.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
في كل عقد من الزمان، تختار المنصات "متهمًا" جديدًا يُساق إلى مقصلة التحذير؛ تارةً هي الزبدة، وتارةً الزيوت النباتية، وتارةً أخرى الكربوهيدرات. تتبدل العناوين وتتضارب "الفتاوى الغذائية"، حتى بات المستهلك يقف أمام ما يأكل وقفة الحائر أمام لغز: ماذا آكل؟ ومن أصدق؟
إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في الغذاء ذاته، بل في "صناعة الوعي" حوله. فبين مختبرٍ ينتج معرفةً رصينة، وإعلامٍ يقتنص الإثارة، وتسويقٍ يبيع الوهم خلف صورة برّاقة، ضاعت البوصلة. لذا، وجب علينا استعادة محراب العلم لنفرق بين "الضجيج" و"الحقيقة".
يشيع بين الناس أن "العلم يغير رأيه كل يوم"، والحقيقة أن العلم لا ينقلب على نفسه، بل يرتقي وتتراكم أدلته:
في عصر الفضاء الرقمي، برز تحدٍّ جديد هو "ضجيج المتحدثين". تحولت المنصات إلى ساحات يعتلي منابرها من "يهرفون بما لا يعرفون"، مستخدمين خطابًا تخويفيًا ومبالغات لجمع المشاهدات. هؤلاء لا ينقلون علمًا، بل يبيعون "خوفًا" دون مرجع رصين، ويزيد المشهد ارتباكًا دخول مشاهير من تخصصات غير دقيقة في قضايا تقنية شديدة الحساسية.
إن جوهر البحث العلمي الرصين يكمن في قدرته على إعادة التقييم المستمر، ومراجعة التوصيات وتصحيحها كلما تجمعت أدلة جديدة تفرض واقعًا صحيًا أدق. العلم ليس "نصوصًا مقدسة"، بل حقيقة تبحث عن الاقتراب من الكمال؛ وخير مثال على هذه المراجعة التصحيحية هو ما شهده تحديث هرم الغذاء والتغذية الصادر في يناير 2026.
لقد جاء هذا الإصدار لينصف الزيوت والدهون الصحية بعد عقود من "التهميش الكيميائي"، حيث أعاد لها مكانتها كمكوّن أصيل وضروري في النمط الغذائي المتوازن. فالدهون ليست مجرد "مخزن للسعرات"، بل عنصر حيوي لصحة الدماغ والهرمونات، ويؤكد هذا التحديث أن "الهروب منها" قد يدفع إلى اختلالات غذائية وسلوكية، وأن الطريق الأصح هو "الدهون الواعية" لا "الدهون المحرّمة".
وإذا كنا بصدد الحديث عن هذا الإنصاف، فلا بد من كسر قيود "الفوبيا الغذائية" التي كُبل بها الوعي الجمعي لعقود… ولعل أولها الموقف المتشدد من الدهون المشبعة.
لقد تعرضت الأحماض الدهنية المشبعة لواحدة من أكبر حملات "التنميط العلمي"، حيث وُضعت تاريخيًا في سلة واحدة كمتهم رئيسي بأمراض القلب، مع إغفال الفوارق الجوهرية بين أنواعها. العلم المتزن اليوم يخبرنا أن "المشبعة" ليست كتلة صماء؛ فهناك فرق بين أحماض دهنية قصيرة ومتوسطة السلسلة (كما في دهون الألبان وزيت جوز الهند) وبين غيرها.
لقد حجب التخويف المبالغ فيه حقيقة أن هذه الدهون تمثل جزءًا من البناء الهيكلي لأغشية الخلايا، وهي ضرورية لإنتاج الهرمونات، وحماية الأعضاء الداخلية، وتوفير طاقة أكثر استدامة. إن شيطنتها دون تمييز لم تكن سوى حلقة من حلقات تشويش الوعي التي جعلت الناس يفرون من "أمان الطبيعة" إلى "زيف البدائل المصنعة".
ولم يتوقف قطار التخويف عند حدود الدهون المشبعة، بل امتد ليطال ركنًا فسيولوجيًا لا يقل أهمية: "الكوليسترول".
تحول الكوليسترول في الوعي الجمعي إلى "وحش كيميائي" يهدد الشرايين، وسط تجاهل لدوره الحيوي الذي لا تستقيم الحياة بدونه. فالكوليسترول حجر زاوية في بناء أغشية الخلايا، ومادة خام لتصنيع فيتامين D وأحماض الصفراء، ولبنة أساسية للهرمونات.
والأهم أن الجسم لا يعتمد على الغذاء وحده، إذ يُعد الكبد "المصنع الأكبر" للكوليسترول، وينتج نسبة كبيرة من احتياجاتنا اليومية. لذا فإن التخويف منه دون شرح أدواره هو أحد وجوه تشويش الوعي التي تُضل البوصلة بين الحقيقة العلمية والشعار الدعائي.
لكن عودة البوصلة إلى محراب العلم لا تعني الانجراف من نقيض إلى نقيض، بل تعني الانتقال من "عقلية الحرمان" إلى "ثقافة الميزان".
طبقًا للتوجهات الدولية الحديثة، فإن جودة الحياة الصحية لا تكمن في "إقصاء" نوع من الدهون لحساب آخر، بل في تحقيق توازن ذهبي بين ثلاثة أركان:
هذا التوازن ضرورة حيوية؛ فبينما تمنح الدهون المشبعة الخلايا قدرًا من الصلابة، تمنحها الأنواع الأخرى المرونة اللازمة لتبادل الإشارات العصبية وامتصاص المغذيات. البوصلة العلمية اليوم تشير إلى "الاعتدال الواعي" لا "الحرمان".
"والتوازن الذي نتحدث عنه ليس شعارًا عامًا، بل له تطبيقات دقيقة في تفاصيل الأحماض الدهنية نفسها، ولعل أبرزها الجدل الدائر حول أوميجا 6 وأوميجا 3."
في السنوات الأخيرة، ارتفع صوتٌ يُحمِّل أحماض أوميجا 6 مسؤولية "الالتهابات المزمنة" وكأنها متهمٌ منفرد في قفص الاتهام. والحقيقة العلمية أكثر اتزانًا من هذا الطرح المُختزل.
أولًا، أوميجا 6 حمض دهني أساسي لا يستطيع الجسم تصنيعه، وهو ضروري لبناء أغشية الخلايا، وتنظيم الاستجابات المناعية، وتكوين مركبات حيوية تنظّم وظائف عديدة. المشكلة ليست في وجوده، بل في اختلال التوازن.
ثانيًا، يغفل خطاب التخويف حقيقة محورية: أن الجسم يعمل وفق منظومة توازن بين أحماض أوميجا 6 وأوميجا 3—وهما معًا الحامضان الدهنيان الأساسيان في التغذية البشرية. فأوميجا 3 (الموجودة في الأسماك الدهنية، وبذور الكتان، والجوز، وبعض الزيوت النباتية) تسهم في ضبط وتنظيم مسارات الالتهاب، وتوازن التأثيرات الفسيولوجية لأوميجا 6.
العلم لا يدعو إلى "إقصاء" أوميجا 6—وهو موجود طبيعيًا في زيوت مثل دوار الشمس والذرة وفول الصويا—بل إلى تحقيق نسبة متوازنة بين أوميجا 6 وأوميجا 3 ضمن النمط الغذائي الكلي. فالمشكلة تنشأ عندما يغيب التنوع وتقل مصادر أوميجا 3 في الغذاء، لا عندما يوجد أوميجا 6 في حد ذاته.
لو كان الخطاب توعويًا بحق، لركز على ثقافة الميزان لا ثقافة التخويف:
فكما أن الإفراط في أي عنصر يخلّ بالمعادلة، فإن الاعتدال المدروس يعيد الانسجام البيوكيميائي الذي بُني عليه الجسد. والبوصلة العلمية هنا واضحة: ليست القضية "ضد أوميجا 6"… بل مع التوازن بين 6 و3.
عندما شُيطنت الدهون قسرًا، اتجه كثيرون إلى منتجات "خالية الدسم". لكن لتعويض النكهة، أضيفت جرعات أعلى من السكريات والنشويات المكررة.
الدهون المتحولة (Trans Fats)—خاصة الناتجة عن الهدرجة الجزئية—تمثل خطرًا واضحًا على الشرايين. وقد كان وضع الأطر الوقائية الدولية خطوة مهمة، وترجمتها الدول إلى تشريعات ورقابة وتحليل.
الجودة هي ملاءمة الزيت للمهمة:
أعداء الزيت: الحرارة المفرطة، الضوء، الأكسجين، والعناصر المعدنية (مثل الحديد والنحاس) والرواسب المتفحمة—وهي عوامل تُعجّل بتدهور الزيت كيميائيًا.
كيف تدير المقلاة؟
الزيوت والدهون ليست خصمًا ولا بطلًا؛ إنها مكوّن يحكمه السياق والاستخدام. حين نُغيّب العلم تختلط الأحكام، وحين نُعيد للبوصلة هيبتها يستقيم القرار. تذكر دائمًا: الوعي لا يُبنى بالترهيب بل بالفهم. والاختيار الذكي يبدأ بسؤال جوهري: هل أتحرك بدافع "الصورة" البراقة… أم بدافع "الدليل" الراسخ؟