDL. فالأول يرتبط عادة بزيادة احتمال تراكم الترسبات داخل الشرايين إذا ارتفع، لذلك اشتهر بوصفه "الضار"، بينما يساعد الثاني على نقل جزء من الكوليسترول بعيدًا عن الأنسجة والشرايين، ومن هنا وصفه الناس بـ"النافع". لكن القراءة الطبية الأعمق لا تكتفي بهذا التصنيف الثنائي؛ إذ لا يمكن فهم ملف الدهون بمعزل عن الدهون الثلاثية، وضغط الدم، وسكر الدم، والوزن، والتدخين، والنشاط البدني، والاستعداد الوراثي.
لذلك فإن التحليل الدهني ليس رقمًا منفصلًا، بل جزء من مشهد استقلابي أوسع. وقد يحمل الشخص LDL مقبولًا لكنه يعاني ارتفاع الدهون الثلاثية مع زيادة محيط الخصر والخمول واضطراب سكر الدم، وهنا تكون الصورة مقلقة رغم غياب بعض الأرقام الصارخة. العلم لا يقرأ عنصرًا واحدًا بمعزل عن بقية المنظومة.
الدهون ليست مجرد وقود للدماغ، بل جزء من بنيته التشغيلية. بعض الأحماض الدهنية، مثل DHA، يدخل في تركيب الأغشية العصبية بدرجة لافتة، بما يجعل جودة الدهون في الغذاء عنصرًا مؤثرًا في البيئة الحيوية التي يعمل فيها الجهاز العصبي. ولا يقتصر الأمر على البناء، بل يمتد إلى كفاءة نقل الإشارات العصبية، لأن سلامة الأغشية الدهنية ضرورية لعمل المستقبلات والقنوات والإشارات الخلوية.
تشارك الدهون في لغة الضبط الداخلي للجسم. فالكوليسترول مادة أولية في تصنيع عدد من الهرمونات المهمة، بما في ذلك بعض الهرمونات الجنسية وهرمونات الغدة الكظرية. وهذا يعني أن الدهون ليست فقط مادة تختزن أو تُحرق، بل هي جزء من منظومة الإشارات التي تضبط النمو والتكاثر والاستجابة الحيوية والاتزان الداخلي.
للدهون حضور مهم في الشبكية، وهي من أكثر أنسجة الجسم دقة وحساسية. كما أن اضطراب امتصاص الدهون قد ينعكس على الاستفادة من فيتامين A، وهو عنصر أساسي للرؤية الطبيعية، خاصة في الإضاءة الخافتة. ومع ذلك يجب الحفاظ على الانضباط العلمي: أوميجا-3 عامل داعم مهم لصحة العين، لكنه ليس تفسيرًا سحريًا لكل اضطرابات الإبصار، ولا يغني عن التقييم الطبي المتخصص.
حين تسود الدهون الرديئة ويختل التوازن الغذائي، تصبح الأوعية أكثر عرضة للترسبات الصامتة التي قد تتراكم ببطء حتى تُعلن عن نفسها في صورة مرض قلبي أو وعائي. ولهذا لا تقتصر قيمة الدهون الجيدة على تحسين التحاليل، بل تمتد إلى حماية البنية الوعائية نفسها.
الكبد هو المعمل المركزي لإدارة الدهون: تصنيعًا، وتحويلًا، وتنظيمًا، وتوزيعًا. لذلك فإن الإفراط المزمن في السكريات المكررة، والدهون المتدنية الجودة، وقلة الحركة، يضع هذا المعمل الحيوي تحت ضغط مستمر قد ينعكس على وظائفه مع الزمن.
تؤدي الدهون دورًا مهمًا في حفظ الحاجز الجلدي وتقليل فقد الماء ودعم نعومة البشرة ومقاومتها للعوامل الخارجية. أما المفاصل، فمن المهم هنا تجنب التشبيه السطحي؛ فهي لا "تُشحَّم" مباشرة بالدهون الغذائية كما تُشحَّم الآلات، لكن التغذية الجيدة بالدهون المتوازنة تدعم سلامة الأنسجة والبيئة العامة التي تعمل فيها المفاصل.
في الخطاب الصحي الحديث يُحتفى كثيرًا بأوميجا-3، وهذا مفهوم بالنظر إلى أهميتها. لكن من غير الدقة أن يتحول هذا الاحتفاء إلى تجاهل للدور الحيوي لأوميجا-6. فكلاهما من الأحماض الدهنية الأساسية، وكلاهما يحتاجه الجسم ضمن توازن غذائي سليم. الرسالة الأدق ليست إلغاء أوميجا-6، بل تحسين نوعية الدهون الكلية، وتقليل الدهون المتحولة، والحد من الإفراط في الدهون الرديئة، وتحقيق توازن غذائي لا يُحوّل المكونات الأساسية إلى خصوم وهميين.
خلل التوازن الدهني قد يعبّر عن نفسه داخليًا وخارجيًا. داخليًا قد تظهر الصورة في ضعف الرؤية، أو اضطراب الاستفادة من الفيتامينات الذائبة في الدهون، أو بعض المظاهر العصبية والعضلية، أو تأثر صحة العظام، أو اضطراب التجلط في بعض الحالات. وخارجيًا قد يبدو الأمر في صورة جفاف الجلد، وخشونته، وتقشره، وضعف حيوية الشعر.
لكن المفارقة أن أكثر اضطرابات الدهون شيوعًا قد تتقدم في صمت تام. فقد يرتفع الكوليسترول أو الدهون الثلاثية من دون أعراض واضحة، ولهذا كان الفحص المخبري الدوري جزءًا من الصيانة الوقائية، لا ترفًا طبّيًا مؤجلًا.
المعيار هنا ليس الخوف، بل الانتباه. إذا اجتمعت زيادة محيط الخصر، والخمول، وارتفاع الضغط، واضطراب سكر الدم، والتدخين، أو وُجد تاريخ عائلي لأمراض القلب، فإن متابعة الملف الدهني تصبح أكثر أهمية. فالجسد لا ينهار فجأة، بل يرسل إشارات صغيرة ينبغي أن تُفهم قبل أن تتحول إلى أزمة.
ومن الناحية العملية، فإن تحليل الدهون يظل من أهم أدوات التقييم. وفي كثير من الحالات تُطلب فترة صيام قبل التحليل، ولا سيما عندما يكون التركيز على دقة قياس الدهون الثلاثية، وفق توجيه الطبيب أو المختبر ونوع التقييم المطلوب.
لتبسيط المشهد، يمكن النظر إلى الدهون في الحياة اليومية عبر ثلاثة ألوان:
الإدارة الذكية للدهون لا تعني الاكتفاء بتغيير نوع الزيت، بل تعني بناء نمط حياة كامل. اختر الدهون غير المشبعة بوصفها الأساس، واجعل للأسماك حضورًا منتظمًا في الغذاء، وأدخل المكسرات والبذور بقدر معتدل، وقلّل من المنتجات شديدة التصنيع. واحذر من الوهم الشائع القائل إن الطعام غير المقلي لا يمكن أن يرفع الدهون؛ فالإفراط في السكريات والنشويات المكررة قد يرفع الدهون الثلاثية بقوة حتى لو بدا الطبق "قليل الدهن" في الظاهر.
أضف إلى ذلك الحركة المنتظمة، وتحسين الوزن، والنوم الجيد، والابتعاد عن التدخين، لأن ملف الدهون لا يعيش داخل زجاجة الزيت وحدها، بل داخل نمط الحياة كله.
الدهون ليست عدوًا مطلقًا، ولا صديقًا مطلقًا. إنها أداة حيوية، تتحدد قيمتها بنوعها، وكميتها، وسياقها، وطريقة إدارتها. والوعي الحقيقي لا يقوم على الحرب على الطعام، بل على التمييز بين ما يبني وما يرهق، وبين ما يدعم الوظيفة الحيوية وما يربكها في صمت.
إن أجسادنا لا تحتاج إلى خطاب ذعر، بل إلى ثقافة صيانة. تحتاج إلى عينٍ تعرف كيف تختار، وإلى يدٍ تعتدل في الكمية، وإلى عقلٍ يفهم أن الوقاية تبدأ قبل الألم، وأن المستهلك الواعي هو خط الدفاع الأول عن نفسه وأسرته.
فلا تجعلوا من بيوتكم ساحةً للغذاء الزائف، ولا من أجسادكم حقلًا لتجارب المنتجات الرديئة. ابدأوا من اليوم بثلاثية بسيطة لكنها عميقة الأثر: وعيٌ في الاختيار، واعتدالٌ في الكمية، وانتظامٌ في المتابعة. عندها فقط تتحول الدهون من مصدر قلق مضطرب إلى ملف مفهوم يُدار بالحكمة لا بالخوف.
المراجع العلمية المعتمدة في بناء المادة: منظمة الصحة العالمية (WHO)، مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، المعهد الوطني للقلب والرئة والدم (NHLBI/NIH)، مكتب المكملات الغذائية التابع للمعاهد الوطنية للصحة (ODS/NIH)، وجمعية القلب الأمريكية (AHA).